
يسرا طارق
يكون رأس السنة الأمازيغية دوما، بالنسبة لي، حيزا زمنيا أحن فيه للمكان، وللطفولة وللمشترك الإنساني، الذي تشرّبته في جغرافيا طبيعية وثقافية وعاطفية، جعلتني على ما أنا عليه بمحاسني ومساوئي، بصبري وعنادي، بأملي ويأسي، بارتطامي بما هو كائن وبمراودتي للممكن، بل للمستحيل. لا نختار هويتنا، إنها تمنح لنا مثل ما يمنح لنا لون عينينا وشعرنا، ومزايا وأعطاب أجسادنا، إنها هبة المكان وما راكمه الجدود فيه، وما تنتظر منا هذه الهبة هو أن نمنحها شيئا من ذواتنا وجهدنا وإصرارنا. علينا دوما أن نقول كلمتنا قبل أن نمضي، لكل هذا أرى أمازيغيتي، لا في شعار، ولا في سجال متشنج ولا في زحام شرس مع أبعاد أخرى للهوية، وإنما في تلك التفاصيل الصغيرة، التي تسكن لغة التخاطب وكيفيات إدارة العيش المشترك، بما فيه من تجذر في الأرض وارتباط وثيق بقيم الكرامة والصدق والنزوع المتأصل للعدل، وفي ذاكرة تنثال منها دوما صور أرض كريمة، تهب أفراح الحياة في السوق والأعراس ومجرى العيش اليومي. أمازيغيتي هي أزغنغان، تلك البلدة الصغيرة التي تسع الجميع، ويعبر منها الجميع، والتي بقيت وفية لتاريخها كحضن تنزل له القبائل لتشتري وتبيع، ولتسمع الأخبار، ولتتحلّق حول «تشورو» وكؤوس الشاي بالشيبة والأرنج، أو حول شواء. أمازيغيتي هي ملحمة المجاهد الشريف محمد أمزيان في مقاومة المستعمر الإسباني، الرجل الفذ الذي قاد قرابة مائة معركة، وسقط في ساحة الشرف يوم 15 مايو 1912. أمازيغيتي هي جبل أزرومار، الذي يحرس، مثل أبو الهول، المدينة، هي حديقة «خاردين» لالة عائشة حاليا، هي تلك الحياة المدينية الراقية التي زرعها المستوطنون الإسبان فيها، والتي مازالت ماثلة في قاعة السينما، والثكنة وحي كاسا باراتا، وغيره، والتي، ورغم ويلات الاستعمار، تركت فيها تقاليد تعايش وانفتاح وتقبل للآخر، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه. أمازيغيتي هي خروجنا يوم الاثنين والخميس بعد المدرسة، نحو السوق، حيث كنا نشتري اللعب وحلوى التفاح والزبزاب وثِخَشِّوِين، ونقضي أوقاتا طويلة نرى الكتاكيت الملونة، هي قمح ثِغْوَاوِين الذي يحدث أكله فرقعة محببة، هي دار الشباب التي تعلم فيها جيلي كل ما يحتاجه لمواجهة عالم قاس: كثير من الفهم، وكثير من تنسيب الأمور وكثير من الخيال والفن، هناك غنينا ورقصنا، هناك حلمنا بما نريد أن نكون عليه، وهناك تعلمنا تلك القدرة على الدفاع عن أفكارنا مهما كانت طفولية وساذجة. أمازيغيتي مثل قلعة تَازَوْضَا، عريقة وضاربة بجذورها في مكان وهبني كل شيء، حتى الجناحين اللذين حلقت بهما بعيدا عنه.





