
سعيد الباز
عاد العالم من جديد إلى قلقه الدائم من الأوبئة المتفشية بظهور فيروس هانتا، بعد أن عاشت الإنسانية منذ زمن غير بعيد أزمة فيروس كورونا، وما زالت الذاكرة حية حين أضحى العالم بأكمله مستشفى كبيرا على حد قول الشاعر الفرنسي، شارل بودلير. زمن الحجر واللقاحات المنتظمة، والهلع الذي استبد بالحياة وصار إيقاعها اليومي. الحديث هنا، قد لا يتجه إلى هذا الوافد الجديد المسمى فيروس هانتا في حد ذاته، بقدر ما يلتفت إلى سؤال غريب ومريب: ماذا لو أن الأدب والرواية تحديدا قد تنبآ بهذا الفيروس بكل تفاصيله في الزمان والمكان؟
الحقيقة أننا نعثر على رواية «الرابحون» للروائي والكاتب الأرجنتيني، خوليو كورتاثار، التي تكاد تتطابق وقائعها مع الأحداث الراهنة المتعلقة بفيروس هانتا، ليس في المكان وحده، بل في التفاصيل أيضا. تحكي الرواية عن تنظيم بلدية مدينة «بوينس آيرس» رحلة بحرية عن طريق لعبة يناصيب لربح تذاكر رحلة بحرية مجانية. بدأت الرحلة بتحذير من ضابط السفينة من الذهاب إلى مؤخرتها، لكن هذا التحذير بدلا من يجد الاستجابة المتوقعة، خلق لدى الركاب الرغبة في كشف سر هذا المنع الذي شغلهم عن التمتع برحلتهم البحرية. لذلك سيخبرهم ضابط السفينة، بعد إلحاحهم الشديد في معرفة سبب المنع، بأن هناك حالة إصابة بالتيفوس تم عزلها وفرض الحجر عليها في مؤخرة السفينة. لكن الركاب في معظمهم لم يقتنعوا بهذا التبرير، وبدأت تطرح لديهم عدة أسباب أخرى ومبررات مختلفة أن هذا المكان الممنوع في السفينة بدعوى عزل حالة إصابة بالتيفوس، قد تكون من ورائها عملية تهريب لممنوعات، أو نقل لمواد مشعة، أو أي مخالفات أخرى غير قانونية. بعد مغامرات وبحث دؤوب من قبل الركاب الذين تحولوا إلى مشاغبين وحدوث عملية قتل، تتم إعادتهم في طائرة هليكوبتر إلى بوينس آيرس، واعتبار القتيل حالة إصابة بالتيفوس.
إن التشابه غريب بين سفينة الأرجنتيني خوليو كورتاثار في روايته «الرابحون» وأحداث الرحلة البحرية الهولندية، حيث تم الإعلان عن ظهور فيروس هانتا على متنها، وبالتحديد في أوشوايا في الأرجنتين، واكتشاف ظهور أعراض الإصابة على رجل هولندي، ثم وفاة أحد الركاب بعدها، لتبدأ سلسلة من الوقائع تتبعها العالم برمته بقلق شديد وهلع لا يمكن إخفاؤه.
هذا التشابه في المكان والأحداث والتقارب الشديد في التفاصيل وأجوائه العامة، يبرز لنا أن الأدب بأشكاله المتعددة، قد يكون أحيانا مستشرفا للأحداث ومستوحيا من خياله الأدبي تفاصيل وقائع قد تبتعد في الزمن، لكنها تعود مرة أخرى لتتطابق مع الواقع وتعيد بناءه وتشكيله من جديد، وفق رؤيتها الخاصة. إن الكاتب الأرجنتيتي، خوليو كورتاثار، في رائعته «الرابحون»، لم يكن معنيا بالواقع، بقدر ما كان اهتمامه برحلة أخرى وسفينة رمزية وركاب آخرين يمثلون الإنسانية بأجمعها في قلقها الوجودي وألمها الخاص. إن هذا المكان المغلق الذي يمخر عباب البحر فوق موجه المتلاطم، يحمل في داخله أسرارا غامضة وأسئلة حارقة، والكثير من الغموض الذي سيدفع أحداث الرواية في اتجاه آخر ورحلة أخرى ذات طابع نفسي واجتماعي وفلسفي، ستعكسه حوارات الشخصيات المختلفة في فضاء هذه السفينة المغلق، ما يمثل صورة موازية لرحلة الإنسان في بحثه عن الحقيقة من جهة، والسعادة والحرية من جهة أخرى.
بعد إخلاء آخر ركاب السفينة الهولندية وانتهاء هذه الرحلة الغريبة والمثيرة، التي ولا شك أن التاريخ الإنساني سيتذكرها، باعتبارها حدثا من الأحداث التي واجهت الإنسان والمخاطر التي تهدد وجوده في المستقبل، من أهمها الحرب المعلنة اليوم ضد الفيروسات القاتلة خاصة، والأوبئة بصفة عامة.
إن هذه التحديات التي ستعترض البشرية في المستقبل لن تكون بسبب الحروب المدمرة والصراعات السياسية في كل بقاع العالم فحسب، أو المغامرات المتهورة للقادة والزعماء.
إنها حرب أخرى قادتها فيروسات خفية ومتناهية في الصغر والضآلة، تحت مسميات أكثر غرابة وسوريالية، من جنون البقر إلى قوارض فيروس هانتا، أو فيروس الإيبولا وغيرها من الفيروسات التي أصبحت مثل وحوش كاسرة قادرة على أن تهدد مستقبل الوجود الإنساني، وليصبح عالمنا كما حدسه ذات مرة الشاعر الفرنسي، شارل بودلير، في إحدى قصائده النثرية القصيرة: هذا العالم مستشفى كبير، كل مريض يرغب في تغيير سريره.





