
لماذا اخترت الصحافة الحزبية وأنت تعلم أنها تعيش يوميا قلق الرقابة؟
لا أخفيك أن الصحافة الوطنية عانت من الرقابة، خاصة في سنوات الجمر والرصاص، فالرأي العام لم يكن يطلع على الصحف إلا بعد خضوعها للفحص والتمحيص من طرف السلطات الأمنية. وما أن ننتهي من إنجاز العدد حتى يخضع للرقابة الدقيقة، وبعدها قد يسمح لك بإخراج الصحيفة للسوق أو تعديل بعض موادها، أو بتر مقالات تزعج النظام، أو هكذا تبادر إلى ذهن المراقبين، لذا كان القارئ يفاجأ، أحيانا، بصفحة بيضاء، فيعرف أن الرقابة صادرت مضامينها.
هل زارك المخبرون أو اقتادوك يوما إلى مخفر الشرطة؟
كان المخبرون يزورونني، وهذا أمر طبيعي لأن الخط التحريري للصحيفة يساري معارض، ولأن مديرها هو القيادي السياسي عبد الله إبراهيم الذي كان وزيرا أول في السنوات الأولى من الاستقلال، لكن، للأمانة، لم يسبق لي أن جلست أمام المحققين في مخفر شرطة بصفتي رئيس تحرير صحيفة تابعة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
ألم تندم على دخولك غمار تجربة إعلامية قبل أن تنضج سياسيا؟
أعجبت بعبد الله إبراهيم، هذه القامة السياسية والفكرية، وبكل صدق دخلت غمار تجربة في وقت لم يكن سني يؤهلني لذلك، وأحيانا يتعرض الإنسان لمناوشات.. لكني كنت ألجأ إلى عبد الله إبراهيم في بيته بشارع محمد عبده، وأذكره بأنني أشتغل معه بصفتي صحافيا لا بصفتي مناضلا حزبيا، وأنني أتقاضى أجرا على عملي لا على نضالي. حاول عبد الله إبراهيم أن يجعل مني مناضلا تابعا لحزب سياسي، إلا أني رفضت بطاقة العضوية، في فترة كان يحضر فيها للمؤتمرات الجهوية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في أفق الإعداد للمؤتمر الوطني. غير أن هذه التجربة الإعلامية مكنتني من لقاء قامات سياسية ونسج علاقات مع أصدقاء جدد، على غرار الشاوي وحداد، واليزناسني والعمراني والوزاني..
أين كانت تطبع جريدة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟
كانت تطبع في مطابع «إمبريجيما» التابعة للاتحاد المغربي للشغل، وفيها كانت تطبع صحف عديدة من قبيل الطليعة والتحرير، والجريدة الأولى و«مغرب أنفورماسيون»، التي كان لها مكتب في المطبعة وكانت من أفضل الصحف في تلك الفترة، بالنظر إلى الأقلام التي كانت تكتب فيها والتحليل السياسي العميق الذي ظل يميزها.
هذه المطبعة توجد في شارع لاجيروند ولا تبعد كثيرا عن مقر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي هو مكتبي، لذا كنت أسير مشيا من مقر الجريدة إلى المطبعة في أقل من ربع ساعة.
ماذا عن حيز الثقافة في صحيفة كان يرأس تحريرها شاعر مثلك؟
حن التحقت بعملي في الصحيفة، لاحظت أن الصفحة الثقافية كانت مخصصة للمناضلين اليساريين وبصفة خاصة للمنتمين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ففتحتها لكتاب من خارج محيط الحزب، مثل الشاوي والمسناوي، وبوزفور والملياني، وأيت ورهان والرباوي، ومجموعة من الأسماء قمت باستقطابها من عالم الأدب، حتى أصبحت الصفحة الثقافية قبلة لكبار المثقفين.
هل كانت الصفحة الثقافية تخضع للرقابة، على غرار باقي صفحات الجريدة؟
لم تكن الرقابة تستثني أي صفحة من صفحات الجريدة، سياسية كانت أو ثقافية أو اجتماعية. لكن، وبالرغم من صعوبتها مكنتني التجربة من اكتساب شخصية تفوق سني. تصور أن ديواني «أعاصير الحزن والفرح» طبعت منه خمسة آلاف نسخة، وأصبح متاحا عند عدد كبير من المنتسبين للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
لماذا اخترت وضع نقطة نهاية لهذه التجربة؟
لم أضع لهذه التجربة الجميلة نقطة نهاية، لكن كان لابد لي، وأنا في سن الحادية والعشرين، أن أبحث لنفسي عن مهنة فيها نوع من الاستقرار، لذا اتفقت أنا وصديقتي حينها، التي ستصبح زوجتي، على دخول غمار التربية والتعليم، فتقدمنا سويا لمباراة ولوج مركز تكوين الأساتذة، أنا في الشعبة العربية وهي بالشعبة الفرنسية، وكان يجمعنا حب جارف منذ أن كنا ندرس في ثانوية محمد الخامس بطنجة أو في كلية الحقوق بالرباط.





