
يوم 24 غشت 1994 سنعيش فصلا جديدا من العداءات التي تستهدف مملكتنا من طرف النظام الجزائري، الذي تتنوع قياداته والعداء واحد.
في هذه الواقعة ظهرت النوايا الحقيقية لحكام الجزائر، وتبين أن استقرار المغرب يقلقهم ويحرك فيهم بركة الشر الراكدة. كانت لمسة المصالح السرية الجزائرية واضحة في عملية الغاية منها ضرب السياحة المغربية، باعتبارها رافدا من روافد الاقتصاد الوطني، وتبين أن المخابرات الجزائرية هي التي وضعت وصاغت المخطط الإرهابي ودبرته، واختارت أهدافه ثم جندت منفذيه.
لأول مرة سيعيش المغاربة تفجيرات إرهابية تهز البلاد، حين قام عدد من الملثمين الجزائريين، من جنسية فرنسية، بهجوم مسلح على فندق «أطلس أسني» بمراكش، تم صبيحة يوم صيفي كانت فيه مدينة البهجة تعرف رواجا سياحيا كبيرا في فنادقها وساحاتها ومعالمها التاريخية.
أسفر الهجوم الإرهابي عن تصفية زوجين من جنسية إسبانية كانا يقيمان في فندق «أطلس أسني»، ترك المهاجمون الضحيتين وسط بركة من الدماء ولاذوا بالفرار.
كنت في مكتبي بالرباط صباح يوم الفاجعة، حين تلقيت مكالمة هاتفية من سيدة تعمل في المصالح المركزية لوزارة الداخلية، صادف تواجدها في «أطلس أسني» مداهمته من طرف الإرهابيين الجزائريين، وتابعت من نافذة غرفتها هروب منفذي العملية الدموية.
على الفور تم استنفار كل القوات الأمنية على مستوى مراكش وكامل تراب المملكة، وجرى تطويق المدينة ورفع درجة التأهب في باقي فنادقها وتشديد المراقبة على مداخل مراكش وباقي المدن عبر سدود قضائية في حالة استنفار قصوى، من أجل وضع اليد على منفذي الهجوم ومساعديهم المحتملين.
في أقل من أربع وعشرين ساعة، تم التوصل إلى تفاصيل الهجوم الإرهابي، والجهات التي تقف وراءه والغاية والأبعاد المتوخاة من العمل الإرهابي الذي يروم ضرب الاستقرار الذي تعيشه المملكة، واستهداف قطاع السياحة الحيوي الذي ظل يرسم صورة المغرب المشرقة لدى السياح.
ساهم الاستنفار الأمني على المستوى الوطني، الذي قامت به السلطات الأمنية ومصالح المحافظة على التراب الوطني، في إيقاف بعض المتورطين في هذه العملية، حين كانوا يهمون بمغادرة مطار وجدة أنكاد، عائدين إلى فرنسا.
اعترف المعتقلون بالتهم المنسوبة إليهم، وأكدوا استخدامهم من طرف الجزائر في عملية تهدف إلى زعزعة استقرار المغرب، مشيرين، في الوقت نفسه، إلى المعسكرات التدريبية التي خضعوا لها فوق التراب الفرنسي بإشراف من النظام الجزائري.
عرض المنفذون على العدالة، وخضعوا لتحقيقات معمقة كشفت خيوط المؤامرة القادمة من جارتنا الشرقية، ونال المجرمون العقاب الذي يستحقونه بعد أن كانوا أدوات تنفيذ أول عمل إرهابي يستهدف المملكة.
تبين أن هذا النوع من العمليات الإرهابية، التي تستهدف تجمعات السياح والمثقفين، تمدد على المستوى العالمي وأصبحت له نسخ دموية شبيهة بما حصل يوم 13 نونبر 2015، في مسرح باتاكلان في باريس، حين تمت تصفية عدد كبير من الأبرياء.
كان الحدث إيذانا ببداية فصل جديد من التوتر بين المغرب والجزائر، إذ وجهت المملكة أصابع الاتهام نحو المخابرات الجزائرية، وقررت السلطات المغربية آنذاك فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين الراغبين في الدخول إلى المغرب، بشكل مؤقت إلى حين استكمال التحقيقات في القضية، فيما جرى تطبيق نظام «الفيزا» على مواطني دول أخرى.
وقبل أن تنتظر الجزائر نتائج التحقيق، ردت الحكومة الجزائرية بإجراءات أكثر راديكالية وأعلنت من طرف واحد إغلاق الحدود البرية بين البلدين، وهو الإغلاق الذي ما زال مستمرا إلى اليوم.
من تداعيات هذا العدوان، الذي استهدف بلدنا، تعثر بناء الصرح المغاربي الذي ظل يفتقر إلى كثير من الاستقلالية، متأثرا بالعداءات التي تدوس على الأهداف التي أنجبته، فمنذ سنة 1994 لم تعقد قمة اتحاد المغرب العربي، وتبين أن جارتنا تعطل عجلته حين تستهدف البلد الذي نشأ فيه هذا الكيان.
آمنت شعوب المنطقة بأهمية إرث مشترك، الدين واللغة والثقافة في تنوعها واختلافها، لكن بعض الأفعال العدوانية غير المحسوبة تدمر هذا الإرث المشترك، خاصة حين ينوب رشاش الإرهابيين عن الحوار.
علينا أن نأخذ العبرة من العلاقات الفرنسية- الألمانية، التي دفنت آلام الماضي وأحقاده، وسارعت إلى مد جسور التعاون بين شعبين عاشا الحروب ويعيشان السلام.






