
نادرا ما يتأمل المتلقي كلمات الأغاني الشعبية، فأمام رعب «الحال» الذي لا يستأذن كما يقول صناع الفرجة، تتحول الأجساد إلى كائنات رخوية تتمايل مع الإيقاعات فتنسى التأمل في القوافي. لذا ما أن أنصت الناس لمضامين قطعة غنائية جادت بها قريحة فرقة غنائية مصنفة في خانة «العونيات»، حتى وقفوا على كلمات يمكن الاستعانة بها من طرف فصيل مشجعين أو حزب سياسي لبلورة برنامج انتخابي مستقبلا.
في أحد المقاطع المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، تلميح لقدرة الأقدام على رفع قيمة الوطن، «كون ما الكرة ولقراية ما تعلا الراية»، «سعدي بولادي هزو راية بلادي»، وغيرها من الإشارات التي خضعت لتعديل اضطراري أملته جاذبية الكرة.
لم تقترب العيطة من مربع عمليات الكرة، لأن هذا النوع الغنائي ارتبط بالبادية وانتعش بالظاهرة القائدية، وبالتالي لا دخل للكرة في هذا المناخ الفرجوي. لكن الراسخين في الفن الشعبي يذكرون مقطعا قديما تغنى بفريق الجيش الملكي حين كان يسيطر على البطولات، «الجيش الملكي غادي ويطاكي»، بينما تقول روايات شفوية إن بوشعيب البيضاوي تغنى بوداد زمان وأن المارشال قيبو كان ودادي الانتماء، وكلما داهمت الفريق حالة فراغ، نفخ في اللاعبين بمقطع صالح لكل زمان ومكان: «خوتنا يا الإسلام/هزو بنا لعلام/ زيدو بنا لكدام/ إلى خيابت/ دابا تزيان»، في ما يشبه «الكوتش» الذهني. وقيل إن ولد قدور كان عاشقا لاتحاد ابن أحمد قبل أن تعصف به الرياح إلى بطولة المظاليم، وأن قشبل وزروال تغنيا بالنهضة السطاتية حين كان راعيها الرسمي وزير الداخلية قبل أن تنتهي في عهدة خمارة.
اختفت الشيخات من المشهد الكروي، إلا في حفلات الرؤساء، قبل أن تظهر «رباعة» بلياقة بدنية عالية في حفل افتتاح مونديال الأندية على أرضية ملعب أدرار بأكادير سنة 2013. تلقى وزير الرياضة محمد أوزين غارات بسبب إشراك الشيخات في افتتاح مونديال مصغر، فمسح القضية في تلابيب التراث بينما شوهد رئيس الحكومة آنذاك، عبد الإله بنكيران، في المنصة وهو يتمايل سرا مع جاذبية الجرة.
حين يقترب موعد المونديال تزدهر الأغاني المساندة للمنتخب الوطني، ويظهر كتاب كلمات وملحنون وعازفون بألوان أسود الأطلس، أغلب هذه المقاطع ذات إيقاع سريع كالهجمات المضادة ومضامين تعزف على وتر المشجعين، لكن غالبيتها تتحول إلى وجبة سريعة تنتهي صلاحيتها بنهاية المونديال أو بتعبير أصح عند توقف مسار المنتخب في النهائيات. أي أن عمرها الافتراضي ليس بيد مبدع الأغنية بل بأقدام اللاعبين.
اليوم تغير التعاطي مع الأغاني ذات الحمولة الكروية، أصبحت في حاجة إلى اعتماد من الفيفا، التي تملك مديرية للترفيه الإبداعي لحسن حظنا أن مديرها هو الملحن المغربي نادر الخياط الملقب بـ«ريدوان»، المشرف الأول على إطلاق الأغنية الرسمية للمونديال وعلى «ورشة الفحص التقني» للأغاني التي تواكب بطولة كأس العالم ومشتقاتها من التظاهرات الكروية العالمية، بل هو منتج أغنية «ارحبو» التي سيؤديها الكونغولي غميز والبورتوريكي أوزونا، فضلا عن أغنية «قناديل السماء» التي ستؤديها مغربيتان نورة فتحي ومنال بنشليخة إلى جانب الإماراتية بلقيس والعراقية رحمة.
لهذا فالمغرب حاضر في المونديال ليس فقط بمنتخب وطني وحكام في الحراسة النظرية لغرف «الفار»، وبمشجعين من كل البقاع، بل أيضا بمطربات يفتتحن المونديال قبل المنتخب المستضيف للدورة.
بعيدا عن حفل الافتتاح الرسمي، لكل منتخب فنانوه الذين يباركون خطواته ويحفزونه في مساره الكروي، بل إن بعض الدول المشاركة تملك أغنية «ستاندار» صالحة لكل مونديال، وطبعا هناك فئة من الفنانين تضررت بسبب عجز منتخباتها عن بلوغ المونديال فسكتت عن العزف المتاح، وقررت قضاء فترة كأس العالم أمام التلفاز في ترميم العتاد وتنشيط ملكة الإبداع وما تيسر من «تقواس».
حسن البصري




