
عشت أياما عسيرة في مدينة سيدي إفني دون أن أتهاون في أداء واجبي، لكنني كنت أنتظر رد الإدارة العامة للأمن الوطني على ملتمساتي التي حركتها دوافع إنسانية.
حين اقترب موعد العودة بعد قضاء شهرين كاملين في مدينة سيدي إفني، اعتقدت أن العودة ستكون بطريقة الذهاب نفسها، أي عبر طائرة عسكرية «دي سي 3»، فاستحضرت معاناة رحلة سيدي إفني العسيرة، لكن خلافا لكل التوقعات تقرر أن نعود إلى مدينة أكادير عبر البحر، في فترة لم يكن السفر البري متاحا لغياب طريق يربط المدينة بباقي مناطق التراب المغربي.
حين علمت ببرمجة رحلة بحرية على متن باخرة تسمى «نجمة بدر»، ستأخذ طريقها صوب مدينة أكادير، استعجلت ركوب الرحلة في صيف حارق، رفقة أربعة أفراد من الطاقم التقني وباقي زملائي الذين رافقوني في مهمة سيدي إفني. لم أكن أعتقد أن الرحلة البحرية صوب أكادير ستكون أكثر قساوة من رحلة الذهاب على متن الطائرة العسكرية.
لم يكن لي سابق تجربة في الرحلات البحرية، باستثناء ركوبي في مراكب وادي أبي رقراق التي تربط الرباط بسلا.. غير أن رحلة «نجمة بدر» كانت مختلفة تماما بل أكثر قلقا من رحلة الذهاب الجوية.
عشت أهوال البحر وأصبت بدوار في الرأس وتشنج في الأمعاء، بسبب التمايل الذي عاشه المركب وهو يخترق الأمواج العاتية التي تكاد تعبث به.
وعلى الرغم من أن المسافة الفاصلة بين سيدي إفني وأكادير لا تتجاوز ثمانين كيلومترا، إلا أن ركوب البحر حول الرحلة إلى جحيم، وجعلنا تحت رحمة الأمواج التي بسطت سيطرتها على المركب وحولته إلى رهينة.
مع وصولنا إلى ميناء أكادير، انتابني إجهاد بدني ونفسي رهيب، ترتب عنه غثيان أعقبته نوبة دوران، فاختلت معها خطواتي وكأني بقدمي لا تقدران على حملي. انتابتني نوبة مرض جعلتني أنكمش في جسدي العليل كالجرو، وأصبح أسير سرير غرفتي في الفندق لمدة ثلاثة أيام. وكلما حاولت التمرد على المرض ومغادرة الغرفة أحبطني المرض وأخضعني لجبروته.
حين كنت أحاول التصدي للمرض الذي أقعدني، وأسعى نحو التعافي والتخلص من الدوار الذي لازمني، بسبب عذاب رحلة بحرية لا تنسى، تلقيت مفاجأة غير سارة وأنا أهم بالعودة إلى الرباط.
كانت تنتظرني رسالة من الإدارة العامة للأمن الوطني تشعرني بتوقيفي عن العمل بسبب «انقطاعي» عن ممارسة وظائفي دون ترخيص مسبق.
علمت أن هذا الأجراء ترتب عن تقرير أعده ضدي المرحوم محمد النجاري، الذي كان يشغل، حينها، مهمة رئيس الأمن الإقليمي لأكادير والذي تدخل ضمن اختصاصاته الترابية دائرة أمن سيدي إفني المحدثة.
بعد مرور سنوات على هذه الواقعة غير المأسوف عليها، شاءت الأقدار أن تنسج بيننا وشائج علاقات مهنية راسخة، غالبا ما تجعلنا نتذكر تقريره ضدي، فنستحضر تلك الرحلة المريرة إلى إفني وما ترتب عنها من مغامرة في المحيط.
انتهى المسار الوظيفي بمحمد النجاري عاملا على إقليم الحسيمة، بعد أن ارتقى في سلم الإدارة الترابية، وكان لي دور كبير في هذا الارتقاء حين جمعتني به الأقدار في وزارة الداخلية.
بالعودة إلى موضوع توقيفي على خلفية مغادرتي دون ترخيص أو سابق إشعار لوظيفتي في سيدي إفني، قدمت للإدارة العامة للأمن الوطني ما يثبت حالة الصمت الذي تعاملت به مصالح الأمن مع طلبات ترخيص الاستفادة من إجازة قصيرة بسبب ظروف عائلية، إضافة لحالتي الصحية المتردية التي أعقبت عودتي عن طريق البحر إلى أكادير. كانت هذه الدفوعات كافية للصفح عني، بعد التأكد من طول انتظاري لجواب على ملتمساتي دون جدوى.
ظلت هذه المهمة راسخة في ذهني، ومنذ صيف عام 1969، ارتبطت وجدانيا بالجنوب وأصبح اسمي مقترنا بالصحراء المغربية، حيث تمكنت من نسج علاقات راسخة مع العائلات الصحراوية وربط أواصر التعارف مع القبائل المنتشرة في ربوع الصحراء، وزاد مؤشر التقارب أكثر حين تم تعييني بعد عامين، وتحديدا عام 1971 إطارا بوزارة الداخلية.
أصبحت مسؤولا في قسم الشؤون الداخلية بوزارة الداخلية، مكلفا أيضا بخلية الصحراء، وهي المهمة التي مكنتني من التعرف أكثر على زعماء القبائل الصحراوية وزعماء الزوايا الدينية والعلماء والمنتخبين وأعيان هذه المناطق.
ظلت هذه الوشائج الإنسانية راسخة في وجداني، حتى بعد مغادرتي لخلية الصحراء بوازرة الداخلية، حين جرى تعييني مديرا عاما للأمن الوطني، من طرف الملك الحسن الثاني رحمه الله يوم 7 ماي 1997، وتمت تزكيتي في هذا المنصب من طرف الملك محمد السادس نصره الله، بعد اعتلائه عرش المملكة، إلى أن غادرته في يوليوز 2003.






