
ترجمة:د. سارة حامد حواس

في منتصف العقد الأول من الألفية، كان الملحق الأسبوعي لصحيفة ”الجارديان” البريطانية ينشر زاوية ثابتة بعنوان ”غرف الكُتَّاب”، وبوصفي كاتبة طموحة في السرِّ (وهل يوجد طموح أدبي مُعلَن حقًّا؟) لم أكن أشبع من تلك الصفحات؛ أتأمُّل الصور لغرف تعجُّ بالكتب، تتوسطها مكاتب عتيقة جميلة. بدت لي هذه الصور تجسيدًا للنجاح الأدبي، وإنما كأنها تحملُ مفتاح الوصول إليه.
مساحة خاصة
كان الكُتَّاب الذين تُعرَض غرفهم ينظرون إليها باعتبارها ملاذًا من صخب الحياة اليومية، ومكانًا يُغلقون بابه على شؤون البيت لينتقلوا إلى فضاءٍ من التركيز الإبداعيِّ العميق. ولم يكن ثمة ما يوحي بأن ما يتركونه خلف الباب قد يلاحقهم إلى الداخل على هيئة شعورٍ بالذنب أو الحنين أو الشك؛ إذ بدا أن امتلاك مساحة خاصة مكرَّسة للكتابة هو كل ما يحتاجون إليه لينجزوا عملهم.
نشرت فرجينيا وولف مقالتها الشهيرة في هذا الشأن عام 1929، وأعلنت فيها عبارتها المعروفة: ”ينبغي للمرأة أن تمتلك مالًا وغرفة تخصُّها إذا أرادت أن تكتب الرواية”. غير أن رسالة كتبتها عام 1930 إلى ابن أختها كوينتن بيل أضافت بُعدًا آخر للمسألة: ”لا أستطيع أن أتخيَّل كيف لامرأةٍ لديها أسرة أن تضع القلم على الورق. فدائمًا ما يرنُّ الجرس ويأتي الخبَّاز”.
لا أعلم إن كانت المرأة التي لديها أسرة، التي تحدَّثت عنها فرجينيا وولف تمتلك هي الأخرى غرفة تخصُّها وحدها، لكن هذه العبارة لامست داخلي وترًا عميقًا حين سمعتها للمرة الأولى. ففي تجربتي، الباب المغلق، مهما يكن متينًا وثقيلًا، لا يصمد، طويلًا أمام ما نسمِّيه اليوم أعباء الحياة المنزلية.
حالة ذهنية
قد تكون أشكال المقاطعات وتفاصيلها قد تبدَّلت على مدى القرن الماضي، لكن صورة الكاتبة بوصفها شخصًا قابلًا للمقاطعة في أي لحظةٍ ظلَّت راسخةً بعنادٍ، حتى لو كان لديها شريك مبادر يؤمن بالمساواة التامة (وهذه حالي)، وحتى لو امتلكتْ من الانضباط ما يمكِّنها من صدِّ المشتّتات بحجب الإنترنت عن أجهزتها (وهذا نادرًا ما أنجح فيه)، فإن ”الخبَّاز الشبح” يظل حاضرًا، فالجرس الوجودي لا يكفَّ بالضرورة عن الرنين.
تتطلب كتابة الرواية بالنسبة إليِّ الدخول في حالةٍ ذهنيةٍ يصعب التوفيق بينها وبين إيقاع الحياة اليومية، المزدحمة بالفعل المستمر والتفاعل الدائم. وتمضي الساعات في نسقٍ محدَّد سلفًا، لا تبالي بقلِّة ما أكتبه، مواعيد الطعام، وأعمال المنزل، وتوصيل الأطفال إلى المدرسة وإعادتهم، والمشاوير وقضاء الحاجات.
ولكي أكتب عليَّ أن أحفر إلى الداخل، مبتعدةً عن اللحظة الراهنة، لذلك فهي عمليةٌ شاقَّة، كثيرًا ما تثير الإحباط، كأنني عالِمة آثار وحيدة في حقلٍ واسع، لا أملك سوى مجرفة قديمة صدئة وحدسٍ غامض بأن شيئًا ذا قيمة قد يكون مطمورًا في مكانٍ ما تحت هذا السطح المترامي.
حياة الكاتبات الشاقة
قرأت ما يكفي من مقابلات الكُتَّاب ومقالاتهم لأدرك أنني لست وحدي في شعوري بأن تعدَّد أدواري ومسؤولياتي في حياتي الواقعية يتعارض أحيانًا مع حياتي ككاتبةٍ، وأن غيري وجد سبلًا، ليست دائمًا تقليدية أو سهلة، ليحظى، إن لم يكن بأفضل ما في الحياة، فعلى الأقل بموطئ قدم معقول في كلٍّ منهما. تحدَّثت لورين جروف في بودكاست حديث عن عقدٍ ورقيٍّ موقَّع أبرمته مع زوجها، يضمن لها أربع ساعات كاملة كل صباحٍ بلا أطفالٍ ولا مقاطعات، لتكتب. أما ميراندا جولاي حين كانت لا تزال متزوجة، كان لديها اتفاق مع شريكها تقضي بموجبه كل مساء أربعاء في مرسمها، لتكفل لنفسها يوم عمل كاملًا أسبوعيًّا لا تضطر فيه إلى التفاوض حول ترتيبات الحياة الأسرية ومشتتاتها.
تبدو لي هذه الأمثلة شديدة التأثير لأنها نادرة للغاية. ثمة ما يشبه المحظور في أن تعقد امرأة ترتيبات رسمية غير قابلةٍ للمساس لتبتعد عن أسرتها لإنجاز عملٍ إبداعيٍّ. ومن الصعب تخيُّل كاتب أو فنان رجل يحتاج إلى تحصين حقِّه بهذه الطريقة، إذ غالبًا لا تكون هناك حاجة أصلًا لذلك؛ بل إن فعلها اليوم قد يعرِّضه إلى اتهامات بالذكورية والأنانية المتضخَّمة، ومع ذلك، من دون حدودٍ واضحةٍ ومعترف بها على هذا النحو، يسهل للغاية على الكاتبات (وفي الحالتين المذكورتين كانتا في زيجتين مغايرتين تقليديًّا) أن يستسلمن لسيل المقاطعات والالتزامات غير المتوقعة التي لا تخلو منها الحياة المنزلية، إغلاق مفاجئ للمدارس، أو تسرُّب ماء طارئ من السقف، أو ظهور قوارض على حين غرَّة، فضلًا عن الجاذبية القوية لقضاء أكبر قدر ممكن من الوقت مع أطفالنا ”المشاغبين الغاليين”، وهم يندفعون مسرعين عبر طفولتهم الوحيدة، البرِّية والثمينة.
ولعل هذه المسألة تبدو حسَّاسة إلى هذا الحدِّ بين الأمهات الكاتبات لأنها تستحضر شبح الإجراءات الجذرية التي اتخذتها بعض من سبقننا. فقد تركت موريل سبارك ودوريس ليسينج أطفالهما، الأولى لدى والديها، والثانية لدى زوجها السابق، للتفرُّغ للكتابة. فإذا كان الهجر الكامل للأسرة والأطفال يقع عند أحد الأطراف، والانغماس اليائس في التشابك الأسري إلى حدِّ الشلل الإبداعي عند الطرف الآخر، فإن اتفاقًا رسميًّا يحمي فترةً زمنيةً منتظمة ومحددة يبدو حلًّا معقولًا، بل يكاد يكون ضرورة وقائية للأم الكاتبة (وإن كان أمرًا محبطًا من زاوية سياسات النوع الاجتماعي).
أن أجد مكانًا غير منزلي لا أفعل فيه شيئًا سوى الكتابة، ليست استراتيجية مثالية؛ فهي تتطلب شريكًا مستعدًّا وقادرًا على تحمُّل المسؤولية الكاملة عن رعاية الأطفال (تحية لزوجي)، وأقارب كرماء يحبُّون السفر ولا يمانعون أن يُشغَل منزلهم في غيابهم (الشكر موصول لأشقَّاء زوجي)، أو، وذلك الخيار الذي لا يُلجأ إليه إلا أخيرًا، إنفاق مالٍ يكون مُخصَّصًا لمكان الإقامة، وهو ما يضيف نوعًا من المخاطرة المالية إلى شعورٍ مهتزٍّ أصلًا بالثقة في هذا المشروع برمَّته.
جزءٌ مما يجعل الكتابة بالنسبة إليَّ كأمٍّ أمرًا متضاربًا للغاية، هو خوفي من أنني أستبعد وقتًا كان يمكن أن أقضيه مع أطفالي في سبيل السعي وراء شيءٍ قد لا يفضي في النهاية إلى نتيجةٍ تُذكر، ويصعب عليَّ تبديد هذا الشكُّ والشعور بالذنب حين أسمع الأطفال أنفسهم يعودون إلى البيت من المدرسة بصخبٍ مرح، أو حين يحين موعد عشائهم فأتصورهم في المطبخ يتحادثون بحماسةٍ فوق أطباقهم البسيطة من المعكرونة من دوني. يعني أن أكون قريبةً منهم إلى هذا الحد ومع ذلك منفصلة عنهم هو نسختي الداخلية الخاصة من ”جرس” فرجينيا وولف، غير أن النداء هذه المرة يصدر من داخل البيت، والطريقة الوحيدة لإسكاته أن أهرب تمامًا لأطول مدة أستطيع احتمالها، قبل أن يعثر عليَّ في عنواني الجديد أيضًا (وعندها أعود مسرعة إلى المنزل، متوهِّجة حماسة لفكرة إعداد وجبة باهتة بلونها ومذاقها، لكنها تتطلَّب على نحوٍ مدهشٍ أربعة قدورٍ مختلفة).
حتى الآن كانت هذه الفترات القصيرة بعيدًا ناجحة إلى حدٍّ معقول؛ فدفعات التقدُّم الجيد التي أحرزها خلالها تمنحني زخمًا يكفيني لأشهرٍ تالية في العالم الواقعي. وعندما أعود إلى مكتبي، وأغلق الباب، وأفتح مسودتي، أكاد أصدِّق أنني بلغت أخيرًا ”غرفة الكاتبة” التي طالما نسجت حولها أحلامًا رومانسية، حيث يسير العمل بخطى سريعة ويغدو التركيز بلا حدود.
………………….
*ليزا أوينز
ليزا أوينز روائية وكاتبة سيناريو. وُلدت في إنجلترا لأبوين إيرلنديين، ونشأت في اسكتلندا وهيرتفوردشير. صدرت روايتها الأولى ”لا أعمل” عام 2016، وتعيش في لندن مع أسرتها.





