حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

قيلش وهيبة الدولة

نعيمة لحروري

مقالات ذات صلة

في زحمة الكلام عن الأحكام الصادرة في ملف بيع شهادات الماستر والدكتوراه، انصرف أغلب النقاش إلى سنوات الحبس والغرامات، وكأن القضية انتهت عند هذا الحد. والحال أن في الملف ما هو أعمق من العقوبة الزجرية، وما هو أخطر من مجرد تعداد السنوات والأشهر. هناك معطى آخر لا يقل أهمية، بل ربما هو الأبلغ سياسيا ومؤسساتيا، وهو أن الدولة المغربية نفسها دخلت هذا الملف مطالبة بحقها عبر الوكيل القضائي للمملكة.

وهنا تحديدا تبدأ القراءة الصحيحة.

لأن الوكيل القضائي للمملكة لا يدخل الملفات من باب الفرجة، ولا من باب الحضور الشكلي. حين ينتصب في قضية من هذا النوع، فهو لا يتصرف كطرف عادي، بل كلسان قانوني للدولة وهي تقول بوضوح: لقد وقع الضرر علي أنا أيضا. ليس فقط على طلبة حرموا من تكافؤ الفرص، ولا فقط على جامعة لوثت سمعتها، بل على الدولة في رمزيتها، وفي مؤسساتها، وفي صدقية المرفق العمومي الذي يفترض فيه أن يحمي الاستحقاق لا أن يعرضه للبيع.

المذكرة التي رفعت نيابة عن الوكيل القضائي للمملكة كانت لافتة، لأنها لم تختزل القضية في رشوة هنا، أو استغلال نفوذ هناك، بل وضعت اليد على جوهر الجريمة: نحن أمام اعتداء على مرفق عمومي استراتيجي هو التعليم العالي، بما يمثله من قيمة دستورية ووطنية وأخلاقية. فحين تصبح الشهادة موضوع سمسرة، لا يكون الذي يسقط فقط هو القانون، بل تسقط معه فكرة الاستحقاق نفسها، ويهتز واحد من أعمدة الثقة العامة.

ولذلك لم يكن عبثا أن يرتكز دفاع الوكيل القضائي للمملكة على فكرة الضرر المعنوي والمؤسساتي. فجرائم الفساد ليست مجرد أرقام تتبخر، ولا مجرد منافع غير مشروعة يجنيها هذا أو ذاك. أخطر ما فيها أنها تترك ندوبا في صورة الدولة، وتضرب سمعة مؤسساتها، وتبعث إلى المجتمع برسالة قاتلة مفادها أن المهم ليس أن تستحق، بل أن تجد من يفتح لك الباب.

وإذا كان حضور الوكيل القضائي للمملكة قد منح الملف هذا البعد المؤسساتي الواضح، فإن القضية أعادت أيضا إلى الواجهة أهمية أدوار مؤسسات أخرى معنية بمحاربة الفساد، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. فمثل هذه الملفات لا تكتمل دلالتها إلا حين تتحرك المؤسسات، كل من موقعها، لترسيخ معنى المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

هذا بالضبط ما التقطته المذكرة بذكاء وقوة. فهي تعتبر أن ما وقع لا يسيء فقط إلى الجامعة، بل ينسف الثقة في مؤسسات الدولة كضامن للعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص. وحين تصل العدوى إلى الشهادات الجامعية، فإن الأمر لا يتعلق بفضيحة عابرة، بل بجرح يصيب فكرة الوطن نفسه: كيف يثق الناس في دولة يمكن أن تباع فيها الشهادة؟ وكيف يطمئن المجتهد إلى أن جهده يساوي شيئا، إذا كان آخرون يشترون ما يفترض أن ينال بالكفاءة؟

الأكثر دلالة أن المراسلة التي أرسلتها تكشف معطى غاب، أو كاد، عن بعض التغطيات الإعلامية التي اكتفت بإبراز العقوبات الحبسية والغرامات، وهو أن الحكم لم يتوقف عند الزجر، بل شمل أيضا الحكم على المتهمين بأداء تعويض مدني تضامني لفائدة الدولة المغربية قدره مليون درهم. وهذا المعطى ليس تفصيلا عابرا، بل هو بيت القصيد كله.

لأن الدولة هنا لم تكتف بأن تقول إن الجريمة وقعت، بل قالت أيضا إن الضرر لحق بها، وإن من أفسدوا هذا المرفق مطالبون بأداء ثمن مدني، لا جنائي فقط. وهذا تطور مهم في معنى المواجهة مع الفساد. فالعقوبة تسجن الجسد، لكن التعويض يعلن أن للدولة كرامة قانونية أيضا، وأن سمعة مؤسساتها ليست بلا قيمة.

قد يبدو مبلغ مليون درهم أقل من الطلب الأصلي الوارد في المذكرة، والذي تجاوز الخمسة ملايين درهم، لكن رمزيته أكبر من رقمه. إنه إعلان قضائي بأن الدولة متضررة، وأن القضاء اعترف لها بذلك. وهذه نقطة تستحق أن تقرأ جيدا، لأننا أمام انتقال من دولة تلاحق الفساد باسم النيابة العامة فقط، إلى دولة تطالب أيضا بحقها المدني والأخلاقي والمؤسساتي.

في هذا الملف، لم يكن الوكيل القضائي للمملكة مجرد اسم مضاف في الوثائق. كان عنوانا لشيء أكبر: أن الدولة بدأت، ولو متأخرة، تفهم أن الفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق الهيبة والثقة والمعنى. وحين تضطر الدولة إلى المطالبة قضائيا بالتعويض عن سمعتها، فذلك يعني أن الجريمة لم تكن هامشية، بل كانت صفعة على وجه المرفق العمومي.

لهذا، فالمهم في هذا الملف ليس فقط أن بعض المتهمين أدينوا. المهم أيضا أن الدولة قالت: أنا أيضا كنت ضحية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى