
في الوقت الذي تتمسك فيه الصين بتبعية تايوان لها، وتحذر من استقلاليتها، لما لها من تهديد للسلام، تحاول الأخيرة الحصول على استقلالها بتشجيع من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأهميتها الاقتصادية والعسكرية الكبيرة بالنسبة إلى أمريكا. وفي حال غزت الصين تايوان، وقررت أمريكا معاقبتها كما فعلت مع روسيا، فستعيدها إلى فترة ما قبل السبعينيات، بالنظر إلى ما للصين من استثمارات بملايين التريليونات في أمريكا.
سهيلة التاور
في تصريح شديد اللهجة، حذرت الصين، يوم الاثنين 10 أبريل الجاري، من أن استقلال تايوان يتعارض والسلام في مضيق تايوان، في اليوم الثالث من مناورات عسكرية لها في المنطقة. وقال وانغ وينبين، الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية، خلال إحاطة إعلامية، إن «استقلال تايوان والسلام في مضيق تايوان نقيضان»، مضيفا: «إذا أردنا حماية السلام والاستقرار في مضيق تايوان، علينا أن نعارض بحزم أي شكل من أشكال الانفصال المؤدي إلى استقلال تايوان».
وتأتي هذه التصريحات، فيما تجري الصين تدريبات عسكرية تحاول فيها محاكاة «ضرب طوق» حول تايوان. وذكرت محطة «سي سي تي في» التلفزيونية الحكومية الصينية، أن عشرات الطائرات نُشرت لفرض «حصار جوي» على الجزيرة التي تطالب بها بكين.
وأكدت الصين أن طائرات تابعة لها «تحمل ذخيرة حية» أجرت «محاكاة لضربات» قرب تايوان، موضحة أن حاملة الطائرات «شاندونغ» شاركت أيضا في المناورات الجارية قرب الجزيرة. ووفقا لمحطة «سي سي تي في»، فإن «أسرابا عدة من المقاتلات من طراز «إتش- 6 كاي» تحمل الذخيرة الحية، نفذت موجات عديدة من محاكاة ضربات على أهداف مهمة في جزيرة تايوان».
وجاءت المناورات إثر لقاء جمع، يوم 5 أبريل الجاري، في كاليفورنيا تساي إينغ- وين، رئيسة تايوان، بكيفن ماكارثي، رئيس مجلس النواب الأمريكي. وتثير هذه المناورات تنديد تايبيه ودعوات إلى التهدئة من جانب واشنطن، التي قالت إنها «تراقب تصرفات بكين عن كثب».
ونددت الصين بـ«توغل» مدمرة أمريكية في قطاع من بحر الصين الجنوبي. وقال تيان جونلي، الناطق باسم القيادة الجنوبية في الجيش الصيني، في بيان إن «المدمرة قاذفة الصواريخ ميليوس توغلت بشكل غير قانوني في المياه المحاذية لشعاب ميجي في جزر نانشا الصينية، من دون موافقة الحكومة الصينية»، مضيفا أن سلاح الطيران الصيني «تابع السفينة وراقبها».
سبب الصراع بين الصين وتايوان
بدأت العلاقات بين الصين وتايوان تتحسن في الثمانينيات. وقد طرحت الصين صيغة تعرف باسم «دولة واحدة ونظامان»، تمنح بموجبها تايوان استقلالية كبيرة، إذا قبلت إعادة توحيد الصين.
وتم إنشاء هذا النظام في هونغ كونغ لاستخدامه كعرض لإغراء التايوانيين بالعودة إلى البر الرئيسي. ورفضت تايوان العرض، لكنها خففت من القواعد الخاصة بالزيارات والاستثمار في الصين.
وفي عام 1991، أعلنت تايوان انتهاء الحرب مع جمهورية الصين الشعبية في البر الرئيسي.
وكانت هناك أيضا محادثات محدودة بين الممثلين غير الرسميين للجانبين، لكن إصرار بكين على أن حكومة جمهورية الصين التايوانية (ROC) غير شرعية، تسبب في عدم إمكانية عقد الاجتماعات بين الحكومات.
وفي عام 2000 عندما انتخبت تايوان، تشين شوي بيان، رئيسا، شعرت بكين بالقلق. وكان تشين قد أيد صراحة «الاستقلال».
وبعد عام من إعادة انتخاب تشين في عام 2004، أصدرت الصين ما يسمى بقانون مناهضة الانفصال، والذي ينص على حق الصين في استخدام «الوسائل غير السلمية» ضد تايوان، إذا حاولت «الانفصال» عن الصين.
وخلف تشين شوي بيان في الرئاسة ما يينغ جيو، الذي سعى بعد توليه منصبه في عام 2008، إلى تحسين العلاقات مع الصين من خلال الاتفاقيات الاقتصادية.
وبعد ثماني سنوات، أي في عام 2016، انتخبت الرئيسة الحالية لتايوان، تساي إينغ وين. وتقود تساي الحزب الديمقراطي التقدمي (DPP)، الذي يميل نحو الاستقلال الرسمي النهائي عن الصين.
وبعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، تحدثت إليه تساي عبر الهاتف في مكالمة مثيرة للجدل، نُظر إليها على أنها خروج عن السياسة الأمريكية الموضوعة في عام 1979، عندما قطعت الولايات المتحدة العلاقات الرسمية مع الجزيرة.
وعلى الرغم من الافتقار إلى العلاقات الرسمية، تعهدت الولايات المتحدة بتزويد تايوان بأسلحة دفاعية، وشددت على أن أي هجوم من جانب الصين من شأنه أن يثير «قلقا كبيرا».
وطوال عام 2018، صعدت الصين من ضغوطها على الشركات الدولية، وأجبرتها على إدراج تايوان كجزء من الصين على مواقعها على الإنترنت، وهددت بمنعها من ممارسة الأعمال التجارية في الصين إذا لم تمتثل.
لكن تساي فازت بولاية ثانية في عام 2020، وبحلول ذلك الوقت كانت هونغ كونغ قد شهدت شهورا من الاضطرابات، حيث تظاهر الكثيرون ضد النفوذ المتزايد للبر الرئيسي (الصين)، وهو تطور كان كثيرون في تايوان يراقبونه عن كثب.
وفي وقت لاحق من ذلك العام، كان يُنظر على نطاق واسع إلى تطبيق الصين لقانون الأمن القومي في هونغ كونغ، على أنه علامة أخرى على أن بكين أصبحت أكثر حزما في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، كثفت الولايات المتحدة تواصلها مع تايوان وطمأنت تايبيه على دعمها المستمر. وأرسلت واشنطن مسؤولا رفيع المستوى في وزارة الخارجية إلى الجزيرة، في أول زيارة رسمية من نوعها منذ عقود.
وانتقدت بكين بشدة الاجتماع، وحذرت الولايات المتحدة من «عدم إرسال أي إشارات خاطئة لعناصر» استقلال تايوان، «لتجنب إلحاق ضرر شديد بالعلاقات الصينية الأمريكية».
وخلال تلك الزيارة المثيرة للجدل، أجرت الصين تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية في الممر المائي الذي يفصل الجزيرة عن البر الرئيسي.
وفي هذا العام، قالت إدارة الرئيس جو بايدن إن التزامها تجاه تايوان «متين للغاية». وفي الأيام القليلة الأولى من رئاسة بايدن، أبلغت تايوان عن «توغل كبير» من قبل الطائرات الحربية الصينية على مدى يومين.
أهمية تايوان لأمريكا
تتمتع الولايات المتحدة وتايوان بعلاقة غير رسمية قوية وراسخة لأكثر من 40 عاما، اعتمادا على 3 قوانين واتفاقات اعتمدتها الولايات المتحدة.
ويمثل قانون العلاقات مع تايوان «تي آر إيه» (TRA)، الذي أقره الكونغرس في عام 1979، حجر الأساس لهذه العلاقات، إذ يقنن تسليح تايوان لتدافع عن نفسها.
ويمثل «البيان الثالث» المشترك بين واشنطن والصين والموقع في غشت 1982، ثاني هذه المبادئ، ويدعو إلى دعم التعاون في كافة المجالات بين الصين والولايات المتحدة.
وآخر هذه المبادئ هو «التأكيدات الستة» التي نقلت إلى الرئيس التايواني عام 2016، بعد اعتمادها رسميا من مجلسي الكونغرس، وتؤكد فيها واشنطن أن تعاونها مع بكين ليس على حساب علاقاتها مع تايبيه.
ويتلخص موقف الولايات المتحدة من مستقبل تايوان في رفض أي إعلان لاستقلالها بشكل دائم عن الصين، ولكنها تؤيد الحل السلمي للخلافات بين تايبيه وبكين، وتعارض أي تغييرات انفرادية في الوضع الراهن من جانب أي من الجانبين.
وتبنت واشنطن مبدأ «الغموض الاستراتيجي»، حال تعرض تايوان لأي غزو عسكري صيني، على الرغم مما كرره الرئيس جو بايدن من التزام واشنطن بالتدخل عسكريا، إذا غزت الصين تايوان.
وتتمتع تايوان بدعم كبير وواسع يتخطى الانتماء الحزبي داخل مجلسي الكونغرس. ويركز تجمع تايوان في مجلس الشيوخ حصريا على تحسين العلاقات الأمريكية التايوانية، ويضم التجمع 33 عضوا من 100 عضو بالمجلس، في حين يضم تجمع تايوان بمجلس النواب 229 عضوا من الحزبين، مما يجعله التجمع الأكبر من نوعه داخل المجلس.
وأهمية تايوان للولايات المتحدة، ترتكز على 10 نقاط على النحو التالي:
ـ تتمتع الولايات المتحدة وتايوان بعلاقة غير رسمية قوية، منذ أكثر من 40 عاما.
ـ تايوان هي باستمرار واحدة من أكبر 10 شركاء تجاريين للولايات المتحدة، بحجم تجارة بلغ 107 مليارات دولار عام 2021.
ـ يزداد الاستثمار الأجنبي المباشر الأمريكي في تايوان كل عام، وبلغ 31.5 مليار دولار خلال العام الماضي.
ـ تايوان هي ثامن أكبر سوق للصادرات الزراعية الأمريكية، وتستورد ما مقداره 5 مليارات دولار سنويا.
ـ تدعم الصادرات الأمريكية إلى تايوان أكثر من 200 ألف وظيفة داخل الولايات المتحدة.
ـ ترتبط صناعات أشباه الموصلات الاستراتيجية في تايوان والولايات المتحدة إلى درجة كبيرة. وتنتج تايوان 20 في المائة من سعة الرقاقة العالمية، وتنتج 92 في المائة من منتجات أشباه الموصلات الأكثر تطورا في العالم.
ـ في عام 2020، تلقت تايوان 45 في المائة من صادرات الولايات المتحدة من معدات أشباه الموصلات، التي تستخدم في كل شيء من الهواتف المحمولة إلى السيارات.
ـ يعيش أكثر من 205 آلاف أمريكي من أصول تايوانية في الولايات المتحدة. والولايات المتحدة هي خامس أكبر مصدر للسياح إلى تايوان.
ـ هناك أكثر من 24 ألف طالب تايواني يدرسون في الجامعات الأمريكية.
ـ هناك أكثر من 90 اتفاقية مؤاخاة وتوأمة بين المدن والولايات الشقيقة الأمريكية والتايوانية.
في الجوانب العسكرية
من الناحية العسكرية والاستراتيجية، فإن تايوان تمثل واحدة من دول الجزر وأشباه الجزر الآسيوية الحليفة لأمريكا في مواجهة الصين.
فالحقيقة الجغرافية، التي قد لا ينتبه إليها البعض، هي أن شرق آسيا، وضمنه الشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا الذي يضم نحو ثلث سكان العالم ويعد مصنع العالم الفعلي حاليا، ما هو إلا بمثابة عملاق صيني يحتل البر الآسيوي الشرقي برمته وصولا إلى وسط وشمال وجنوب آسيا، بينما الدول الحليفة لأمريكا أو المستقلة عن نفوذ بكين، ما هي إلا أقطار ضئيلة السكان والحجم مقارنة بالصين، تحتل هذه الأقطار الأطراف الشرقية والجنوبية الشرقية للقارة الآسيوية في مجموعة من الجزر وأشباه الجزر، مثل كوريا الجنوبية واليابان الحليفتين لأمريكا، ودول مثل الفلبين وإندونيسيا وماليزيا ودول شبه جزيرة الهند الصينية (فيتنام وتايلاند ولاوس وكمبوديا وبورما)، وهي دول في أغلبها حائرة بين التأثير الاقتصادي والثقافي الصيني، وعلاقتها المتقلبة مع أمريكا التي تعززت، أخيرا، مع صعود بكين.
بالنسبة إلى أمريكا، فإن تايوان هي الجبهة الأولى في عملية حماية حلفائها المقربين في اليابان وكوريا، وحتى الدول المتذبذبة في جنوب شرقي آسيا.
ويمثل نجاح الصين في غزو أو ضم تايوان خطوة مبدئية في الهيمنة على دول الجزر وأشباه الجزر الأخرى في آسيا، خاصة اليابان وكوريا الجنوبية.
ولذا تسعى أمريكا بشكل محموم إلى توريط اليابان وبصورة أقل كوريا الجنوبية، في النزاع الأمريكي الصيني حول تايوان، وجعل الدعم العسكري الياباني والكوري المحتمل جزءا من معادلة أي صراع عسكري أو اقتصادي محتمل.
وفي هذا الإطار، يقول موقع «The Diplomat» الياباني: «يجب على الصين أن تفكر بالفعل في احتمال المواجهة مع أمريكا واليابان، في تنفيذ خططها المتعلقة بضم تايوان».
ومن الناحية العسكرية، حققت الصين تراكما هائلا في قدراتها العسكرية كما ونوعا، مع استمرار تقدمها التكنولوجي والاقتصادي، فيما تخلت تايوان عن التجنيد الإجباري، كما أنها تعاني من صعوبات في الحصول على الأسلحة، في ظل ضغوط بكين على الدول الغربية في هذا الملف.
ولكن يعتقد أن تايوان تحصل على دعم فني أمريكي سري لتطوير جيشها، كما أن تقدم البلاد التكنولوجي، وكفاءة جيشها وتحصنه المحتمل بتضاريس الجزيرة الوعرة، يمثلان مشكلة كبيرة لأي محاولة صينية لغزو تايوان، وهي محاذير زادت خطورتها في نظر الصين غالبا مع تعثر الهجوم الروسي على أوكرانيا، التي لا تفصلها عن روسيا جبال أو بحار.
وما زال غير محسوم ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعتبر تايوان تستحق القتال من أجلها أم لا.
غير أن سقوط تايوان في يد الصين، سيجعلها قاعدة أمامية لتوسيع نطاق طائرات بكين وصواريخها إلى 150 ميلا بحريا آخر إلى الشرق. وهذا من شأنه تمكين جمهورية الصين الشعبية من اعتراض الطرق الجوية والبحرية في بحر الصين الشرقي، وزيادة قدرة بكين على ضرب أهداف في اليابان أو جزيرة غوام الأمريكية.
كما ستصبح قواعد أمريكا في المحيط الهادي معرضة لتهديد أكبر من صاروخ الصين، أو أي هجوم جوي صيني.





