
في عصر صار فيه الإنسان يتلقى درسا في الفيزياء الكمية بين فيديو لقط يرقص وآخر عن وصفة لتسمين الأرداف، تحولت المعرفة إلى مسحوق سريع الذوبان يخلط بالموسيقى الحماسية والمؤثرات البصرية ثم يقدم للجمهور على أنه فتح علمي مبين. لم يعد مطلوبا من الإنسان أن يقرأ كتابا ثقيلا أو يرهق نفسه بمحاضرات طويلة ومراجع معقدة، بل يكفيه شاب متحمس يصرخ أمام الكاميرا ويقاطع حديثه كل ثلاث ثوان بصورة متحركة حتى يشعر المشاهد بأنه فهم الكون، واخترق التاريخ وكاد يبعث رسالة صوتية إلى أرسطو يسأله فيها عن أحواله.
قبل سنوات، ظهر اليوتيوبر الأمريكي فيسوس وكأنه ساحر رقمي يطرح أسئلة من نوع ماذا سيحدث لو اختفى القمر أو لماذا لا نموت عندما تلمس الطائرة السماء، ثم يجيب عنها بحماس طفل اكتشف للتو أن النار ساخنة. الرجل كان ذكيا دون شك، ونجح في جذب ملايين الشباب الذين كانوا يعتبرون العلوم عقابا مدرسيا أكثر من كونها متعة فكرية. غير أن المشكلة لم تكن في تبسيط المعرفة، بل في الوهم الذي زرعه هذا النموذج داخل أذهان الجمهور، حيث صار كثيرون يعتقدون بأن عشر دقائق من الفرجة تكفي لمعادلة سنوات من الدراسة والبحث والتخصص.
لاحقا، انتقلت العدوى إلى العالم العربي مع الدحيح، الذي استطاع أن يحول الفيزياء والتاريخ والكيمياء إلى فقرات استعراضية تشبه برامج المسابقات الليلية. ضحك الجمهور، وصفق ثم خرج مقتنعا بأنه صار قادرا على مناقشة الحضارة الرومانية ونظرية النسبية والأسباب الخفية وراء انهيار الدولة العثمانية. وبعد ذلك وصلت الموجة إلى المغرب، فظهر جيش من صناع المحتوى يشرحون الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد بالطريقة نفسها التي يشرح بها بائع متجول طريقة استعمال مقلاة هوائية.
الأخطر في الظاهرة ليس انتشارها، بل ذلك الاحتقار الصامت لفكرة التخصص. صار الأكاديمي، الذي يقضي عشرين سنة بين الكتب والمراجع، يبدو كائنا متحجرا لا يفهم روح العصر، بينما يتحول شاب يضع ميكروفونا مضيئا أمام فمه إلى مرجع وطني في الجغرافيا السياسية بعد ثلاث حلقات وكتاب مترجم بشكل كارثي. وهكذا تحولت النخبوية إلى شتيمة جاهزة، رغم أن النخبة في أصلها ليست جماعة غامضة تتناول القهوة فوق برج عاجيّ، بل أشخاص أفنوا أعمارهم في التعمق والتحليل والتمحيص.
العلوم، في حقيقتها، ليست دائما ممتعة، وهذه فكرة يكرهها اقتصاد المشاهدات. هناك مفاهيم تحتاج إلى صبر طويل وقراءة مرهقة وتأمل متكرر، لكن ثقافة التبسيط أقنعت الجمهور بأن أي فكرة لا يمكن فهمها خلال دقيقة واحدة هي مؤامرة أكاديمية ضد الشعب. ولذلك صار بعض الناس يشعرون بالغضب إذا استعمل أستاذ جامعي مصطلحا دقيقا، وكأن الرجل ارتكب جريمة لأنه تحدث بلغة تخصصه.
في السياسة المغربية، أخذ الأمر شكلا أكثر غرابة. بعض الأمناء العامين للأحزاب صاروا يتعاملون مع اليوتيوبرز باعتبارهم مراكز أبحاث متنقلة. السياسي، الذي يفترض أن ينتج الأفكار والخطابات، أصبح يبحث عمن يحول مشروعه الحزبي إلى فيديو قصير مليء بالرموز التعبيرية. أحدهم يريد شرح تاريخ الاشتراكية في دقيقة، وآخر يحاول تسويق الليبرالية كما لو كانت تطبيقا لتوصيل الوجبات السريعة. والمحصلة أن الأحزاب، التي كان يفترض أن تصنع النخب والمفكرين، صارت تبحث عمن يختزل الفكر السياسي في نكتة قابلة للمشاركة.
المفارقة أن هذا الهوس بالتبسيط يكشف فشل السياسة أكثر مما يكشف ذكاءها. الحزب، الذي يحتاج إلى مؤثر يشرح مبادئه كأنها «مقادير الكيكة»، اعترف ضمنيا بأنه عاجز عن بناء وعي سياسي حقيقي. وعندما تتحول القضايا الكبرى إلى محتوى خفيف سريع الاستهلاك، يصبح المواطن مقتنعا بأن الديمقراطية تشبه تحديات «تيك توك»، وأن الاقتصاد الوطني يمكن شرحه بواسطة سبورة وأربعة ملصقات مضحكة.
المشكلة النفسية الأعمق أن الإنسان الحديث صار يخاف من الاعتراف بجهله. سابقا كان من الطبيعي أن يقول المرء لا أفهم، أما اليوم فالجميع مطالب بامتلاك رأي جاهز في الفيزياء والاقتصاد والجينات والحروب. وهنا يأتي المحتوى المبسط كمسكن ثقافي سريع المفعول، يمنح المتلقي إحساسا مؤقتا بالتفوق المعرفي دون المرور بعذاب التعلم الحقيقي. يشاهد المرء فيديو بعنوان فهم الفلسفة في خمس دقائق، ثم يدخل إلى التعليقات متصرفا كأنه النسخة المحلية من نيتشه. وهكذا تتضخم الثقة بينما يذبل الفهم، ويصبح العالم ممتلئا بأشخاص يعرفون أسماء كثيرة لكنهم عاجزون عن الغوص في أي فكرة لأكثر من دقيقتين، لأن عقولهم تعودت على معرفة تشبه وجبات الطائرة، صغيرة، سريعة ومشبعة بالهواء أكثر من المعنى.
لا تبدو المشكلة الحقيقية في تبسيط العلوم، بل في تحويل المعرفة إلى سلعة تخضع لقوانين الترند والإعلانات وعدد الإعجابات. فعندما يصبح الأستاذ مطالبا بمنافسة مهرج إلكتروني على انتباه الجمهور، ندرك أن الأزمة أعمق من مجرد أسلوب شرح. إنها مهزلة تاريخية صار فيها العقل مطالبا بأن يرقص حتى يسمح له بالبقاء داخل الشاشة.





