
في فيلم «المنسي»، لم يحتج مصطفى متولي إلى مساحة طويلة كي يصنع واحدة من أكثر الشخصيات السياسية مرارة في السينما العربية. فوزي بيه، المسؤول السابق، يدخل الحفل كمن يدخل جنازته متأخراً. يعرف الوجوه، ويحفظ الطقوس ويتذكر جيداً كيف كانت هذه الوجوه نفسها تتزاحم ذات يوم أمام مكتبه. لكنه الآن زائد عن الحاجة، قطعة أثاث خرجت من الديكور الرسمي ولم ينتبه صاحب البيت إلى ضرورة التخلص منها. يشرب، يضحك، يتطفل على حفلة لم يعد ينتمي إليها، كأنه يحاول إقناع نفسه بأن الباب الذي فُتح له بالأمس لا يزال باباً، لا مجرد ذكرى.
هنا تكمن قسوة الشخصية. فوزي لا يكتشف أن أصدقاءه تغيروا، يكتشف أن صداقاتهم لم تكن موجودة أصلاً. الرجل، الذي ظن أنه كان محبوباً، يكتشف، بعد زوال المنصب، أن الذي كان محبوباً هو الكرسي.. وأن الضحكات التي كانت تملأ مكتبه لم تكن إعجاباً بخفة دمه، بل استثماراً صغيراً في توقيع محتمل، أو هاتف يمكن رفعه أو باب يمكن فتحه. وحين سقطت الصفة الرسمية من اسمه، سقط معها نصف دفتر الهاتف والنصف الآخر أصيب فجأة بفقدان الذاكرة.
السلطة، بهذا المعنى، لا تمنح الإنسان أصدقاء بقدر ما تؤجر له جمهوراً. والجمهور السياسي شديد الانضباط: يصفق عند الصعود، ويختفي عند الهبوط، ثم يظهر في الصورة التالية خلف الصاعد الجديد. لا وقت لديه للحزن على النجوم المنطفئة، فالمقاعد الأمامية محدودة، والولاء في مواسم الانتقال يحتاج إلى سرعة بدنية ممتازة.
لهذا يبدو فوزي بيه مضحكاً ومفجعاً في الوقت نفسه. هو لا يزال يتصرف بلغة الرجل المهم، بينما العالم من حوله حدّث بياناته. في رأسه ما زالت الهواتف ترن، والسكرتارية تستأذن والناس تنتظر. أما في الواقع، فعليه أن يعرف مواعد الحفلات ويأتي وحده. إنها لحظة الانفصال النفسي بين صورة الإنسان عن نفسه والصورة التي صار يراها الآخرون: الأمس يقول له «باشا»، واليوم يسأله الحارس، ضمناً، مع من حضرت؟
هذه ليست حكاية سينمائية بعيدة عن السياسة. بعد كل انتخابات تقريباً، تتحول بعض الصالونات إلى نسخة محسنة من حفلة «المنسي». وجوه كانت تتصدر الصور تبحث عن زاوية لا تظهر فيها وحدها، وهواتف لم تكن تتوقف عن الرنين تصبح هادئة على نحو يثير القلق، وأشخاص كانوا يمنحون المواعد بعد ثلاثة أسابيع يكتشفون فجأة فضائل التواضع وسرعة الرد على الرسائل.
في المغرب جاءت انتخابات 2026 لتعيد ترتيب مواقع حزبية ووجوه ونفوذ، كما تفعل صناديق الاقتراع حين تقرر أن الذاكرة السياسية أقصر مما يتخيل أصحابها. أحزاب تقدمت، وأخرى تراجعت، ومع كل مقعد ضائع لا يسقط رقم فقط؛ تسقط حوله شبكة كاملة من التوقعات والمصالح والصداقات الموسمية. فجأة يصبح من كان يُستقبل واقفاً هو الذي يقف في قاعة الانتظار، ومن كان هاتفه سبباً كافياً لفتح الأبواب يبدأ في إرسال: «السلام عليكم، فقط للتذكير».
المفارقة أن السياسي نادراً ما يصدق أن النهاية تخصه. يرى الذين سبقوه يخرجون من المشهد، ثم يقنع نفسه بأن حالته مختلفة. يفسر التصفيق باعتباره حباً شخصياً، والحشود باعتبارها وفاءً والمتملقين باعتبارهم رفاق طريق. السلطة بارعة في صناعة هذا الوهم، تضع حول صاحبها مرايا لا تعكس إلا الحجم الذي يريد رؤيته. وعندما تنطفئ الإضاءة يكتشف أن بعض العمال حملوا المرايا إلى مكتب آخر.
لكن مأساة فوزي بيه أعمق من خسارة النفوذ. إنها خسارة الهوية. حين يختصر الإنسان نفسه في منصبه، يصبح خروجه منه نوعاً من الطرد من ذاته. لا يعرف أين يذهب لأن حياته كلها كانت عنواناً وظيفياً. لذلك يعود إلى الحفلات القديمة، لا بحثاً عن الطعام أو الشراب، بل بحثاً عن نفسه بين أشخاص كانوا يؤكدون له يومياً أنه موجود.
وفي السياسة المغربية الحالية، ربما تكون الصورة الأكثر سخرية ليست صورة الخاسر ليلة إعلان النتائج، بل صباح اليوم التالي: حين يبدأ موسم إعادة التموضع. تتغير نبرات، تُراجع صداقات، تُكتشف فجأة فضائل خصوم الأمس، ويصبح القرب من المنتصر اجتهاداً وطنياً لا علاقة له إطلاقاً بالمصلحة، طبعاً. أما الذين غادرهم القطار، فيتعلمون متأخرين أن السياسة لا تحتفظ بمقاعد شرفية للذكريات.
مع ذلك، يمنح فوزي بيه نفسه لحظة خلاص صغيرة حين يساعد المنسي. كأن سقوطه من السلطة أعاد إليه شيئاً من الإنسان الذي ابتلعته السلطة. بعد أن صار خارج الحسابات، أصبح حراً بما يكفي ليخرب حسابات الآخرين. وهذه ربما أجمل سخرية في الشخصية: الرجل لم يستعد كرامته حين كان الجميع يقفون على بابه، بل حين لم يعد لديه باب يقفون عليه.
فالسلطة لا تقتل أبناءها دائماً، أحياناً تفعل ما هو أشد قسوة: تتركهم أحياء ليروا الآخرين جالسين على كراسيهم. عندها فقط يفهم «الباشا» السابق الحقيقة التي كان آخر من يعلمها: لم يكونوا يقفون له، بل للكرسي. وحين غادره، غادروه. هكذا، في السياسة كما في «المنسي»، لا يحتاج المرء إلى الموت كي يصبح منسياً.





