حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

ماذا يحدث للكُتَّاب إذا لم يكتبوا؟

تقول كاثلين، أرملة كينيث تاينان، في مقدمتها لرسائله، إن معظم الكُتَّاب يكرهون الكتابة، ثم تتابع – وهي تتذكر زوجها بحبٍّ، فتصفه حين كان عاجزًا عن الكتابة – انصرف إلى يومياته، حيث كان يستطيع أن يطلق شكوى قاسية يعاقب بها نفسه، عن طبعه الكسول الكريه. فالكُتَّاب يوبخون أنفسهم، بجدِّيةٍ ومهارةٍ، كما لو أن عدم القدرة على النهوض دائمًا إلى مستوى موهبتهم — تلك الموهبة التي أظهروها سابقًا، أو حتى في الوقت نفسه الذي يمرُّون فيه بهذه الوقفة — إخفاقٌ شخصي.

سارة حامد حواس

ترجمة: د. سارة حامد حواس

يلجأ بعض الكتاب بشيءٍ من الارتياح إلى كتابة الرسائل أو اليوميات، متحررين من ضغط الكمال، منتقين كلماتهم ليمتِّعوا المتلقي أو ليتواصلوا.

وإذ يسعد الكاتب بفكرة وجود مُنصت مهتم به اهتمامًا كاملًا، فإنه يخاطبُ مراسلًا بعيدًا، أو نسخةً ما من ذاته الخاصة غير الفنية، تلك الذات الأصغر التي تقف دائمًا على عتبة الكتابة، كشخصٍ في المدخل يعرف أنه من الأفضل له ألا يدخل الغرفة.

 

الكتابة.. علاقة عاطفية

بعض الكُتَّاب لا يكتبون رسائل ولا يوميات للتسلية أو التنفيس، فإمَّا أن يكتبوا أعمالهم الأدبية نفسها، وإمَّا أن يمتنعوا عن الكتابة كليًّا، يظلون صامتين ويستعملون ذلك الضغط بطريقتهم الخاصة، لا يسمحون لأنفسهم بأي عزاءٍ، ويحتفظون بحقهم في ألا يكتبوا، فأن تضع القلم على الورق، أو الأصابع على لوحة المفاتيح، مخاطرةٌ دائمًا، كما يعرف الكاتب جيدًا.

قد نقارن الشروع في كتابة قصة ببداية علاقة عاطفية: آه، تلك المرة الأولى معًا، حين يرقد الجسدان جنبًا إلى جنب! وقد نقارن البدء في رواية بالالتزام بزواجٍ، فكل علاقة طويلة الأمد مثقلة بمعجزاتها وفخاخها الخاصة، هناك الزواج الأول، والزواج الثاني والزواج المتأخر الذي لا وجود فيه للزمن الكسول، حيث ينكشفُ كل شيءٍ عند اللمسة الأولى، وهناك ذلك الزواج المحكوم عليه بالفناء، الذي يمنحُ نشوةً جارفة، المتأرجح بين صعودٍ وهبوطٍ، ثم الكارثة التي تصعقُ العقل ولا تبلغ الاكتمال أبدًا، بل تبقى تحضيرًا طويلًا مضطربًا، كأنه حلم أو هلوسة.

هناك أيضًا ذلك الماراثون العميق الطويل الصامد، الذي يصحو وينام، ويتعاظم بثبات مع تراكم الصفحات، ومع تحول الضوء من نهارٍ إلى ليلٍ، ومن فصلٍ إلى فصلٍ، كلها علاقات تبقى حيًّة إلى أن يكتمل الكتاب، ثم يمضي متجاوزًا العقل الذي عاش داخله، تنتهي علاقة الحب كمرحلة امتدت سنوات من الانتشاء الجسدي بين عاشقين، ويأخذ الكتاب معه روحًا خُلقت حديثًا، لا ترتبط بأي إنسانٍ، ولا بزمنٍ ماديٍّ، ولا بحاجةٍ حسِّيةٍ، إنه كائن حي وقد يعيش سنوات طويلة نقيًّا غير ملوَّثٍ وغير منقوصٍ، قد يُقرأ أو يرقد خامدًا، لكنه يظل في أسمى صورة من ذاته، محتفظًا بتوتره الفني وقوته، مضبوط النبرة والظلال، عالمًا محفوظًا في الحب والحزن، يولد من جديدٍ بلا انقطاع.

 

عدم الكتابة موت

بماذا نقارن عدم الكتابة؟ ألا نكتب، ألا نُنهي القصة، أن نضع الرواية جانبًا في كرب؟ سواء اعترفنا أم لم نعترف، فإننا نقارن ذلك بالموت، الموت الصغير أو الموت الكبير، بكل ما تحمله العبارة من إيحاءاتٍ جنسيةٍ مقصودة، ونفكر في عدم الكتابة — في فترة الصمت بين مشروعين، أو في العين الساكنة المتعثرة داخل رواية — بوصفه الموت نفسه، ما من فظاعة أشد ولا هزيمة للشجاعة أقسى من أن يكون المرء كاتبًا ولا يكتب؛ ألا يكتب أبدًا ربما، أو أن يتوقف عن الكتابة أو يقرر التوقف، وألا يأمل في الكتابة ولا يرغب فيها، أن يترك الكتابة، أن يُقسم على هجرها كما يُهجر المخدِّر، أو الجنس مع الشخص الخطأ، أو أي إكراهٍ رهيب آخر سينتهي به الأمر إلى تمزيق المرء إربًا، محطِّمًا الغرفة ومشوِّهًا كل من في البيت.

حين لا يكتب الكاتب يكون طرفًا غارقًا تمامًا في الذنب، كمن قتل بدافع الغضب أو الإهمال الفادح شريك حياته وقرينه وسبب بقائه.

أو ربما يكون الكاتب حين لا يكتب، منفصلًا تمامًا عن العالم، فوضويًّا هائمًا كالشبح، يجوبُ صحارى (الشاعر الفرنسي) رامبو بين الجبال والهضاب، تاجرًا مع قوافل البغال، بعيدًا عن متناول أي صوتٍ إنسانيٍّ تقريبًا، محرومًا تمامًا من نبرة الوطن؛ مهرِّبَ سلاح، وتاجر رقيق، ومعلِّمًا لفتيان متوحشين، فالنار التي تأكل نفسها لا تترك رمادًا فقط، ثمة بقية آسرة فاتنة تطاردُ شوارع هرر في الحبشة، العارية إلا من الرمل والحجر، قوة غامضة وعنيفة تجذب الذين يفتنون بالاحتراق والتخلي الكامل، كأننا في لحظة صمت نستطيع أن نلمح كل ما حاول رامبو أن ينساه، وكل ما أنكره في نفسه حين ترك الشِّعْر وراءه وعاش حياة منفى بعيدة.

الصمت أليف الكاتب وقرينه، فالصمت سواء أكان مستحقًّا أم حاضرًا فحسب، فهو طبيعيٌّ لدى الكُتَّاب بقدر ما هي الكتابة، إنه يملأ الفراغ بين الكلمات وخلف الكلمات، الصمت كالرحم في احتوائه وامتلائه، وهو المعادل السمعي للصفحة البيضاء، تطفو الصور والمشاهد داخله، أما الدخول إليها فيبقى فعلًا عضويًّا وغامضًا، مثل أي شيء لا نفهمه في الأفكار، ولا في الكلمات التي نقولها عنه.

وقد تعضُّ الشخصية أو العقل – إن جاز التعبير- اليدين اللتين تطعمانهما. والكاتبة داخل كتاب أو خارجه قد تجد نفسها معلَّقة في رعبٍ من الالتباس، وكل شيء على المحك.

إن عمل الصانع الماهر وحده لا يخترق الحجاب، فالعمل الذي يبقى لا بد أن يلمح المعجزة، وأن يوجد مستقلًّا، محددًا حقيقته الخاصة.

في النهاية، كما قال فرانك كونروي لطلابه في أول ورشة كتابة قصصية له: أنت تمسك القصة بين يديك، ها هي كلها هناك.. الانحناءة الكاملة للرأس والأطراف، الجفون اللؤلؤية، الأظافر الصغيرة المتقنة، والآن اسأل نفسك أهذا طفل ميت أم طفل حي؟

يبقى الكاتب حيًّا لأنه يكتب، أو لأنه قد يكتب؛ فالإلهيِّ المراوغ لا يزال موجودًا.

 

حياة الكتاب الواسعة

تمتم صديق شاعر بسخريةٍ لاذعة.. لا شيء اسمه يوم سيئ، الأمر أقرب إلى عقدٍ سيئ. وقال كاتب آخر: قد تكون هذه روايتي الرابعة، لكن هذه الرواية لا تعرف أنني كتبت الثلاث السابقة.

وفي رسم كاريكاتيري شديد المرارة، في مجلة ”نيويوركر”، يقول طبيبٌ لمريضه: تلك الرواية التي في داخلك لا بد أن تخرج، وقال كاتب يعرف الأمرين معًا: الكتابة مثل الهيروين، هناك تلك الضربة الممتدة التي عليك أن تواصلها بأن تعيش وعروقك مفتوحة، ويعلِّقُ آخر الكتابة؟ إنها أساسٌ لبعض التشوهات.

وقالت أمّ يائسة لها أربعة أطفال وروايتان، إنها أنانية بما يكفي لكنها لا تستطيع أن تفكر. قالت: لو استطعت أن أفكر، لاستطعت أن أكتب، وحين قيل لها إنها ستكتب لاحقًا، أجابت: لاحقًا، لن أكون أنا. فلن أكون موجودة هناك لاحقًا.

وعندما سُئلت جريس بالي عن التوفيق بين الكتابة والسياسة والأمومة، قالت لمجموعةٍ من الشابات في آيوا سيتي: لا تعشن حياةً صغيرة ضيقة، عشن حياة واسعة.

وتشمئز كاتبةٌ ناجحةٌ إلى حدٍّ ما في الروايات الفكاهية من سماع الكُتَّاب يئنُّون من الكتابة؛ فهي لا يمكن أن تتخيل أن تقضي أكثر من عامين في كتابٍ واحد.

ويقول كاتب مقالات حائز على جوائز: فلنواجه الأمر، نحن لا نكتب من أجل القُرَّاء، ولماذا نفعل؟ فمعظم القُرَّاء يفضلون مشاهدة التلفاز.

أما الشاعر البوذي فيقول إننا نكتب من أجل تلك الذات التي ينبغي أن نرتقي إلى مستواها، ذلك الخيط الزنِّي في الكفن القطني.

وتقول الروائية المعروفة باستحضارها العميق للأمكنة إن جيمس آجي كان محقًّا: نحن نكتب من أجل ذلك الجزء فينا الذي يعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكن لن يخبرنا أبدًا ولو تحت طائلة الموت.

وقال راي كارفر لكاتبٍ من أبناء مهنته في مؤتمر: أراك أبعد على الطريق، وسأل أخٌ أكبر أخته وهي كاتبة قصص عن كسب المال من القراءات العامة: أتقصدين أن الناس يدفعون لكِ كي تقرئي أشياء كتبتِها من قبل؟ فأجابته بأنها تفترض أن الجمهور- من العدل ربما – أن يدفع أكثر لو كان الكُتَّاب يخترعون أعمالهم في اللحظة نفسها، لكن الأمر لا يجري هكذا.

وبعد أن قُدِّم كاتبان كلٌّ منهما باسم الآخر في مزاد خيري لمحو الأمية، همس أحدهما للآخر: مدهش، يبدو أن هناك دائمًا طريقة جديدة لإهانة الكاتب. ويقول صديق لكاتب يصف عجزًا مؤلمًا عن الكتابة: لكن.. هذا أنت. كيف لا تستطيع أن تتحكم في نفسك؟

تتحكم في نفسك؟ قد يبدو السؤال شاذًّا، من النوع الذي قد يطرحه أحمق أو أمٌّ سادية على طفلها أثناء تدريبه على استعمال المرحاض، لكن الأمريكيين يرون الكُتَّاب الأحياء غريبين، غرابةً لا داعي لها ولا مفر منها في آن. ويميلون إلى النظر إلى الكُتَّاب الموتى بوصفهم تاريخًا. أما التاريخ ما لم يتحول إلى مادة سينمائية فثقافتنا الراهنة تنفر منه بشدة؛ فالتاريخ، كما في عبارة ”لقد صار من الماضي”، يساوي انعدام الصلة؛ ولمن يعيشون في جزيرة أمريكا الشمالية الآمنة نسبيًّا، التاريخ هو أمس أو الأسبوع الماضي؛ أما الصورة الكبرى فلا تكون أبدًا موضع تركيز. لا يتعامل الأمريكيون مع السياسة بوصفها نقاشًا عامًا حول الأفكار والمصالح، بل يحولونها إلى انتماءات قبلية.. نحن وهم.

كان ذلك واضحًا في الحرب الأهلية، وفي سنوات جيم كرو، وفي حركة الحقوق المدنية، وفي زمن فيتنام، وما زالت هذه القبلية مستمرة اليوم لكنها صارت أشدَّ استفحالًا.

 

الإرغام على ممارسة السياسة

اليوم نعيش تحت وابل من الاختزالات الإلكترونية للأفكار والأحداث، والكُتَّاب يمارسون السياسة رغمًا عنهم، فكل قصة تاريخ تُصوَّر فيه السياسة والأحداث بمصطلحات إنسانية، لا بوصفها منشورًا دعائيًّا أو سياسة مباشرة وإنما بوصفها مساءلةً وإنذارًا ومرثيةً.

ويكفي أن نتذكَّر أن أزمات التاريخ، والعواصف السياسية العاتية في قرننا وفي قرونٍ وحشية أخرى، لم توقف الكُتَّاب إلا بقتلهم، (الكاتب) يظل يكتب ما دام قادرًا على التفكير والتساؤل.

كتبت مارينا تسفيتاييفا وأسرتها وبلدها يتهدَّمان وهي تتبع ولاءات زوجها المتقلِّبة: من منفى ما بعد الثورة في براغ وباريس، عودةً إلى روسيا زمن الحرب، إلى المجاعة، ثم إلى الهلاك. ومع تقدُّم الألمان نحو موسكو، أراد ابنها، وكان في الخامسة عشرة أن يرتدي الزي العسكري ويقاتل، وخوفًا على سلامته تركت عملها مترجمة بأجرٍ زهيد، وانتقلت به إلى ريف سيبيريا، محاولةً الانضمام إلى كُتَّاب جرى إجلاؤهم إلى أماكن أكثر أمنًا، وكانوا أكثر قبولًا لدى الدولة..

لكنها نُبذت، فلم يُسمح لها بتصريح عمل ولا بأي عمل، حتى في المطابخ، حتى شرطيّ القرية الذي سمح لها أن تغسل ملابسه تعرَّض للتوبيخ، وفي النهاية بعد موت إحدى ابنتيها، وسجن زوجها وابنتها الباقية، وبعد أن صبَّ عليها ابنها الذي كانت تعبده اللوم القاسي على ما أصابهم من متاعب، كتبت تسفيتاييفا في يومياتها: ”لا أريد أن أموت. أريد ألا أكون”، ثم كتبت: ”هراء.. ما دمتُ مطلوبة”، وشنقت نفسها.

لم يحضر ابنها – الذي ظنَّ أن موتها قد يخفف عنه شيئًا- لم يحضر جنازتها، والتحق بالجيش فورًا. وبعد بضعة أشهر مات وهو يدافع عن موسكو.

لم تعد مطلوبة، يشير يرزي فيتسوفسكي، في مقدمته لكتاب برونو شولتس ”شارع التماسيح”، إلى الزمن المدنِّس للحياة اليومية، ذلك الزمن الذي يُخضع كل شيء له بلا هوادة، ويجرف الأحداث والناس في تيارٍ من الزوال.

كانت مادة شولتس هي تاريخ طفولته وبلدته، بعد أن تحوَّل في مخيلته، كان فنانًا موهوبًا ومدرِّس رسم في مدرسة ثانوية، منعزلًا طوال عشرين عامًا. وُلد في دروهوبتش ببولندا عام 1892، ولم يبرح التاريخ والبيوت والشوارع التي شكَّلت وعيه، وكانت رسائله إلى صديقة بعيدة هي البذرة الأولى للقصص التي لم تُنشر في كتبه إلا بعدما تجاوز الأربعين. ويؤكد فيتسوفسكي برفق في مقدمته أن شولتس بهذه الطريقة خفَّف من عزلته، من غير أن يسمح لها بأن تتعكَّر أو تُقتحم.

شجَّعه الثناء النقدي، لكنه أقلقه بعمقٍ، ومع ذلك لم يغير شيئًا من ظروف حياته الظاهرة، وجاء اندلاع الحرب العالمية الثانية فوجده محصورًا في الجيتو مع سائر يهود مدينته. وفي خضم عجبة التاريخية الجارفة، تشبَّث بالحياة اليومية بشدَّةٍ، ولم يستخدم قط الأوراق المزورة أو المال الذي وفَّره له كُتَّاب بولنديون ومنظمات سرية؛ ولم يحاول الهرب.

كان أحد ضباط الجستابو، ممن أعجبوا برسومه، يستخدمه أحيانًا في بعض الأعمال، وفي صباح التاسع عشر من نونبر 1942، كان شولتس ومعه تصريح خاص في طريقه إلى بيت حاميه، حين أطلق عليه ضابط منافس النار فأرداه قتيلًا خارج البيت. وفي ذلك اليوم، قُتل مئة وخمسون عابرًا آخرين في عمليةٍ محدودة، ذُبحوا وبقوا حيث سقطوا حتى حلول الليل، لكن قتل شولتس كان في ما يبدو شخصيًّا إلى حدٍّ ما ويُقال إن قاتله صاح ساخرًا عند نوافذ زميل نازي كان يقدِّر الفن أكثر مما يقدِّر معاداة السامية: ”لقد قتلتُ يهوديَّك الآن”، وبعد ساعات، وتحت جنح الظلام، حمل أحد أصدقاء برونو شولتس جثمانه إلى المقبرة اليهودية ودفنه.

لم يبقَ أثر لذلك المشيَّع، ولا للمقبرة، ولا لأعمال شولتس غير المنشورة، التي اختفت مع الذين كانوا يحتفظون بها أمانةً.

 

هل يكره الكُتَّاب الكتابة؟

لا أظن ذلك.. إن الإحساس بصعوبتها ينبعُ من أن الكُتَّاب يتحدّون الزمن، يكتبون الكلمات في وجه محو الأشياء والحيوات. نقف وسط انهيار جليدي من النسيان، نقاوم سطوة الاختفاء.

وإزاء الفناء نرثي ما كان يمكن أن نفهمه ونوصله إلى الآخرين، لا في صورة رأي أو نصيحة، وإنَّما عبر تسليم عالم متخيَّل كان يمكن أن ننقذه.

ونحن نكتب نعبر الفاصل بين الذات والآخرين كلمةً كلمة. وفي فعل إتمام العمل نفسه ننفصلُ عنه، وبطريقةٍ أو بأخرى يفقد الكاتب الكتابة، يفقد الكاتب الكتاب.

وفي مقاومة النسيان نبدأ أن نفهم، فاللغة هي الطريق إلى الداخل والطريق إلى الخارج.

يسأل برونو شولتس: هل أقول لك إن غرفتي مسدودة بالجدران من كل جانب؟ بأي طريقة يمكنني أن أغادرها؟ هكذا الإرادة القوية لا تعرف عائقًا؛ لا شيء يستطيع أن يقف أمام رغبةٍ عميقة، ليس عليَّ إلا أن أتخيَّل بابًا قديمًا وطيبًا، مثل باب مطبخ طفولتي، بمزلاجٍ ومغلاقٍ من حديد، لا توجد غرفة محكمة الإغلاق إلى درجة أنها لا تنفتح أمام بابٍ موثوق كهذا، إن كنت تملك من القوة ما يكفي لتدسُّه إليها.

 

 

*جاين آن فيليبس كاتبة أمريكية تُرجمت أعمالها ونُشرت في اثنتي عشرة لغة أجنبية، وهي حائزة على زمالة جوجنهايم، وزمالتين من الصندوق الوطني للفنون، وزمالة هاوارد وزمالة بنتنج من معهد بنتنج في كلية رادكليف. درَّست جاين آن فيليبس في كلية ويليامز، وجامعة بوسطن، وجامعة هارفارد وجامعة براندايس، وهي حاليًا أستاذ في الأدب الإنجليزي ومدير برنامج الماجستير في الفنون الجميلة في الكتابة الإبداعية بجامعة رَتجرز- نيوارك، الجامعة الحكومية في نيوجيرسي.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى