كاتب السلطان.. الحِرفة المنقرضة
مهنة زاولها الأدباء والفقهاء وتحدثوا باسم ملوك المغرب

يونس جنوحي
كاتب السلطان لم يكن مجرد موظف مخزني في البلاط، أو مقعدا في مكاتب القصر الملكي بمدينة فاس.. لقد كان اللقب أشبه ما يكون برتبة إدارية فوق العادة.. الشخصيات التي تقلدت منصب «كاتب السلطان»، لم يكن أصحابها موظفون عاديون، وإنما كانوا من كبار علماء المغرب..
كيف تأسست هذه «الحِرفة»، التي جعلت من الأدباء والعلماء يترأسون الوزراء وكبار مستشاري الدولة من العلماء؟ لقد كان سلاطين المغرب يحتاجون من يصوغ الكلمات بطريقة تترك الصدى، الذي يريدونه في نفوس من يتلقون تلك الرسائل.. وهو ما أكسب المنصب هالة، حتى بعد انقراضه.
تكلف بصياغة أولى رسائل الدولة العلوية.. سيرة مؤسس حِرفة «كاتب السلطان»
ابتداء من سنة 1640، خلال المراحل الأولى لتأسيس الدولة العلوية، سوف يشهد البلاط إحدى أولى عمليات تعيين «كاتب السلطان».. ففي عهد المولى الرشيد بن الشريف، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1667 و1672، تم إصدار أول قرار بتعيين كاتب للسلطان، ولم يختر السلطان سوى العالم المغربي عبد الرحمن الفاسي لكي يصبح كاتبا له، وسرعان ما نال لقب «كاتب السلطان»، ليؤسس لهذه الصفة التي توارثها من بعده علماء وأدباء مغاربة كبار.
بدأت علاقة عبد الرحمن الفاسي بالسلطان، عندما كان أديبا مرافقا له، ومن جلسائه وخاصته، ثم عينه كاتبا لديه، وتكلف بصياغة أولى الرسائل السلطانية في الدولة العلوية.
ومن شدة قربه من السلطان، أطلق عليه كنية «أبي زيد»، وهو الاسم الذي ظل يحمله لدى السلطان إلى آخر حياته.
وُلد هذا الكاتب في فاس سنة 1631، وعاش في طفولته تداعيات انقسام الدولة المغربية، ثم تسلم العلويين مقاليد السلطة.. وكان وقتها يتابع دراسته تحت إشراف والده، الذي كان من كبار علماء فاس وفقهائها. حتى أن أصدقاء والده من علماء فاس لقبوه، وهو لا يزال يافعا، بلقب: «سيوطي فاس»، وتنبؤوا له بمستقبل باهر في الأدب..
هؤلاء المتفائلون لم يكونوا يتصورون أن الشاب عبد الرحمن الفاسي سوف يصبح لاحقا كاتبا للسلطان العلوي المولى الرشيد، الذي أكمل مسار والده في تأسيس الدولة العلوية، وأنجب المولى إسماعيل، أحد أهم سلاطين المغرب على مر العصور.
لم يكن اختيار السلطان لعبد الرحمن الفاسي محكوما بالعاطفة أو الصداقة، بقدر ما كان تتويجا لمكانته العلمية. فقد قال عنه محمد مخلوف: «العمدة المحقق، المتفنن في العلوم، الحامل لراية المنثور والمنظوم». أما أبو جعفر الكتاني فقد وصفه قائلا: «إذا حضر في مجلس فهو الصدر، وإذا تكلم في مسألة شفى فيها الغليل».
لم يكن المولى الرشيد بحاجة إلى جليس يروح عنه، بقدر ما كان يحتاج إلى خبير في شؤون السياسة لكي يصوغ الرسائل السلطانية، ويؤسس لمدرسة مخزنية استمرت قرونا بعد وفاته، إذ إن أسلوب عبد الرحمن الفاسي بقي متوارثا من تلامذته الذين درسوا في القرويين، وانتقل إلى كتاب آخرين تركوا بصمة واضحة في أرشيف الرسائل المخزنية، سيما منها تلك التي تزامنت مع أزمات الدولة المغربية.
اليوسي.. أشهر من راسل المولى إسماعيل وكتب له
«وكنا كثيرا ما نرى من سيدنا التشوق إلى الموعظة والنصح والرغبة في استفتاح أبواب الربح والنجح، فأردنا أن نرسل إلى سيدنا ما إن وفق إلى النهوض إليه، رجونا له ربح الدنيا والآخرة، والارتقاء إلى الدرجات الفاخرة، ورجونا وإن لم نكن أهلا لأن نعظ، أن يكون سيدنا أهلا لأن يتعظ. فليعلم سيدنا أن الأرض وما فيها ملك لله لا شريك له، والناس عبيد الله سبحانه وإماء له، وسيدنا واحد من عبيد الله، وقد ملكه الله تعالى عبيده ابتلاء وامتحانا، فإن قام عليهم بالعدل والرحمة والإنصاف والإخلاص فهو خليفة الله في أرضه، وظل الله على عبيده، وله الدرجة العالية عند الله تعالى، وإن قام بالجور والعنف والكبرياء والطغيان والإفساد، فهو متجاسر على مولاه في مملكته، ومتسلط ومتكبر في الأرض بغير الحق، ومتعرض لعقوبة مولاه الشديدة وسخطه».
الكلام هنا للعالم المغربي الكبير أبي علي اليوسي، الذي اشتهر بكونه العالم المغربي الذي اختاره المولى إسماعيل دون غيره، لكي يكاتبه في شؤون الدولة ويستشيره فيها..
اهتم المؤرخون بإرث اليوسي، خصوصا رسائله مع السلطان المولى إسماعيل، ما بين سنتي 1672 و1727، ليس باعتبار السلطان المولى إسماعيل أحد أهم من حكموا المغرب وحسب، ولكن أيضا نظرا للقيمة العلمية لمضمون تلك الرسائل. إذ كان اليوسي يسدي النصائح والمشورة للسلطان، في رسائل مطولة، بقيت محفوظة في الأرشيف المخزني..
كان المولى إسماعيل بدوره يرد على رسائل المولى إسماعيل بأن قربه منه، وحسب ما أورده المختار السوسي، فإن ردود المولى إسماعيل بقيت محفوظة، لأنه رد على أغلب رسائل اليوسي في عز انشغاله بأمور الدولة، وأرسل إليه مرات كثيرة بعض موظفيه ليبلغوه بموافقة السلطان على مقترحاته أو رأيه فيها، وظهر، كما أورد المختار السوسي، أن المولى إسماعيل كان يضبط جيدا الأمور الفقهية المرتبطة بشؤون الدولة، وكان في مناسبات كثيرة يذكر اليوسي نفسه بمقولات مولاي علي الشريف، مؤسس الدولة العلوية، حيث كان المولى إسماعيل يعود كثيرا إلى حكمه وآرائه.
يقال إن اليوسي كان وراء كتابة رسائل المولى إسماعيل التي وجهها إلى بريطانيا في عهد الملكة إليزابيث الأولى، وفرنسا في عهد لويس الرابع عشر.
وحتى إن لم يكن اليوسي وراء صياغة رسائل المولى إسماعيل، فإن تلامذته الذين اشتغلوا في البلاط، تكلفوا بصياغة رسائل المولى إسماعيل إلى طرابلس والجزائر، في ظرف سياسي حساس للغاية.
وفي هذا الصدد دائما، رفع السلطان العلوي مراسلات إلى ليبيا مضمونها يدعو السنوسيين إلى ضرورة احترام الوعد المغربي للأمريكيين وعدم التعرض للسفن الأمريكية، خصوصا وأن المغرب قد أنقذ ليبيا وقتها من حرب مؤكدة، بعد قرار الأمريكيين توجيه سفن حربية محملة بالمدافع لقصف ليبيا وتأديبها، حتى لا يتعرض «القراصنة» لسفنها التجارية، وتدخل وقتها المغرب لتهدئة الوضع، وأصبحت لديه أولوية استراتيجية في المنطقة، حيث انتهى المشكل تقريبا سنة 1820.
أما في سنة 1888، فقد لعبت الرسائل المخزنية دورا كبيرا مرة أخرى، لكن مع البريطانيين هذه المرة. وقد لاحظ المؤرخ د. عبد الهادي التازي – وهو أحد أهم الباحثين الذين اشتغلوا على رسائل اليوسي ورسائل المولى إسماعيل الشريف- النقطة نفسها في ما يتعلق بالعلاقات المغربية البريطانية، لكن بضرر أقل. إذ إن المغرب لا يزال يحتفظ برسائل أصلية تؤرخ للعلاقات بين البلدين. وقد نجح عدد من العلماء المغاربة السابقين، حتى قبل قيام الدولة العلوية، في حفظ أرشيف مراسلات الدولة المغربية مع بريطانيا منذ القرن 16 الميلادي، أي أيام الدولتين السعدية وحتى الموحدية أيضا. لكن الكُتاب الذين أشرفوا على كتابة تلك الرسائل، لعبوا دورا كبيرا في جعلها رسائل تاريخية، نجحت في تحقيق المساعي المغربية، وخلفت أثرا قويا لدى الذين تلقوها، حتى عندما تعلق الأمر بقوى عظمى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
أجواء ديوان البلاط قبل أكثر من 3 قرون
في عهد المولى إسماعيل، دخل البلاط الملكي عهدا آخر، خطط محيط السلطان لجعل شروط الولوج إليه أكثر صرامة من ذي قبل.
ففي عهد المولى إسماعيل كان مجلس كبار مستشاريه من القضاة والفقهاء والعلماء، يعقدون ما سُمي وقتها «المجلس الأسبوعي»، كان بمثابة اجتماع حكومي تعرض فيه على السلطان مشاكل الدولة وشؤون الوزراء، ويبت فيها مع العلماء الذين اشتغلوا مستشارين..
كان هذا المجلس متوارثا في الدولة المغربية، لكن المولى إسماعيل أدخل عليه عددا من التعديلات.. وفضل أن يبقى أحد كبار مستشاريه وهو العلامة «اليوسي»، بعيدا عن المجلس، وتبادل معه الرسائل التي جمعها المؤرخون لاحقا، واختاروا لها عنوان «رسائل اليوسي إلى المولى إسماعيل»، وفيها آراء هذا العَالم في سياسة المولى إسماعيل، ونصائحه له..
في بداية عهد المولى إسماعيل، الذي تسلم العرش سنة 1672، لم يكن هناك كُتاب بارزون في الدولة.. بل إن هذا السلطان الشاب ورث وقتها مجلسا من الكتاب، الذين واكبوا تأسيس الدولة العلوية، واشتغلوا مع مولاي علي الشريف، وكان دورهم يقتصر على صياغة الرسائل التي أسست للبيعة بين الدولة العلوية وقبائل المغرب المتفرقة. وهؤلاء الكُتاب، كانوا الجيل المؤسس لكُتاب سلاطين الدولة العلوية.. وتحدث عنهم عدد من السفراء الأجانب، الذين جاؤوا إلى المغرب خلال عهد المولى إسماعيل، ما بين سنتي 1672 و1727. وأحد هؤلاء السفراء الأجانب، هو السفير الفرنسي «François Pidou de saint Olon»، وهذا السفير كان أحد أفضل الدبلوماسيين في فرنسا خلال عهد الملك لويس الرابع عشر.
جاء هذا السفير إلى المغرب سنة 1693، وكان لديه توجيه من باريس، مفاده أن يقنع المولى إسماعيل بإطلاق سراح الأسرى الفرنسيين في المغرب. وفي إحدى رسائل هذا السفير الفرنسي إلى باريس، والتي يوجد أصلها في المكتبة الوطنية الفرنسية، تحدث بنوع من التفصيل عن محيط المولى إسماعيل، وبلاطه، واعتبر أن الدولة المغربية أكثر تنظيما مما يعتقد الفرنسيون في ذلك التاريخ..
ورغم أن السفير كان مقتصدا في رسالته، إلا أنه عندما كتب مذكراته، بعد عودته من المغرب بأشهر فقط، تفصل في وصف بلاط السلطان المولى إسماعيل، وتحدث بنوع من الرهبة عن كُتاب البلاط وأجواء اشتغالهم في حضرة المولى إسماعيل، الذي كان مجرد ذكر اسمه يبث الرهبة في نفوس الفرنسيين.
السفير «أولون»، أو هكذا سجل الأرشيف المخزني اسمه، أشاد بتنظيم ديوان المولى إسماعيل وأشار في رسالته إلى دور الكُتاب الذين كانوا عاكفين على تسجيل كلام السلطان وتدوينه، وصياغة رسائله وتوجيهاته، إلى خلفائه في مناطق المغرب. كما أن ترجمان السفير تلقى رسالة المولى إسماعيل، والتي صاغها أحد كتابه في قلب البلاط، وعندما ترجمها إلى الفرنسية، لم يكن السفير يملك غير طلب مهلة لاستشارة لويس الرابع عشر، قبل الإعلان عن موقف رسمي من شروط المولى إسماعيل التي وضعها مقابل إطلاق سراح الأسرى، وانطلاق عهد جديد بين فرنسا والمغرب، قبل أكثر من ثلاثة قرون.
كاتب السلطان.. صنع مجده في فاس ومات في مراكش
سيرة هذا الكاتب تبقى واحدة من أغرب سير «خُدام» الدولة الأقدمين.. ففي رأي المؤرخين المغاربة، فإن الكاتب محمد بن سليمان الفاسي توفي قبل أن يبلغ الثلاثين من العمر، واستطاع في سن مبكرة أن يحظى بمكانة مهمة في البلاط. بينما مراجع أخرى تؤكد أنه توفي وسنه سبعون سنة. لكن الإجماع الوحيد حول سيرته، يكمن في أنه توفي في مراكش التي تقاعد فيها، مودعا مدينة فاس التي وُلد فيها سنة 1773، ودرس فيها، قبل أن يتم تعيينه كاتبا للسلطان المولى محمد بن عبد الله.
الباحث المغربي عبد الجليل بدزي، أحد الأكاديميين القلائل الذين اشتغلوا على سيرة هذا الكاتب والأديب المغربي، الذي استطاع أن يحظى بمكانة مهمة في بلاط السلطان المولى محمد بن عبد الله (السلطان محمد الثالث).
وقد كتب عنه في بحث رصين تطرق إلى حياته، أنه إلى جانب إتقانه لـ«صنعة» الكتابة وفق الأسلوب المخزني العتيق، كان أيضا شاعرا فذا، وألف عددا من القصائد التي تلقاها فنانو الملحون بلهفة.
وقد تناول الباحث بدزي، شذرات من سيرة كاتب السلطان، قائلا: «هو شاعر مجيد من أهل فاس، ولد أواخر عهد السلطان محمد بن عبد الله [2] سنة ست وثمانين ومائة وألف هجرية (1186هـ)، وتوفي على عهد السلطان المولى سليمان[3] سنة تسعة عشرة ومائتين وألف هجرية (1219هـ)، بعد أن أصيب بمرض تضخم القلب، مات أبوه وتركه طفلا، فتكفلت أمه بتربيته، حيث أدخلته الكتاب ليحفظ القرآن، وبعدها التحق بجامعة القرويين التي نهل منها ما تيسر له من العلم، زيادة على علاقة الصداقة التي كانت تربطه آنذاك بالشيخ الكبير محمد بن علي ولد أرزين[4]، والذي عرفه على الشاعر الكبير وأستاذ الجيل وشيخ أشياخ مدينة فاس لوقته الحاج محمد النجار[5]، فجاء عبقرية فذة في نظم قصائد فن الملحون ـ كما أشرنا ـ مع ظروف لم تسمح له أن يُظهر كل إمكانياته في الخلق والإبداع، وذلك لأسباب كثيرة أختزلها في معطيين اثنين:
انشغاله بالتهاجي مع خصومه الكثيرين، والذين قيل إنهم بلغوا أربعين شاعرا وأكثر، وكما لا يخفى على القارئ أن الدخول في معارك جانبية يحد من القدرة على الانطلاق والتحليق في مجال تحقيق الرسالة الأصلية التي يجري وراءها المبدع، وتتمحور لدى الشيخ ابن سليمان حول وضع بصمة متميزة خاصة به على مستوى نظم قصائد الملحون، الشيء الذي يؤكده نظمه لقصيدة «السنسلة»، التي سلسل بها أشياخ عصره، حيث رغم انتمائه لعوالم الملحون، إلا أنه كان مجددا في الكثير مما كتب وأبدع شكلا ومضمونا، وهو الشيء الذي لم ترتح له العقليات التقليدية التي تشتغل بالميدان، فعارضه أشياخ وقته وهاجموه بقوة، وكانت النتيجة اشتعال نار التهاجي بينه وبين هذه العقليات المتحجرة، مما حد من انطلاقته وتحليقه في مجال الإبداع، وفوت علينا فرصة التمتع بتجديداته وابتكاراته التي تظهر من خلال ما خلف من قصائد، على أنها تمثل تحولا على مستوى الشكل والمضمون في مجال نظم الشعر الملحون، رغم أن غالبية إنتاجه قد ضاع نتيجة إحراق أمه للعديد من قصائده بعد وفاته، ولم يبق مما نظم سوى الذي ألقي على الناس فحفظوه، أو الذي كتب على جدران وأثاث بيته.
والسبب الثاني الذي حد من انطلاقة ابن سليمان التجديدية، وأوقف إبداعاته، تمثل في موته المبكر، حيث يُجمع كل المهتمين على أنه قد فارق الحياة على عهد السلطان المولى سليمان، وعمره قد تجاوز الثلاثين سنة بقليل، حوالي 33 سنة».
قصة كاتب فاقت رُتبته وزراء الدولة
ليست هذه المرة الأولى التي نتطرق فيها إلى أشهر حملات إصلاحات الإدارة، التي أطلقتها الدولة العلوية على امتداد ما يقارب أربعة قرون..
لكن واحدة من أشهر الحملات التي أطلقتها الدولة المغربية، تزامنت مع سنة 1880، أي في عهد المولى الحسن الأول..
كان لدى السلطان مخزني مكلف بشؤون الضريبة في ميناء الصويرة، وشهدت عملية استخلاص ديون التجار، وبينهم تجار يهود مغاربة متعاقدون مع شركات بريطانية وفرنسية، اختلالات كثيرة، إلى درجة أن شح العائدات بدأ يهدد الميزانية..
كان لدى السلطان كاتب اسمه «ولد العيدي»، وقد أشار إليه أحد كبار أعيان مراكش في مخطوط يحكي قصة عائلة «آيت مَنو» الشهيرة التي خدمت المخزن، وقال إنه غادر العمل في البلاط سنة 1885 بعد مسار تجاوز عشر سنوات، وكان سببا في إعفاء المسؤول المخزني عن استخلاص ضرائب الصويرة، بعد أن كلفه السلطان الحسن الأول بمراسلته.. وكانت مراسلات هذا الكاتب «ولد العيدي»، نموذجية ومنحه السلطان سلطة الحديث باسمه في الرسائل..
كان السلطان يطلع على الرسائل قبل توقيعها، لتجد طريقها إلى خدام المخزن في الأقاليم، وكان أسلوب «ولد العيدي» بارزا في أغلبها، خصوصا منها تلك التي تمنح الوزراء والمسؤولين فرصة أخيرة لإصلاح شؤون البلاد، قبل أن ينزل بهم العقاب.
جاء هذا الكاتب السلطاني في سياق مغربي متقد وتغلب عليه ملامح الأزمة. بدأت الدولة تتجه نحو فرض المزيد من الضرائب، دون أن تواجه النزيف الذي حدث في الضرائب السابقة، رغم التحذيرات التي تلقاها بعض خدام المخزن، خصوصا سنة 1885، وعلى رأسهم الوزير سليمان، حيث أخبره بعض التجار أنه يتم إجبارهم على دفع الضرائب في كل مرة، في حين أن تجارا آخرين لم يكونوا يدفعون قطعة نقدية واحدة للدولة، بل كانوا يُنشئون تجارة أخرى بأموال الضرائب التي لا يدفعونها للضريبة، وهو ما جعل الحاج المختار، وهو الذي كان وزيرا مكلفا بالإشراف على الضريبة وجاء من بعده الوزير غريط خليفة له سنة 1901، يراجع بعض موظفي المخزن، لكنه في الحقيقة لم يقم بأي إجراء لخلق توازن في مداخيل الضرائب، وهو ما جعل الأزمة تتفاقم.
عندما توفي المولى الحسن الأول سنة 1894، كان نخبة من مسؤولي المخزن في قمة أدائهم، والفضل يعود في ذلك إلى حملة الإعفاءات والتعيينات الجديدة التي أطلقها المولى الحسن الأول في السنوات الأخيرة من فترة حكمه، أي ما بين 1885 و1894، حتى أن المولى الحسن الأول مات على صهوة حصانه، وهو في غمرة انشغاله باستعادة المناطق التي تفاقمت فيها الثورات.. ولعب كُتابه المقربون في ذلك الوقت دورا كبيرا في تدبير شؤون الدولة وصياغة الرسائل التي ترتبت عليها أحداث سياسية كبرى، أبرزها إفشال الثورات التي أراد أصحابها النيل من الدولة وإعلان الانشقاق..
عندما جاء المولى عبد العزيز إلى السلطة سنة 1894، كان قد ورث عن والده فريقا كاملا من كتاب القصر المتمرسين، الذين كانت رسائلهم تصاغ ببلاغة تجعل أقوى القواد والباشوات يتحسسون رؤوسهم، مخافة أن يفقدوا سلطتهم بجرة قلم.
عبد الله الفاسي.. حين أبهرت باريس كاتب السلطان
ربما كان عبد الله الفاسي لينتهي إلى الظل دون أن يترك خلفه أثرا يميزه عن بقية الكتاب الذين اشتغلوا في البلاط، في قصر فاس تحديدا، على امتداد ثلاثة قرون من الزمن.. لكنه عندما رافق الوزير المغربي الحاج محمد المقري إلى باريس سنة 1909، ودون رحلته المغربية، دخل التاريخ من أوسع أبوابه!
تنبأ له الصحافي البريطاني «لاورنس هاريس» بمستقبل واعد، وخصص له حيزا مهما في مذكراته «مع المولى عبد الحفيظ في فاس»، علما أنه التقاه وكتب عنه سنة واحدة قبل رحلته الشهيرة إلى باريس.
من بين أقوى ما سجله لاورنس هاريس عن عبد الله الفاسي في مذكراته: «..وزير الشؤون الخارجية لم يكن مقيما بفاس، لكنه كان ممثلا بكاتبه في فاس، عبد الله الفاسي، المقرب من المولى عبد العزيز، والذي كان يفترض فيه أن يكون أقوى رجال المخزن. معرفته بالقرآن الكريم كبيرة جدا وعميقة، لكنه لا يعرف أي شيء آخر. كان يمضي ساعات طوالا جالسا في مكتبه يدردش مع الكتّاب في ديوانه، وكان هذا الأمر يبعث على الضجر. المكتب الذي يجلس فيه يعد أهم مكتب، في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأزمة خانقة، كان المكتب واسعا جدا، مساحته 12 قدما مربعا، وكان على الجهة اليمنى من دار المخزن، وكان الوزير يجلس فوق حصير مفروش على أرض المكتب، يمتد إلى جميع الأركان إلى أن يلتصق بالجدران المتسخة. مكتبه عبارة عن طاولة خشبية لا يزيد علوها على 8 إنشات. كل رجل يجلب معه قلم محبرة للمداد، ويأخذها معه في نهاية اليوم.
حتى الآن، رغم كل الاحتقار والتعالي المفترض، الذي ينظر به رجال المخزن للنصارى، فإنهم يطمعون بشدة في امتلاك أشياء النصارى وأغراضهم. الساعة الذهبية هي الأغلى إطلاقا، ويرغبون في امتلاكها.
دعاني الفاسي مرة إلى داره، وفي غرفة خاصة في بيته، طلب مني أن أبعث إليه ساعة ذهبية من لندن، وقال مؤكدا: «لكنها يجب أن تكون أكبر من ساعة قايد القصبة».
ولكي يظهر لك المسؤولون المغاربة مدة معرفتهم بتاريخ الأوروبيين، فإنهم في بعض المناسبات يتطرقون إلى مواضيع تهم التاريخ الأوروبي.
في يوم من الأيام سألني عبد الله الفاسي: «هل تعرف نابليون؟ هل سبق وأن حاربته؟».
أما السكرتير الخاص به، وليوضح لي أنه عارف بالتاريخ الأوروبي فقد سألني إن كنت قد التقيت مرة بـ«أوليفر كرومويل»، مشيرا إلى أن له رأيا في الموضوع: «كرومويل كان جنديا جيدا، لكنه رجل إنجليزي سيئ، ويجب أن يودع في السجن. هل لا يزال قائدا؟».
لحسن الحظ تخلصت من مأزق الرد على تلك الأسئلة الصعبة، عندما جاء «مخزني» يناديني لكي أقابل السلطان».
عندما كتب عبد الله الفاسي مشاهداته عن باريس، لقيت صدى واسعا في الشرق قبل المغرب، واعتبرت وقتها مرجعا في أدب الرحلة العصرية، وسُجل اسم عبد الله الفاسي كواحد من أوائل كُتاب القصر الذين حازوا اهتمام الشرق.





