
تنفسنا الصعداء، أنا وزملائي، ونحن ندير وجوهنا صوب الحائط. بعد سماع تعليمات المراقب المدني، اعتقدنا أن العقوبة التي تنتظرنا تتمثل في تشذيب أشجار الزيتون المتواجدة في فناء «بيرو عرب».
ما أن بلغت قدما «السيد الحاكم» آخر درج، حتى انهالت علينا أمطار قوية، ليست أمطار الخير والبركات، بل أمطار الصفعات والركلات والشتائم والضرب بأعقاب البنادق، من طرف أعوان الحاكم، أمام أنظار أولياء أمورنا، الذين كانوا يراقبون مشهد الجلد وهم عاجزون عن التدخل لوقف العدوان، كانت نظرات الأسى والحزن تزيدنا ألما، وصدى توسلاتهم تختلط بتوسلاتنا للجلادين الذين لم يكتفوا بـ«تشذيب أغصان الزيتون» بل سعوا إلى كسر الأشجار الصغيرة.
كانت حصيلة العدوان، الذي استهدف أجسادنا الطرية، عبارة عن نزيف في الأنف وفي الرأس وكدمات في باقي أطراف أجسادنا، بل منا من تمدد أرضا وأخفى رأسه بين يديه، تاركا للجلادين حق التصرف في ما تبقى من جسد.
لا أحد منا يعرف التهمة التي اقتدنا من أجلها إلى ساحة التعذيب الجسدي، لا أحد كان يتوقع همجية التعذيب، لكننا كنا مقتنعين بأن «المخازنية» برعوا في حصة التنكيل تنفيذا لتعليمات المراقب المدني، بل تجاوزوا حدود تعليماته المشفرة، إلى حد التعذيب كما يفعلون عادة مع الوطنيين.
بعد انتهاء حصة الجلد، سيتم اقتيادنا، مشيا، صوب سجن «دردورة»، الذي لا يبعد كثيرا عن مكتب المراقب المدني والفندق، ويطل على قنطرة دردورة المتاخمة لجرف يحيل على حي سيدي بابا. هذا المعتقل السري أصبح اليوم مهجورا، لكنه جزء من ذاكرة تعذيب رجال ونساء الحركة الوطنية.
كنا نسير بخطوات متثاقلة تحت حراسة أعوان حاكم «بيرو عرب»، ونظرات أولياء أمورنا تشيعنا مرفوقة بتوسلاتهم التي لا تلقى ردا من «المخازنية» سوى بعبارات الردع والشتم.
وصلنا المعتقل بأقدام لا تكاد تحمل أجسادنا المنهكة من شدة الجوع والعطش، والضرب المبرح الذي حولنا نحن الأطفال المعتقلين إلى كائنات محطمة.
لكن، للأمانة، فمعاملة حراس المعتقل أقل قساوة من أشرار «بيرو عرب»، الذين برعوا في تعذيبنا، لكنهم كانوا أشداء صارمين.
نظرا لصغر سننا وطراوة أجسادنا، تم إيداعنا الجناح الخاص بالنساء المعتقلات. قضينا الليلة هناك، وفي صباح اليوم الموالي تمت إحالتنا على جناح الرجال، حيث كانت ظروف الاعتقال قاسية بالنظر إلى صغر سننا.
قضينا ثلاثة أيام من الاعتقال دون أن يتمكن أولياء أمورنا من زيارتنا، مرت الساعات بطيئة، كنا نترقب زيارة نطمئن فيها عن وجودنا وعن مصيرنا. لكن الأهم هو أننا تعرفنا على التهمة التي تم اقتيادنا من أجلها خلف القضبان.
علمنا أن قائد بوفكران والمراقب المدني توصلا بشكاية من طرف «مدرس» اللغة العربية بالمدرسة الإسلامية لقريتنا، تتضمن اتهاما لخمسة من تلاميذه بالقيام بـ«أعمال تخريبية». لم تكن أذهاننا الصغيرة تستوعب معنى التهمة التي أداننا بها مدرسنا الذي أستحي من ذكر اسمه بسبب فظاعة أفعاله.. لكنه سيؤدي لاحقا ثمن هذا الفعل حين سيقضي خمسة أشهر سجنا بسبب وشايته الكاذبة وتضليل السلطة ضد خمسة من تلاميذه.
حكاية الاتهام الذي استهدفنا تعود لعشية يوم السبت، الذي سبق اعتقالنا، كنا في خرجة دراسية لبستان المدرسة المطل على ضفة وادي بوفكران، على جنبات ضيعات كبار المعمرين والحدائق النباتية الممتدة على مجرى الوادي.
كان الهدف من حديقة المدرسة تمكيننا، نحن التلاميذ، من تعلم المهارات الخاصة بالزراعة وتشذيب الأشجار وتقليب التربة والري وتربية الدواجن وإدارة الموارد الطبيعية، في أفق اكتساب مهارات ترافق الأطفال إلى بساتين عائلاتهم.. وهو ما كان يسري في تلك الفترة على مدارس العالم القروي.
في غياب المعلم الفرنسي «رونيه كورشينو»، الذي كان مشرفا على هذا النوع من الأنشطة، ونظرا لالتزامه بتدريب في ثكنة عسكرية بمكناس، لكونه ضابطا احتياطيا في الجيش الفرنسي، عهد لـ«مدرس» اللغة العربية بمرافقتنا في خرجتنا، رافقتنا في هذه المهمة الدراسية تلميذات التحقن بمدرستنا بعد عام على التحاقنا نحن الذكور.
توجنا هذه الخرجة المرحة بنحر خروف كنا تعهدنا برعايته منذ نشأته، تكلف «المدرس» بإجراءات الذبيحة، وقمنا رفقة التلميذات بتحضير فرن «الشواء»، قبل أن نتناوله جميعا.
لكن «المدرس» انفجر غاضبا حين لاحظ أننا التهمنا كل أطراف الخروف، دون أن نخصص له فخذ الخروف المشوي، تغيرت ملامح وجهه وتوعدنا بالعقاب، بينما كنا سعداء بالوجبة ونغني بشكل جماعي، حين عدنا إلى الفصل.
في هذه الأجواء، توجهت إلى السبورة وكتبت بخط بارز:
«عاش محمد بن يوسف سلطان المغرب».






