عندما كان لدينا مجلس للأعيان
تأسس سنة 1905 وكان نواة «استشارية» لأثرياء المغرب

يونس جنوحي
«مهندس هذا المجلس هو العالم المغربي الكبير عبد الله بنخضرا. وهذا الرجل لم يكن تاجرا، ولا من أثرياء المغرب، لكنه كان مشهودا له بالاستقامة، وتأديب الأثرياء وإجبارهم على الخضوع لتعليمات المخزن. استخلص الضرائب من أغنياء المغرب وكان صارما معهم لسنوات، قبل أن يجد نفسه أمامهم وجها لوجه في «البرلمان» المغربي سنة 1905، بعد أن عينه المولى عبد العزيز رئيسا للمجلس، ليخوض حربا ضروسا ضد «مزاجية» بعض أثريائنا الذين سعوا إلى حماية مصالح فرنسا في البلاد، أكثر مما كانوا يفكرون في مصلحة المغرب..».
نواة أول برلمان مغربي أم محطة في مخطط الحماية؟
يبقى الباحث المغربي د. علال الخديمي أبرز من اشتغل على التجارب التي عرفها المغرب، قبل الحماية، في مجال تدبير الشأن العام، سواء تعلق الأمر بمبادرات المخزن، أم بالمشاريع الأجنبية التي عرفتها البلاد.
ويقول في مرجعه «المغرب في مواجهة التحديات الخارجية»:
«في بداية 1905، عرف المغرب ميلاد أول مجلس للأعيان، يمثل بعض المدن والقبائل. لعب دورا كبيرا في مناقشة مشروع لإصلاحات حاولت فرنسا فرضها على المغرب، وفي رفض ذلك المشروع الذي تبين للمغاربة أن الهدف منه هو فرض نوع من الحماية على المغرب. والملاحظ أن المؤلفات التي أرخت للفترة سكتت عن تحديد أصول وأهمية هذا المجلس، وبالتالي نتائج أعماله.
وإن أشارت إليه بعض الكتابات الكولونيالية، فإنها لمحت إلى سلبياته، متهمة المخزن بأنه هو الذي خلقه كذريعة لرفض الإصلاح! وأنه تكون من أشخاص لا مسؤولية لهم، ولا اطلاع لهم.
أما المؤلفات المغربية فكان سكوتها يكاد يكون مطبقا، باستثناء محمد بن الحسن الحجوي، الذي اهتم هو الآخر بسلبيات اجتماع ذلك المجلس، موضحا أن أعضاءه اطلعوا على أمور أساءتهم وفكروا منذ ذلك الحين في نوع من التغيير.
في حين أن بعض الكتابات المعاصرة لنا اعتبرت المجلس نواة لبرلمان عرفه المغرب مع مطلع القرن العشرين، ولم ير فيه آخرون إلا متكأ للحكم يتظاهر بالرجوع إليه عند الصعاب.
وفي تدخلنا هذا سنحاول التعرف على الظروف والخلفيات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية والفكرية التي ظهر فيها المجلس، وكيفية تكوينه، ومدى مساهمته في مناقشة المقترحات الفرنسية والنتائج التي تمخضت عن مشاركة أعضائه للمخزن في مناقشة المطالب الفرنسية. وقد اعتمدنا في دراستنا هذه على وثائق ومخطوطات لم تنشر من قبل، ضمنها أجوبة وفد مكناس في المجلس المذكور، على مقترحات السفير الفرنسي».
إحداث هذا المجلس عموما لم يكن يعني أن المغرب يعرف تطورا على مستوى المؤسسات، بقدر ما كان يكرس للأزمة الخانقة التي وصل إليها المخزن المغربي سنة 1905، والتي وصلت حد الإفلاس.
بعد 1902، على إثر اتفاق التفاهم بين فرنسا وإيطاليا، أصبحت باريس رسميا المرشح الأبرز للانفراد بالمغرب.. ووصلت إرهاصات هذا الاستنتاج إلى طاولة المولى عبد العزيز، وأشار عليه مستشاروه من العلماء، إلى ضرورة إنشاء المجلس، لحماية مصالح الدولة في المجال التجاري، خصوصا مع وصول أخبار بداية انخراط التجار المغاربة في شراكات «غامضة» مع الشركات الفرنسية من شأنها أن تهدد الأمن الغذائي للمغاربة، وتجعل البلاد كلها تحت رحمة الشركات الفرنسية المتخصصة في استيراد الحبوب والصوف من السوق المغربي نحو فرنسا. توفر هذه الشركات على رؤوس أموال ضخمة، رشحها لكي تستورد كل الكميات التي تصل إلى السوق المغربي، ولن يمانعوا بطبيعة الحال في الحصول على الإنتاج المغربي من المواد الأولية الحيوية، حتى لو كانت على حساب الأمن الغذائي للمغاربة أنفسهم. وهذا ما جعل المولى عبد العزيز يتقبل فكرة إنشاء هذا المجلس، وجعل القرارات التجارية ديموقراطية لأول مرة في تاريخ المغرب، بعد أن كانت العادة أن السلطان ينفرد بالبت فيها، ويصدر القرارات بشأنها، بعد استشارة العلماء، دون إشراك التجار في هذا الشأن.
هذا التنازل الذي أقدم عليه المولى عبد العزيز، كان الهدف منه سحب التجار المغاربة إلى الضفة التي تقف فيها مصلحة البلاد، بدل تركهم يرتمون في حضن الشركات الفرنسية التي كان هدفها الأساس التهام السوق المغربي.
أجواء اجتماعات «مخدومة» ضيّقت بها فرنسا على معارضيها
يستمر الباحث علال الخديمي، الذي اشتغل على وثائق أرشيف هذا المجلس، وظروف تأسيسه، في توضيح ملامح هذه التجربة التي كانت واحدة من أولى التجارب الاستشارية المغربية. يقول:
«وجّه السلطان الدعوة لاجتماع الأعيان بفاس في 20 دجنبر 1904، أي قبل وصول السفير الفرنسي إلى فاس. وهكذا بعثت رسائل إلى مختلف القبائل والمدن، تشرح للسكان خطورة الوضع وجهود السلطان التي بذلها ويبذلها لحماية البلاد والعباد. وتأمر القبائل بانتخاب أفراد من كبرائها وأعيانها ممن يثقون بهم، ويأتمنونهم على أمور دينهم وعرضهم ومالهم ويرتضونهم وكلاء عنهم، وإرسالهم إلى فاس «بقصد اجتماعها على المفاوضة في علاج هذا الأمر المهم والخطب العارض الملم، لتكون المشاورة فيه بين جميع أعيان الرعية»، كما جاء في مذكرات الوزير الحجوي.
والأمر المهم والخطب العارض، هو ما أصبح شائعا من ضغوط فرنسية، هادفة للسيطرة على المغرب، تحت شعار إدخال الإصلاحات إليه.
وواضح من الرسالة أن الهدف من جمع الأعيان هو التشاور معهم، والاستعانة بآرائهم في مواجهة هذه الضغوط الأجنبية التي كان المغرب لا يستطيع مواجهتها بالقوة، رغم أنها تمثل خطرا عظيما على استقلال البلاد. ولذلك فإن السلطان والمخزن قررا الاعتماد على رأي ممثلي الشعب، لاتخاذ قرارات حاسمة تهم مصير البلاد. وعندما تتخذ هذه القرارات بكيفية جماعية، فإن المسؤولية تكون مشتركة، وهذا ما أشار إليه الحجوي بقوله إن «الأمر عظيم خطير لا يكفي فيه رأي دولته ولا بد من مشاركة أمته، تجنبا من حمل المسؤولية وحده». وبالتالي فإن مولاي عبد العزيز يكون قد قام بواجبه كاملا ولا يمكن اتهامه بالتقصير.
ورغم أن المصادر الفرنسية تشير إلى أن السلطان ما جمع هؤلاء الأعيان إلا بهدف استغلالهم في مقاومة المطالب الفرنسية، إلا أن المخزن أراد تبرير موقفه في قبول بعض المطالب أمام السلطان باقتسام المسؤولية مع هؤلاء المندوبين.
أما الألمان فقد استقبلوا استدعاء مجلس الأعيان بكل ترحيب واعتبروه إجراء حكيما، وضربة معادية للفرنسيين.
ومهما يكن من أمر، فإن المجلس يعتبر الأول من نوعه الذي عرفه المغرب الحديث، وأنه كان ثمرة لحركة وعي وطني هادف للنهوض بالشعب المغربي، وإصلاح هياكل البلاد حتى تواكب ركب الدول المتطورة وتحافظ على استقلالها وسيادتها».
وفي معرض حديثه عن أجواء الاجتماعات، يقول:
«كان مجلس الأعيان، يضم حوالي 40 عضوا. ينوب عن كل مدينة وقبيلة عضوان.
لكن الأغلبية كانت من مدينة فاس، حيث اختير منها حوالي 24 عضوا من بين العلماء والقضاة والأعيان.
وقد اختير 15 عضوا من مجموع المجلس هم الذين كانوا يحضرون إلى جلسات المخزن مع السفير الفرنسي. أما مناقشة المقترحات، فكانت ترجع إلى المجلس بمجموع أعضائه.
ويبدو أن الأعضاء 15 كانوا من بين العلماء والأعيان المعتدلين، في حين كان المجلس يضم أعضاء آخرين لهم مواقف تصل إلى حد التطرف، مثل الشيخ محمد الكتاني، ولذلك تعرض لهجوم جريدة «السعادة» الناطقة باسم البعثة الفرنسية، لأنه طالب برفض المقترحات الفرنسية جملة، في جلسة 26 فبراير التي عقدها المخزن مع مجموع أعضاء مجلس الأعيان، تمهيدا لبدء المحادثات مع السفير الفرنسي».
لقد كان المجلس، الذي لم يعمر طويلا، إحدى بوادر الأزمة المغربية، وتطور التوغل الفرنسي في المغرب، بصورة لم ينفع معها تكتل الموقف المغربي، حتى مع منح السلطان سقفا من الحرية للأعيان.. فقد اتضح في الأخير أن التجارب لم تؤخر مخطط الحماية، ولم تعرقل توغل الشركات الأجنبية في المغرب. فقد كانت فرنسا تلعب معارك كثيرة ضد المغرب في الوقت نفسه، ولم يكن توغل الشركات الفرنسية في السوق المغربي، إلا عنصرا فقط من عناصر المخطط.
كيف استقطبت التجارة الفرنسية أثرياء المغرب
بحسب أرشيف وثائق غرفة التجارة التي أحدثتها الفرنسيون لأول مرة في الدار البيضاء بداية القرن العشرين، فإن سنة 1853 كانت فعلا استثنائية في تاريخ الدار البيضاء. فقد عرفت هذه السنة تأسيس أربع شركات فرنسية، وشركتين من بريطانيا، وكان تخصص هذه الشركات مجتمعة هو استيراد الحبوب والصوف من المغرب.
أعيان المدينة كانوا يتاجرون في الحبوب، وكبار أثرياء المغرب وقتها كانوا يهيمنون على هذا السوق، لتجد فرنسا نفسها مجبرة على التفاوض مع هؤلاء التجار المغاربة، لدخول السوق، والسيطرة عليه في ما بعد.
هؤلاء الأثرياء، الذين كانوا يمثلون نخبة أعيان المغرب، كانوا مدركين مدى خطورة المخطط الاستعماري الفرنسي، لكنهم في الوقت ذاته لم يكونوا مهتمين كثيرا بمستقبل المغرب، أكثر مما كانوا مهتمين بمستقبل تجارتهم، وهكذا لعبوا على الحبلين معا. حبل المخزن المغربي الرافض أساسا لهذا التغول الأجنبي، لكنه لم يكن قادرا على منعه. وحبل نخبة علماء القرويين، بتنسيق مع علماء مغاربة من خارج فاس، أجمعوا كلهم على أن ترك الشركات الأجنبية تستثمر في المغرب، من شأنه أن يُسلم البلاد إليهم على طبق من ذهب.
بحسب إحصائيات أرشيف غرفة التجارة الفرنسية التي فتحت فرعها في الدار البيضاء، فإن عدد الشخصيات الأجنبية في الدار البيضاء لم يكن يتجاوز 17 فردا، سنة 1856. لكن، بدأ بعض هؤلاء «الضيوف غير المرغوب فيهم» في ربط صداقات مع أثرياء المدينة المغاربة. لكن في سنة 1867، صار عدد هؤلاء المقيمين الأجانب يتعدى 60 فردا، كلهم من رجال الأعمال والتجار الراغبين في فتح مشاريع تجارية ووكالات وشركات في الدار البيضاء وحدها، دون احتساب المدن الأخرى والتحولات التي عرفتها في هذا الباب.
أصبح عدد التجار الأجانب في الدار البيضاء، وأغلبهم فرنسيون يتعدى 215 مستثمرا أجنبيا، سنة 1878. وسبب تزايد عدد هؤلاء التجار، أن السلطان المغربي وقتها سيدي محمد بن عبد الرحمن حرر قطاع الاستيراد من المغرب، واستمر الوضع على ما هو عليه مع بداية عهد المولى الحسن الأول.
لكن عندما ضربت أزمة 1878، بأطنابها في أوساط التجار الأجانب في الدار البيضاء، تقلص عدد هؤلاء التجار إلى النصف، وهو ما أثر على علاقة هؤلاء التجار بالأعيان المغاربة.
وفي الجانب المغربي، كان التجار المحليون على اتصال وثيق بنظرائهم الفرنسيين. ومع اقتراب سنة 1900، أصبحت الدار البيضاء الموطن المفضل لعدد من الأعيان المغاربة الذين انتقلوا إليها رسميا من فاس ومكناس ومراكش، مثل عائلة التازي الشهيرة التي تخلت عن المناصب المخزنية، ومنها منصب وزير المالية في نهاية عهد المولى الحسن الأول، وزهدت في السلطة، متوجهةً إلى الدار البيضاء لاستثمار أموالها على طريقة التجار الفرنسيين.
وكانت النتيجة بروز اسم الثري المغربي محمد التازي، الذي أسس أول شركة عصرية، وتحدى «جمود» أعيان المغرب، وأعلن انتماءه إلى طبقة البرجوازية الجديدة، ولحق به تجار مغاربة آخرون، وأصبح الوضع المغربي الجديد موسوما بـ«ثورة هادئة للتجار المغاربة»، الذين أصبحوا أصدقاء لفرنسا، وفكروا في إنشاء تمثيلية للحديث باسمهم مع المخزن، ومع فرنسا أيضا. وفي سنة 1905، تأسس مجلس الأعيان فعليا، وكان لهؤلاء التجار دور في كولسة تأسيسه، لكي يكون على المقاس الذي أرادته فرنسا منذ البداية.
ظهير 1901 المنسي.. عنوان أزمة الاقتصاد المغربي
سبق أن تناولنا في «الأخبار» وثائق أرشيف المراسلات المخزنية، سيما عندما تعلق الأمر بمراسلات مسؤولين مخزنيين في مجال تحصيل الضرائب لصالح المخزن. فقد كان الرجال الذين وثق بهم المخزن، لأداء هذه المهمة الحساسة، أشبه ما يكونون مشاة فوق حقل ألغام.
في منتصف سنة 1901، صدر ظهير شريف بناء على شكاوى وتظلمات من الناس بخصوص استخلاص الضرائب، وقد وصف بأنه، أي الظهير «يسجل في مقدمته تظلم الرعية في تنوع شكاياتها ونسبة الحيف إلى أشياخها وولاتها ودعوى الإضرار في استخراج جباياتها». أي أن الناس كانوا لا يزالون متضررين من الفوضى في استخلاص الضرائب والتلاعب بها. وقد وصف صاحب «مظاهر يقظة المغرب» الذي رصد فيه مجموعة من الإصلاحات، ما جاء في الظهير الشريف ولخص مضمونه في ما يلي: «ودرءا لهذا يعلن القانون الجديد توظيف مقدار محدود يدفع سنويا على أنواع البهائم والمواشي وعلى مزارع الحرث والبحائر والسواني والأشجار على اختلاف أنواعها. وبعد هذا يقرر الظهير نفسه أن هذه الجباية عمومية يستوي في أدائها الشريف والمشروف والقوي والضعيف، وحتى من كان عاملا أو شيخا أو خليفة أو نحوه يكون فيها كسائر الناس، بحيث لا يُستثنى أحد من شمولها، لذلك يقرر القانون لزوم إحصاء سائر الذكور الخاضعين لهذا الأمر بأسمائهم وأنسابهم وبيان فرق كل قبيلة زيادة في الضبط.
والظهير يقرر إلغاء كل ضريبة أخرى يفرضها العمال، ويقول في هذا الصدد: «وأما العامل فلم يبق له سبيل على فرض شيء عليكم. أو قبض أي شيء منكم ولو قلامة ظفر. كما يقرر مرة أخرى أنه حدد للعمال مرتب من بيت المال».
هذا الإصلاح، الذي شمل حد تطويق الولاة والعمال للتحكم فيهم جهويا وضمان استقلال استخلاص الضرائب عنهم، جعل العديد ممن كانوا يستفيدون من النظام العتيق يتحسسون رقابهم، لأنه في السنة نفسها كان عدد من الأعيان قد زج بهم في السجن، وعلى رأسهم واحد من أخوال الوزير بنسودة، وآخر من عائلة الصديقي وأسرة أخرى كانت على علاقة مصاهرة وطيدة مع عائلة بركاش، كلهم وجدوا أنفسهم في السجن بعد هذا الظهير لأن سلطتهم على جباة الضرائب لم تعد قائمة. فيما نظر إليهم البعض على أنهم مجرد أكباش فداء تمت التضحية بهم لاحتواء الأزمة، بالرغم من أن الإصلاح الذي اعتمده الوزير المفضل غريط يقوم أساسا على ترتيب الضريبة، بحيث يستوي الجميع في أدائها، بالإضافة إلى إلغاء الضرائب التي يفرضها العمال، وتعيين أمناء لاستخلاصها بشكل حصري وتنبيه الناس حتى لا يدفعوا مليما واحدا لأي مخزني ما لم يكن من الأمناء المعنيين بالظهير.
وهكذا فإن تأسيس مجلس الأعيان لا يمكن أبدا أن يُفصل عن هذا السياق المغربي شديد الحساسية. لقد كان السلطان يبحث عن حل لإنقاذ اقتصاد المغرب، معتمدا على العلماء الذين كانت تجاربهم كلها تتركز في استخلاص الضرائب ورعاية المعاملات التجارية ومدى مطابقتها لتعاليم الشريعة الإسلامية. بينما كانت فرنسا تواجه المغرب بمنطق السوق الفرنسي، وتنوي اكتساحه كليا.
عبد الله بنخضرا.. أول من ترأس مجلس أعيان المغرب
في شهر ماي 1899، كلف السلطان المولى عبد العزيز العالم المغربي عبد الله بنخضرا، ليكون أول رئيس لمجلس الأعيان، وعهد إليه بتكوين المجلس، واقتراح أعضائه، وطريقة اختيارهم وشروط الموافقة عليهم. لكن الأمر استغرق منه خمس سنوات كاملة، من التحديات، ليخرج المجلس إلى الوجود سنة 1905.
لقد كان العالم بنخضرا المهندس الفعلي لهذا المجلس، واستأمنه المولى عبد العزيز لكي يقود هذه التجربة، مخافة أن ينفلت التجار المغاربة ويتمردوا على المخزن.. تخوفات المولى عبد العزيز كانت نابعة من الاستشارات التي تلقاها من العلماء في القرويين، وهؤلاء أكدوا له أن نخبة التجار المغاربة، قد بدؤوا فعلا يميلون إلى القناصلة الأجانب، ويختارون امتيازات التجارة مع أوروبا، و«يُقامرون» بالأمن الغذائي للمغرب، وقد يؤدي تعاملهم المفتوح مع الشركات الفرنسية على وجه الخصوص، ثم البريطانية، إلى خلق أزمة في السوق المغربي.
ولكي لا يُصدّر أعيان المغرب قوت المغاربة كاملا إلى الخارج، أمر المولى عبد العزيز بتأسيس مجلس الأعيان، حتى يكون «بوصلة» لتدبير الشأن التجاري.
كان عبد الله بنخضرا وزيرا للعدل في أولى المجالس الوزارية التي ترأسها المولى عبد العزيز. مركزه العلمي أهله مبكرا لكي يكون شخصية مؤثرة في أوساط علماء المغرب وفقهائه، وكان يحظى بتقديرهم. كما أنه كان صديقا لكبار تجار فاس وأثريائها، وهو ما أكسبه صلاحية لكي يشغل منصب رئيس مجلس الأعيان، كونه شخصية تحقق حولها الإجماع.
مصدر خبرة العالم عبد الله بنخضرا بمجال التجارة، أنه كان رئيسا على موانئ المغرب، ومشرفا على فض النزاعات بين التجار والشركات الأجنبية، في أكثر من مدينة مغربية.
كان عبد الله بنخضرا حاضرا في المجلس بقبعتين، أو بـ«عمامتين» إن صح التعبير. فقد كان يترأس المجلس بصفته قاضيا ووزيرا سابقا للعدلية، ثم بصفته خبيرا في مشاكل التجار المغاربة، ومستشارا للسلطان في الاتصال بهم وإبلاغهم قرارات المخزن.
كان تجار سلا يعرفون عبد الله بنخضرا مبكرا قبل أن يصبح وزيرا، لكن أعيان الدار البيضاء الذين كانوا سببا لتعجيل السلطان بتأسيس هذا المجلس، فقد كانوا يسمعون فقط عن صرامته وحزمه في التعامل مع التجار وفض نزاعاتهم، خصوصا وأنه دبر أزمات شكايات الشركات الفرنسية من القرصنة، وشكايات التجار المغاربة من العقود، بل وكانت تعرض عليه صيغ التعاملات التجارية، ويدلي بملاحظاته. وهكذا، عندما تأسس مجلس الأعيان، وثق التجار في الدار البيضاء بقدرات القاضي عبد الله بنخضرا، وانخرطوا في التجربة، التي كانت واحدة من أولى التجارب «الديموقراطية» في تاريخ المغرب.
ميناء الدار البيضاء.. الملعب الذي احتضن «أثرياء» المغرب
لولا ميناء الدار البيضاء، الذي بدأت أشغال توسعته وإعداده بشكل عصري بعد قصف فرنسا للمدينة سنة 1907، لما تحولت «كازا بلانكا» إلى مركز اقتصادي منذ ذلك الوقت المبكر.
لعب هذا الميناء دورا كبيرا في صنع نواة التجار المغاربة الذين كانوا أعضاء في مجلس الأعيان المنسي. ورغم أن هذه التجربة لم يكتب لها أن تعمر طويلا، إلا أن أثرياء الدار البيضاء استمروا فعلا في «التكاثر»، وأصبح عددهم مع بداية سنة 1920 بالمئات.
تجار الدار البيضاء كانوا مؤثرين في قرارات المجلس والمفاوضات التي دارت تحت سقف مقره. وكانوا يستقوون بكونهم متوغلين في ميناء الدار البيضاء ويهمنون على قطاعات تجارية بشراكة مع شركات فرنسية.
في مرجع «عبير الزهور في تاريخ الدار البيضاء وما أضيف إليها من أخبار أنفا والشاوية عبر العصور»، لصاحبه د. هشام المعروفي، وصف دقيق لكيفية اشتغال ميناء الدار البيضاء في عز تجاذب السلط بين المخزن، ممثلا في المولى عبد العزيز في فاس، والإدارة الفرنسية ممثلة في العمليات العسكرية والشركات الفرنسية:
«كانت مرسى الدار البيضاء وديوانتها كسائر مراسي المغرب لها أنظمة خاصة. من هذه الأنظمة كان لها رئيس وله التفويض التام في شؤون الميناء، وله خليفة يقوم مقامه في غيبته ويعاونه في مهماته. وكان الرئيس يتأمر على أصحاب القوارب وينظم أسفارهم، والقوارب كانت ملكا لأصحابها، والرئيس والخليفة لهما عدد وافر منها في غالب الأحيان، يقود القارب عدد من البحارة منهم من يتولى زمام القارب ويقوده، ويسمى «مول الدمان» وإذا رسا مركب حامل السلع بعيدا عن المرسى اتفق الرئيس مع الخليفة على ثمن السفرة. وإذا حصل الوفاق أخذ أصحاب القوارب يحملون السلع والمسافرين إلى البر والبحرية كان لهم رئيس هو الذي كان يفرق عليهم أجورهم مما اقتضاه من صاحب المركب، وكان للديوانة إدارة تشتغل بمسائل الديوانة، كقبض الأعشار ومراقبة السلع الواردة والصادرة، وعلى رأسها موظف مخزني يسمى أمين الديوانة، يعينه جلالة السلطان ويعين له راتبا مخزنيا.
وكان تحت أمره «أمين الأمناء»، ومعه عدلان مشتغلان بالكتابة وتحرير رسوم الديوانة وتلقي شهادة أصحاب السلع لأجل الأعشار، وكانت لهما حسابات وكنانيش.
ومع الأمين المذكور أمناء تحت أمره أقل منه رتبة، منهم من يتقاضى الواجبات المخزنية، ومنهم من يتكلف بالوزن والحسابات ويسمى «مول الميزان». وكان أمين الديوانة يقبض المستفادات كالمكوس وواجب اللحوم. وكان يؤجر الموظفين المخزنيين ويثقف السلع المحرمة الداخلة والخارجة خفية ويبيعها بالسمسرة. ومن مصلحة الديوانة قبض الأعشار المخزنية على السلع الواردة على المغرب والقيام بحراسة التخوم المغربية من مرور البضائع وتتبع دخولها إن لم يعشر عليها وتثقيف السلع التي يمنع القانون ورودها أو صدورها أوبيعها».
وفي الوقت الذي كانت فيه اجتماعات مجلس الأعيان منذ 1905، تحت تأثير تطورات الساحة السياسية في أوروبا، فقد كان ميناء الدار البيضاء يطبق الخناق على صغار التجار المغاربة، معطيا فرصا أكبر للتجار المغاربة المقربين من فرنسا، وهذه التفرقة أثرت كثيرا على مستقبل جلسات هذا المجلس، وحدث شرخ كبير، خطط له الفرنسيون بنجاح، لكي يضعفوا تأثير الاقتصاد المغربي.. ورغم مبادرات السلطان، إلا أن الشرخ كان أكبر من أن تصمد أمامه مبادرات المخزن، سيما بعد عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، وبداية عهد التغول الأجنبي في المغرب تمهيدا للحماية سنة 1912.





