
القدس من المدن التي أظن أنه تنبغي زيارتها أكثر من مرة لفهم خصوصياتها، واستكشاف أغوارها، والاستمتاع بتنوعها. أغلب زوار القدس هم الحجاج القادمون لأسباب دينية، مسلمون ويهود ومسيحيون.
زرتها مرتين، وما زلت أشعر بأنني بحاجة إلى زيارتها مرات عديدة، فهي، مثل باريس ونيويورك وبانكوك وطنجة وإسطنبول، تحتاج إلى وقت طويل وزيارات متعددة لفهم كينونة هذه المدينة الحاملة لتعقيدات وأسرار يصعب كشفها في زيارات قصيرة.
كثرة الأماكن التي تستحق الزيارة، والحاجة إلى التأمل البطيء لاستيعاب المكان ورمزيته، وإيقاع الحياة المختلف من حي إلى آخر، تجعل الزائر، حين يصل إلى القدس، يتيه بين المواقع ولا يعرف من أين يبدأ، فكل شيء هنا مهم ومكمل لـ«بازل» المدينة.
في آخر مرة، وجدت نفسي هناك أواخر شهر رمضان، في اليوم السابع والعشرين. أرخيت لنفسي العنان في البلدة القديمة، من دون اتجاه محدد، متنقلا بين أحيائها، من الحي الأرمني الجميل، المعروف بأناقته وهدوئه ومطاعمه وكاتدرائية القديس يعقوب، مرورا بالحي اليهودي حيث حائط المبكى ومحال التجارة والكنس، ثم الحي المسيحي بكنيسة القيامة، إحدى أقدم الكنائس المسيحية في العالم، والتي لها أهمية كبيرة في حياة المسيح، إذ يعتقد أنه صلب ودفن هناك بحسب الرواية المسيحية، ويحج إليها المسيحيون من مختلف قارات العالم، وصولا إلى الحي الإسلامي بحرمه الشريف، الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
لسنوات كنت أخلط بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وربما يعود السبب إلى الإعلام الذي غالبا ما يربط المسجد الأقصى، أو الجامع القبلي، حيث تقام الصلوات اليومية وهو مبني من الحجر الرملي تعلوه قبة صغيرة، بصورة قبة الصخرة ذات القبة الذهبية. وعلى أي حال، فكلاهما يشكلان الحرم القدسي الشريف.
كنت هناك ليلة القدر، بعد تجوال طويل في مختلف أحياء المدينة القديمة. كانت الأجواء هادئة واعتيادية في باقي الأحياء، باستثناء الحي الإسلامي، حيث كانت الحركة التجارية مكثفة استعدادا لمائدة الإفطار والسحور، وترتيبات عيد الفطر الذي لم يكن يفصلنا عنه سوى يومين أو ثلاثة.
عند الساعة الثانية ظهرا وصلت إلى بوابة الدخول، حيث كان هناك جنديان إسرائيليان ورجل أمن أردني بالزي الرسمي. سألني الشرطي الأردني إن كنت مسلما، فأجبته بالإيجاب فالزوار غير المسلمين لهم أوقات وأيام محددة، بينما يحق للمسلمين الدخول في أي وقت، حتى خارج أوقات الصلاة.
تجولت قليلا هناك، وكان بعض الزوار من مدن الضفة الغربية يلتقطون الصور. استغلت الفرصة لطلب صورة تذكارية، وتبادلنا أطراف الحديث، ثم انسحبت لاستكمال الاكتشاف. وعدت مساء لصلاة التراويح، ثم توجهت إلى باب العامود، الذي كان متلألئا بالأضواء. كانت الأجواء احتفالية نابضة؛ حشود تتدفق، موسيقى تتعالى، وأكواب مشروبات وحلويات معروضة على الأرصفة، تمتد سهراتها حتى ساعات متأخرة، فيما هذا الجزء من المدينة يتزين بروح رمضانية دافئة.
زرت وجهات عديدة يقصدها الحجاج لأسباب دينية، من فاطمة في البرتغال، حيث يسكن الهدوء أرجاء المكان، ويتلألأ المزار بألوف الشموع وحيث يمتزج صمت الزوار بخشوع الدعاء، إلى سانتياغو دي كومبوستيلا في إسبانيا، ممر الحجاج التاريخي، مرورا بـلورد في جنوب فرنسا بمياهها المعجزة، والفاتيكان في قلب روما، مركز الروحانية الكاثوليكية، وبوروبودور وبرامبانان في وسط جاوة بـإندونيسيا، حيث تحكي المعابد العتيقة عن حضارات غابرة. ولم أنس زيارة بازيليك سيدة غوادالوبي في مكسيكو سيتي، التي تضج بالحياة والإيمان في آن واحد.
ومع كل هذه الأماكن الرائعة، تبقى القدس لها مكانة خاصة في قلبي، فهي مدينة يلتقي فيها التاريخ بالدين، ويتجسد فيها التعايش والتنوع في أبهى صوره، حيث يعيش المسلمون والمسيحيون واليهود جنبا إلى جنب، يتشاركون الأمكنة ويؤسسون لحياة مشتركة رغم التعقيدات؛ فتتشابك الأرواح في كل زاوية، وتترك أثرا لا يمحى، يختلف عن كل ما زرته من قبل.





