حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

كيف بدأ تنفيذ أحكام الإعدام في المغرب؟

قطع الرأس ثم الشنق وصولا إلى الرمي بالرصاص

يونس جنوحي

كيف بدأ تنفيذ أحكام الإعدام في المغرب؟

نفذت أحكام إعدام لا حصر لها طيلة عصور الدول التي تعاقبت على حكم المغرب. قرون من الإعدامات الجامع بينها هو طقوسها التي لم تتغير. ضرب للأعناق بالسيف، وتعليق الرؤوس على أبواب المدن العتيقة، خصوصا في مدينة فاس.

لكن أول عملية تنفيذ للإعدام تمت بطريقة نظامية احتراما لحكم أصدره قاضي القضاة، كانت في سنة 1904، في حق رجل مغربي اتهم بقتل مغربي من الشرفاء العلويين.. كان ممكنا قطع رأس بن زاكور بدون أي مقدمات، لكن صرامة السلطة العزيزية وقتها ورغبة المولى عبد العزيز في إصلاح القضاء، كانتا وراء التريث في انتظار الحكم القضائي، ليكون الحكم بذلك أول حكم نظامي تبعه التنفيذ..

رحلة الإعدام في المغرب مرت من عصر قطع الرؤوس إلى زمن التنفيذ شنقا، في زمن الحماية الفرنسية، وصولا إلى الإعدام رميا بالرصاص في سنوات الرصاص.

عبد القادر بن زاكور.. أول مغربي يُعدم نظاميا قبل 122 سنة

«قام رجل من أهل فاس يسمى عبد القادر بن زاكور، وقتل هو وأخوه أحمد شريفا علويا من أبناء عم السلطان، وقام أهلُ القتيل وقعدوا لذلك، وطلبوا من السلطان قتل القاتِلين وصمموا على ذلك وألحوا فيه، وإلا فيأخذوا حقهم بأيديهم على أي وجه كان، فأسند السلطان القضية للعلماء وطال أمرها، وفي آخر الأمر حكموا بقتل القاتلين بعد ثبوت موجب القتل، فقتل الأول منهما، عبد القادر، بباب المحروق من فاس يوم الاثنين 14 مارس 1904، بمحضر جم غفير من الناس، وحضرنا نحن كذلك لقتله، وأما أخوه أحمد فسلم من القتل وسجن أياما قلائل، ثم سُرح، مع كون الحكم وقع عليهما بوصف الحرابة لا عفو فيها، وقد تعلقت بهذه القضية أمور وغرائب ونكت أضربت عنها، لأني لست بصددها».

الكلام هنا للمؤرخ المغربي الحسن بن الطيب اليماني، في مخطوطه «التنبيه المعرب عما عليه الآن حال المغرب». وهذه الواقعة توثق لواحدة من أولى عمليات الإعدام، التي تم تنظيمها في المغرب الحديث، بدل الإعدامات القديمة التي تمت في القرنين 17 و18، والتي كانت تشوبها الفوضى والانتقام، وغالبا ما كانت تتم لبث الرعب وضرب المثل في الصرامة وتأديب الخارجين عن النظام. وأغلب الإعدامات كانت تتم على يد ممثلي السلطة من قواد وباشوات، في إطار اجتهاداتهم الشخصية، حتى دون الرجوع إلى القضاة، وغالبا ما تكون تلك الإعدامات في إطار انتقامات شخصية وتصفية حسابات سياسية، في زمن تكتل القبائل وتمردها على السلطة المركزية.

أما الإعدامات التي كان أمر تنفيذها يعطى من طرف السلطان، فقد كانت تتم بدورها في الساحات العامة، لكن أغلبها لم تكن نظامية مثل واقعة إعدام «بن زاكور»، التي كانت عملية منظمة، وسعى المخزن العزيزي فيها إلى القطع مع الأساليب القديمة في تنفيذ الإعدام.. فقد كان يتم التمثيل بالرؤوس المقطوعة، حتى لو لم يعط الأمر بذلك، وتخرج الأمور عن السيطرة في أغلب المرات التي شهدت فيها الساحات العامة في مدن مثل مراكش وفاس على وجه الخصوص – لتفردهما التاريخي- تنفيذ عمليات إعدام حُشدت الجماهير لمتابعة أطوارها.

أرشيف الصحافة الفرنسية في المغرب يحفظ تفاصيل عمليات إعدام تمت في مدينة فاس، بعد هذا التاريخ، ووصفها بـ«الهمجية» والبربرية. حتى أن المدانين في قضايا تتعلق بإثارة الفتنة والخروج عن طاعة المخزن، قبل 1912، كان يتم التمثيل بجثامينهم على يد زعماء القبائل الذين خرجوا لمواجهتهم.. ما ميز قضية إعدام «بن زاكور» أنها كانت أولى عملية إعدام لم يباشرها زعماء القبائل الموالون للمخزن، وإنما بوشرت بموجب حكم قضائي صادر عن قاضي القضاة، وهو ما يجعل منها بحق أولى عملية تنفيذ إعدام في المغرب، بصورة نظامية.

إعدام بوحمارة.. بداية زمن نشر وقائع التنفيذ للعموم

الفرنسيون أنفسهم اهتموا بوقائع تنفيذ الإعدام في حق الثائر المعروف «بوحمارة»، والذي كانت حركته قد حققت انتشارا واسعا وباتت تهدد الواقع السياسي المغربي ما بين 1894 و1909، بل وأوشك على توقيع اتفاقيات مع فرنسا، لكي يتيح لها استغلال مناجم في نواحي وجدة وبوعرفة!

بعد ملاحقة دامت سنوات، اعتقل أخيرا الثائر بوحمارة، ونفذ في حقه حكم الإعدام يوم 2 شتنبر 1909، ونقلت الصحف الأجنبية الصادرة في المغرب، خصوصا في طنجة الدولية، وقائع عملية الإعدام، وتحدثت عن الرواية الرسمية وقتها التي كان يتناقلها المخزنيون وممثلو السلطان، والتي كان مفادها أن بوحمارة قتل في قفصه بطلقات نارية من بنادق «المخازنية». بعد أن وجهت إليه تهمة «الحرابة»، واعتباره قاطع طريق تسبب في انفلات أمني في قبائل شرق فاس، على امتداد سنوات.

أحد الذين حكوا للأجانب تفاصيل تنفيذ الإعدام في حق بوحمارة، نقل الرواية المتداولة وقتها، إلى الكاتبة البريطانية «روزيتا فوربس»، وهو الزعيم الريسوني، الذي كان بدوره يصدر أحكام الإعدام في حق معارضيه وفي حق أفراد من القبائل المعادية له. حكى الريسوني للكاتبة روزيتا فوربس هذه الوقائع، والتي ضمنتها في كتابها «الريسوني سلطان جبالة»، والتي ننفرد بترجمتها إلى العربية:

«أرسل السلطان قوات لمواجهة بوحمارة، لكنها مُنيت بالهزيمة. لذلك اعتقدتُ أنه من الحكمة عقد هدنة معه. وتبادلنا رسائل كثيرة. كان ضروريا أن أؤيده، لأنه وافق على أن أكون حاكما على جميع قبائل الشمال، ومستقلا في منطقتي.

لقد حكم مثل «سلطان» لسنوات. لكنه في الأخير، قبل سنة 1912، ألقي عليه القبض وأحضر داخل قفص إلى قصر المولى عبد الحفيظ، الذي جاء إلى الحكم بعد أخيه عبد العزيز.

لقد علقوا بوحمارة بجانب سور تحت أشعة الشمس، وقام السلطان والوزراء بإطلاق النار عليه.

كان الوزراء يحاولون إطلاق النار على الجدار، لكي يروا إلى أي حد يمكنهم غرز الرصاصة في الجدار دون إصابة بوحمارة. لكنهم أخطؤوا التصويب أكثر من مرة، وأصابوه. في المساء، عندما تعبوا من اللعبة، أمر المولى عبد الحفيظ أن يُرسل سجينه إلى قفص الأسود. كان يتم إطعام الأسود جيدا ولم تكن لديها شهية للأكل، لذلك لم تؤذه. في الصباح، جاء الحراس إلى السلطان وقالوا له:

– يا مولاي السلطان، إن بوحمارة لا يزال على قيد الحياة.

في تلك اللحظة كان السلطان يؤدي صلاته، وأعطى الأمر ألا يتم إطعام الأسود طوال اليوم. ولهذا السبب أكلوا ذراع بوحمارة. لكن لإنهاء القضية أطلق عليه الحراس النار».

إعدامات من زمن القرن السابع عشر

المؤرخون المغاربة، كما الدبلوماسيون الأجانب الذين زاروا المغرب، سجلوا في كتاباتهم حضور وقائع إعدام مُدانين في الساحة العامة، سيما في مدينة مكناس، عاصمة المغرب وقتها في زمن المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب سنة 1672.

المخزنيون في عهده توارثوا «تقاليد» تنفيذ إعدامات في الساحات العامة، وهي عادات متوارثة من عهد الموحدين – وقبلهم- وصولا إلى عهد السعديين.

ففي عهد السعديين أعدم المُدانون في الساحات العامة، وتقرر أن تُعلق رؤوسهم في مداخل المدن، خصوصا في مراكش وفاس..

كان الهدف أن يُتخذ هؤلاء الذين جرى إعدامهم عبرة من طرف الآخرين. لذلك كان «المخازنية» يحشدون الناس لمتابعة عملية الإعدام. وحسب ما نقله المؤرخ الضعيف الرباطي – ومؤرخون مثل الناصري وابن زيدان- فإن الملاحظ أن عملية الإعدام وقتها لم تكن تتم رميا بالبنادق أو شنقا، وإنما بقطع الرؤوس من طرف مخزني مكلف بهذه المهمة الجسيمة، ثم تعلق رؤوس المنفذ عليهم الإعدام فوق رؤوس البوابة التاريخية.. وهذه «الطقوس» انتبه إليها الدبلوماسيون الأجانب، ونقلوا بعض وقائعها، وإن يبقى هناك احتمال كبير في أن تتخلل روايتهم التاريخية «بهارات» لجعلها مشوقة، أو إمعانا في تقزيم المغاربة، بنظرة استعمارية.

في زمن المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب لخمس وخمسين سنة، وقعت عمليات إعدام كبرى، لزعماء القبائل الذين خرجوا ضد «المخزن»، في إطار الثورات التي قامت ضده، ثم تم احتواؤها في ما بعد.

لكن أبرز عمليات الإعدام التي وقعت في عهد المولى إسماعيل، تلك التي همت تجار اتُهموا بالاحتكار والغش في المعاملات.

وهذه الوقائع سجلها «دو ليون»، في كتابه «حياة المولى إسماعيل.. ملك فاس والمغرب». فعلى مدى السنوات التي حكمها المولى إسماعيل تعددت المناسبات التي حكم فيها السلطان شخصيا، أو قاضي القضاة في فاس، بأحكام إعدام ضد مُدانين إما بإثارة القلاقل، أو قطاع الطرق، ولم تستثن التجار في زمن الوباء والمجاعة.

ففي المجاعة الشهيرة التي وقعت سنة 1710، عوقب مجموعة من التجار بالإعدام، ووجهت إليهم تهمة الغش في الحبوب، واحتكارها في المخازن ورفع أسعارها إلى درجة أن السكان لم يستطيعوا اقتناء ما يسدون به جوعهم، في زمن كان موسوما بالوباء والمجاعة.

الحكم كان بهدف تأديب بقية التجار، الذين كانوا يتوفرون على مخازن ليس في فاس وحدها، وإنما في بقية مناطق المغرب.

فقد كانت العادة أن يخرج «البراح» لإخبار سكان المدن والبوادي، بعد أن يتوصل القائد برسالة من «المخزن» تُخبر بتنفيذ الإعدام ودواعيه، وتحذير البقية من اقتراف الجرائم التي أودت بأصحابها إلى الجلوس إلى مقصلة «المخزني»، المكلف بضرب أعناقهم بالسيف.

لم يكن الحكم يتوقف عند التنفيذ، بل يتجاوزه إلى تعليق الرؤوس في أعلى البوابات، حتى أن بعض البوابات التاريخية الشهيرة، كانت إلى وقت قريب لا تزال تحمل بقايا الدعامات التقليدية التي وُضعت أساسا لتعلق إليها رؤوس الذين تم إعدامهم.

«عقاب» بساحة فاس كما روته الصحافة البريطانية سنة 1908

في العام 1908 كان المولى عبد الحفيظ قد وصل إلى السلطة في فاس للتو، قادما إليها من مراكش، مدعوما بزعيم قبيلة «اگلاوة»، المدني الگلاوي.

وفي بداية وصول المولى عبد الحفيظ إلى السلطة، جرى إعدام أحد الذين تورطوا في حملات تأليب القبائل، بعد مغادرة المولى عبد العزيز لفاس.. وفي ظل الصراع حول السلطة وتغذية إشاعات صراعات أبناء المولى الحسن الأول، حاول بعض الأعيان والوجهاء، وعلماء أيضا، الدخول على الخط للظفر بحظوة، في حال وصول التيار الذي ناصروه إلى العرش.

لم يكن المولى عبد الحفيظ متساهلا مع أحد علماء فاس، بعد أن تورط في جرم تأليب الناس وزرع التفرقة في ظرفية سياسية شديدة الحساسية، لكنه بدل أن يحكم عليه بالإعدام ويقطع رأسه، فضل أن يُحكم عليه بالسجن، وينزل به عقاب في الساحة العامة، قبل إيداعه السجن.

وهذا العالم كان اسمه «محمد علي»، بحسب ما حكاه الصحافي «لاورنس هاريس» في مقالاته التي كان يوقعها من فاس، على صفحات جرائد لندن.

كان محمد علي يكتب رسائل وخطابات توزع بين الناس في فاس، وتدعو بحسب ما رآه العلماء الذين حكموا عليه وقتها إلى التفرقة.

يحكي «لاورنس هاريس» عن هذه الوقائع، والتي ضمنها أيضا في مذكراته «مع المولى عبد الحفيظ في فاس»، بعد أن سرى خبر إنزال العقاب بالعالم، في طقوس لا تختلف أبدا عن طقوس تنفيذ الإعدام في ذلك الوقت:

«..ونحن نتجول بين المجموعات التي تناقش الخبر، كانت ترمقنا نظرات عدوانية من الناس. لا بد وأنهم كانوا يعتقدون أن «النصراني» لا بد وأن يكون متورطا في هذه الأحداث. الناس أيضا كانوا لا يستطيعون هضم اعتقال خطيب مسجد وعالم جليل، ومعاقبته أمام الناس. كانوا يعتبرون الأمر مصيبة.

بمجرد ما فتح الباب الكبير، حتى جلس المولى عبد الحفيظ يحيط به وزراؤه، وكان رجال الدين جالسين أيضا، يستمدون هيبتهم من هيبة السلطان الجالس قربهم. وفي محيط المكان كان يرابط جنود بلباس أحمر يضبطون الحشود المتجمهرة، والتي تقترب من مكان تنفيذ العقاب، لرؤية الشيخ محمد علي.

أخذت مكاني قرب السلطان، إلى جانب عدد من الأوروبيين دعاهم السلطان شخصيا إلى الحضور، حتى يبهرهم باستعراض قوته أمامهم. فوجئت لرؤية سيدة معنا، كانت زوجة طبيب فرنسي لم يتردد في إحضارها معه إلى هذا المكان، وقد كانت أول سيدة تظهر أمام الناس في فاس. كان الطبيب الفرنسي قد وصل إلى المغرب للتو، وجاء ليرى «المرح» كما كانوا يسمون مثل هذه الأمور.

فجأة توقفت همهمات المتجمهرين وعم الصمت. فتحت البوابة، وخرج من الظلام مجموعة من «المخازنية» يجرون رجلا بوجه بئيس، كانوا يجرونه أمام السلطان. كانت لحيته مقطوعة لإذلاله، ورأسه حليقا، قاموا بحلق رأسه دون استعمال الماء. قام الجنود برميه أرضا بعنف وقوة مبالغ فيهما.

أخذوا يديه وكانوا يفركونهما بالملح ويضعون على كل واحدة حجرا كبيرا.

«الآن»، قال مولاي حفيظ: «لن يستطيع كتابة أي رسائل بعد الآن».

وضعوا حبلا في عنقه، وتم اقتياده إلى السجن ليمضي فيه ما تبقى من حياته إلى أن يموت.

في الطريق إلى سجنه، كان ينزف من يديه ورأسه، ومنعتنه أشعة الشمس من رؤية رفيقه في القرويين، عبد الله الفاسي، الذي كان حاضرا في المنصة. هكذا كانت تراجيديا الشيخ محمد عبد القوي (محمد علي). عندما اقتيد إلى سجنه، وقف مولاي الحفيظ، وصاح الجميع: «عاش الملك».

بصعوبة استطاع الأوروبيون اختراق طريقهم وسط تلك الحشود التي بقيت متجمهرة في المكان. عدتُ إلى البيت أنا وهاردويك، وبقيت أسترجع تلك المشاهد الرهيبة».

 

الزج في قفص الأسود والحرق..

«مبالغات» استعمارية في وصف الإعدام قبل 150 سنة

إعدامات زمن الحماية الفرنسية التي استهدفت رؤوس المقاومين

رؤوسهم علقت إلى المشانق.. وإعداماتهم تمت وفق الترتيبات العصرية، على نقيض طقوس القرون الوسطى التي يتم فيها الإعدام بقطع الرأس، لكن النتيجة واحدة.

الحماية الفرنسية «قننت» إجراءات الإعدام، ولم يعد مسموحا بإقامة الإعدامات في الساحات العامة، لكن وقائعها تصل إلى الجرائد.

في أرشيف البوليس الفرنسي توثيق لأكثر من عملية إعدام حضرها ممثلون عن الشرطة الفرنسية، وحرروا بشأنها تقارير ومحاضر رفعت إلى رؤسائهم في الأمن والمخابرات.

جهاز «SDEC» يراكم أرشيفا مهما تناول كواليس تنفيذ عمليات الإعدام في حق المغاربة المدانين بارتكاب أفعال استهدفت فرنسا ورعاياها في المغرب، وكانوا في نظر القانون الفرنسي إرهابيين.

المحاضر التي بين أيدينا، تكشف أن عددا من العمليات لم تكن مجرد إشاعات، بل كان أقرب منها إلى البطولات. بينما وثائق أخرى من الأرشيف، تكشف أن بعض «العمليات» لم تكن في الحقيقة إلا محاولات مرتجلة لإرباك فرنسا، ولم يكن لها الحجم الذي أراد البعض تصويره.

في الرابع من يناير 1955، أعدمت المحكمة الفرنسية ستة مقاومين مغاربة تمت إدانتهم بأعمال «إرهابية» استهدفت فرنسيين، وأيضا بسبب اتهامهم بالانتماء لمنظمة اليد السوداء. هؤلاء الستة هم: عبد العزيز وعبد العالي بن شقرون، محمد بن عبد السلام الحياني، محمد السلاوي، محمد الراشيدي، الطاهر بن عبد الكريم.

تم إعدامهم رميا بالرصاص، وتم ترويج الخبر في الصحافة المحلية. علم أصدقاؤهم في المنظمة بالخبر من عائلات المحكومين، وتم إخبار العائلات بالتنفيذ ساعات قليلة فقط قبل الموعد، فيما علم أغلب أصدقائهم بالأمر عن طريق الجرائد المحلية التي تطبع في الدار البيضاء.

كان الأمن الفرنسي قد باشر إجراءات احتياطية، تحسبا لرد من المقاومين على تنفيذ الإعدام في حق الستة الموقوفين، والذين قضوا فترة ترقب عصيبة في انتظار صدور الأحكام.

تحدث بعض الأمنيين الفرنسيين في حانات الدار البيضاء عن أجواء الإعدام، وسمعها بعض المخبرين لتنتشر الأخبار كالنار في الهشيم. حتى أن أحد المخبرين، تم ذكر الحادث في المحاضر دون الإشارة إلى اسمه، حمل سيارته واتجه مسرعا إلى منزل أحد أصدقائه الذي كان في المقاومة، وأخبره بما سمع في الحانة من أفواه الأمنيين الفرنسيين. وكان الانتقام سريعا، فقد عمد أصدقاء المعدومين، والمتعاطفين معهم إلى إضرام النار أولا في سيارة المخبر الذي نقل إليهم الخبر انتقاما منه، لأنهم كانوا يتوفرون على معطيات تفيد بضلوعه في تسريبات لمعلومات عن أماكن مخابئ بعض المقاومين المبحوث عنهم، والذين حكم على أغلبهم بالإعدام غيابيا. وهكذا فقد أحرقت سيارته في غيابه، لإنذاره بأن المقاومين يعرفون «خباياه». فيما تم استهداف مخبر آخر وصُفي جسديا أمام باب منزله.

فهم الفرنسيون سريعا أن الرد هذه المرة لن يستهدفهم، وإنما استهدف المخبرين المغاربة، أو «الخونة» كما يسميهم المنتمون للتنظيمات السرية. فقد كانت الوشايات هي سبب الاعتقالات المدروسة التي نفذها البوليس الفرنسي في حق عدد من المقاومين الذين حكم على بعضهم غيابيا، بعد نجاحهم في الفرار من سجن القنيطرة.

وتحدثوا بعد الهروب عن حملات التعذيب وحضور مخبرين مغاربة كانوا يتولون عملية الترجمة، بل وساهم بعضهم في عمليات التعذيب لتأكيد ولائهم لفرنسا.

الانقلابيون ثم مؤامرة 1973.. إعدامات نُقلت عبر الأثير

تقارير كثيرة تناولت ما وقع يوم 17 نونبر 1972، والذي تزامن مع يوم عيد الأضحى.

في انقلاب 1972، جُمع المدانون وبدأت التحقيقات معهم واستمرت لأشهر، قبل أن تصدر الأحكام النهائية عن المحكمة العسكرية، حيث قضت بإعدام 11 متورطا، وهو الحُكم الذي نُفذ يوم 17 نونبر 1972، وتزامن مع فجر يوم عيد الأضحى.

في ساحة الرماية المجاورة التي لم تكن بعيدة عن زنازين السجن المركزي إلا بأمتار قليلة، سُمع صوت طلقات الرصاص وهي تخترق أجساد المتورطين في المحاولة الانقلابية.

عندما أعلن الخبر في الصحف وعلى أمواج الإذاعة، عم حزن كبير عكر على العائلات فرحة العيد، خصوصا وأن العشرات كانوا مدانين بأحكام طويلة، بينما كانت الأسر التي ينتمي إليها الانقلابيون في حالة صدمة، إذ لم يتوقع أحد أن تنفذ أحكام الإعدام ساعات قليلة قبل صباح يوم العيد.

وهكذا فقد ارتبط عيد الأضحى لدى العائلات التي كانت لها صلة بالملف، بذكرى أليمة لم تفارقها لسنوات طويلة، بل هناك منها من تعترف إلى اليوم أن الذكرى ترسخت في أذهانها أكثر لارتباطها بصبيحة يوم العيد.

لم يكن هذا يعني أن هناك تعاطفا لدى الناس مع قضية الانقلاب برمتها، لكن الأكيد أن تنفيذ الأحكام صبيحة العيد، ترك أثرا من الامتعاض في النفوس، خصوصا لدى الذين كانوا يعرفون العائلات المكلومة بفقدان أحبائها في ذلك الصباح.

نفذ حكم الإعدام وقتها في حق كل من محمد أمقران، الوافي كويرة، عبد القادر زياد، حميد بوخالف، عبد العالي المهدي، العربي بينوا، الطاهر بحراوي، عبد الرحمن كمون، الحاج العربي، واليزيد ميداوي.

وفي قضية عمر دهكون ومن معه، والذين أدينوا بالإعدام في ملف ثورة 1973، أو ما يعرف بأحداث «مولاي بوعزة». كان مقررا أن تطلق المجموعة ثورة مسلحة في المغرب بالتزامن مع احتفالات عيد العرش، التي كانت تتزامن مع يوم 3 مارس في زمن الملك الراحل الحسن الثاني.

أفضت المحاكمة إلى كشف التنظيم السري، وقضي بالإعدام على المتورطين من قادة التنظيم، بعد اعترافهم بتدبير مخطط لإدخال السلاح سرا إلى المغرب عبر الحدود الشرقية، وإطلاق ثورة مسلحة تستهدف الأمن والمؤسسات والإدارات. ونُفذ حكم الإعدام في حق عمر دهكون ومن معه يوم فاتح نونبر 1973، والذي تزامن مع يوم عيد الأضحى في تلك السنة، لتخبو بذلك حقبة أحكام الإعدام التي تُتابع علنا، وتعود في بداية التسعينيات مع قضية «الكوميسير» ثابت، وتكون آخر عهد المغاربة بتنفيذ أحكام الإعدام.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى