حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

محمد الغساني 1690-1691: اعتداء الإسبان على اليهود ومكر كارلوس الثاني حتى لا يُعيد للمولى إسماعيل المكتبة والأسرى (5/5)

يونس جنوحي

«رحلة الوزير في افتكاك الأسير» تحولت، في كثير من المحطات، إلى «مُتعة» للوزير و«صلة للرحم» مع الأسرى المغاربة في المدن الإسبانية الكبرى التي مر منها وزيرنا قبل وصوله إلى مدريد للقاء الملك كارلوس الثاني، أو «طاغية» الإسبان كما كان يلقبه السفير الغساني في مخطوط رحلته.

كان، في كل محطة يصل إليها أثناء الرحلة، يصف ماضيها ويستعرض تاريخها في فترة حكم المسلمين لها، ويروي النهاية المأساوية للمماليك ومن نجا ومن لم ينجُ.

إلى مدريد.. بعد المرور بقرى ومدن خرج أهاليها لاستقبال سفير المولى إسماعيل، وكان وقتها اسم هذا السلطان يثير في نفوس الإسبان مشاعر متناقضة بين الفضول للاكتشاف والكراهية..

حكى الغساني عن «ديوان التفتيش» الشهير في مدريد، وقال إنه كان يضم نخبة من علماء الإسبان، يعملون على عقاب كل من يتم اكتشاف أنه يهودي يتحدث العِبرية، ويكون جزاؤه «الإقبار» في سجون الإسبان.. ويعملون أيضا على عقابه وإكراهه على ترك اليهودية واعتناق المسيحية..

حدث هذا في وقت كان السلطان في المغرب يحمي اليهود المغاربة ويحرص على أن يقيموا شعائرهم.

بل إن الغساني مضى في فضح الميز الذي كان يعيشه الإسبان وقتها، وقال إن السجناء اليهود، الذين تحكم عليهم لجنة «ديوان التفتيش»، لا يستطيع أحد إخراجهم من السجن حتى لو كان الملك نفسه.

خصص فقرات شيقة حكى فيها ما يعرفه، بفضل إلمامه بالتاريخ وسعة اطلاعه، عن مصاعب وصول كارلوس الثاني إلى الحكم وما لاقاه والده من قبله، وكيف حافظ على التاج وقاتل منافسيه ليجلس على العرش، انتقل الغساني إلى الحديث عن لقائه مع الملك كارلوس الثاني. وبدا واضحا أن سفيرنا لم ينبهر بما رآه في قصر ملك إسبانيا، لكنه سجل إعجابا بشخصيته، وربما السبب راجع إلى إلمام الغساني الكبير بتاريخ إسبانيا والبرتغال، وترتيب أسماء الملوك لقرون وكيفية انتقال العرش، والفظائع التي ارتُكبت من طرف بعض أقاربه للمنافسة على السلطة. وقال عنه:

«.. وهذا الطاغية لم يتقدم إلى موضع من المواضع، ولا صحب محلة، ولا برز إلى حرب، وهو من الحضارة بمكان، لا يركب فرسا ولا غيره، وإنما يركب دائما في كدش مع زوجته في غالب الأيام، وله خروج إلى متصيداته في كدشه، ويقصد الكنائس دائما ويتعبد بجميع متعبداتهم»..

فور وصول الغساني إلى قصر مدريد، قدّم «يدا بيد» رسالة السلطان المولى إسماعيل إلى الملك كارلوس الثاني. وأول ما صدر عن الملك، بعد توصله برسالة المولى اسماعيل، أن ناولها فورا إلى مُترجم يشتغل في البلاط، وهو نصراني من سوريا، أوكل إليه الإسبان مهمة ترجمة رسالة السلطان إلى الإسبانية.

يقول الغساني إن الترجمة تمت على الفور، ورأى بعينه كيف أن الملك كارلوس الثاني، عندما اطلع على النسخة الإسبانية من الرسالة، ارتبك كثيرا عندما اطلع على رغبة المولى إسماعيل في إطلاق سراح 500 أسير مغربي لدى إسبانيا، واستعادة خمسة آلاف كتاب تشكل جميعها المكتبة الزيدانية الضخمة التي تعود إلى عهد السعديين، والتي نهبها الإسبان عندما كان السلطان السعدي ينقلها بحرا بين الصويرة وآسفي..

لاحظ الغساني ارتباك الملك كارلوس الثاني، وفسر الأمر على أنه إدراك منه لاستحالة تراجع المولى إسماعيل عن الطلبين، ووعيه بأن الأمر لا يتعلق نهائيا باستعطاف أو طلب «خِدمة» من ملك إسبانيا..

يحكي الغساني في مخطوطه عن حيرة ملك إسبانيا بعد قراءة الرسالة:

«فلما عجم الكتاب ورأى ما فيه وما أشار به عليه أمير المؤمنين أيده الله، من إعطاء خمسة آلاف كتاب وخمس مائة أسير، ثقلت عليه الوطأة العلوية، ولم يدرِ كيف يتلقى هذه الإشارة، وعرف أنها عزمة من الملك نصره الله، ولم يمكنه إلا الاضطراب، لما أُشرب في قلبه وقلب أهل ديوانه من صيت هذه الإمامة العلوية وعلوّ همتها أبقاه الله بَمَنَّه، ووقعت المشورة منه في ذلك مع أهل ديوانه، فرأوا أن الإجابة إلى ما دعاهم إليه المولى الإمام، والامتثال لأمره المطاع، أعزه الله تعالى، أولى لهم وأوفق، وتشاوروا في ذلك أياماً عديدة، وكانت لنا معه ملاقاة بقصد الرؤية حين يدعون إليها، وبعد تدوينهم في الأمر السلطاني، وزعمهم حرق الكتب الإسلامية، في ما يذكر ببلاد إسبانيا، قدموا للكلام معنا في ذلك كاتبَ الديوان الكبير، والكردينال الذي هو رأس دينهم وهو خليفة البابا الذي بروما وإليه ينتهي أمر دينهم وديوانهم» .

أشار الغساني أيضا إلى أن السلطان المولى إسماعيل كان يتوقع أن يتبرم الإسبان ويختلقوا من الأعذار ما يبرر امتناعهم عن إعادة المكتبة الزيدانية إلى المغرب، لذلك وضع لهم شرطا يضيق عليهم باب التفاوض.. فقد اشترط المولى إسماعيل على الملك كارلوس الثاني أن يطلق سراح ألف أسير مقابل المكتبة في حالة لم يعد لها وجود..

كيف سيتصرف مستشارو كارلوس الثاني أمام مناورة المولى إسماعيل، الذي كان يعلم جيدا أن المكتبة لا تزال موجودة، وأن كُتبها محفوظة بعناية لدى الإسبان؟

ناور كارلوس الثاني، وأطلق سراح الأسرى المغاربة.. لكن المولى إسماعيل توفي دون أن يتحقق حُلمه باستعادة المكتبة الزيدانية. واتضح كذب الإسبان أنفسهم، عندما ظهر أن المكتبة محفوظة بعناية لديهم ولا تزال موجودة في إسبانيا إلى اليوم.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى