
نعيمة لحروري
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، تبدأ في الساحة السياسية المغربية مرحلة يعرفها المتابعون جيدا: مرحلة التزكيات.
تلك اللحظة التي تسبق الانتخابات بأشهر، حيث تتحول الأحزاب إلى فضاءات للتوتر، والهمس، والتحركات المحمومة. فجأة يرتفع منسوب الحركية داخل التنظيمات، ويصبح السؤال الأكثر تداولا ليس من سيصوت لمن، بل من سيحصل أصلا على ورقة الترشح؟
في الأصل، التزكية مجرد إجراء تنظيمي بسيط: حزب يختار مرشحيه وفق مساطر محددة، ثم يتوجه بهم إلى الناخبين. لكن الواقع غالبا أكثر تعقيدا. فما إن تلوح الاستحقاقات في الأفق حتى تبدأ معركة داخل الأحزاب نفسها، قبل أن تبدأ معركة الانتخابات.
كل من يرى في نفسه «مشروعا لبرلماني» يبدأ رحلة البحث عن التزكية. تتحرك الهواتف، وتُفتح قنوات الاتصال، وتُستدعى العلاقات القديمة والجديدة. وفي كثير من الأحيان تصبح الكواليس أكثر ضجيجا من المنابر العلنية. فالتنافس الحقيقي بالنسبة إلى كثيرين لا يكون يوم الاقتراع، بل يوم الإعلان عن الأسماء التي ستنال «الختم الحزبي».
المفارقة أن معظم الأحزاب تتوفر على قوانين أساسية وأنظمة داخلية واضحة تحدد كيفية اختيار المرشحين: لجان للترشيحات، مساطر للانتقاء، وضوابط يفترض أنها تضمن قدرا من الشفافية والإنصاف. لكن ما يثير الانتباه هو أن هذه القواعد، التي تبدو صارمة على الورق، كثيرا ما تتعرض للاختبار.. أو للتجاهل.
خذوا مثلا حالة لجان الترشيحات نفسها. في عدد من الأحزاب تنص القوانين الأساسية بوضوح على مبدأ بسيط: من يكون عضوا في لجنة الترشيحات، لا يمكنه أن يقترح نفسه مرشحا. والغاية من هذا المقتضى واضحة، وهي تفادي تضارب المصالح وضمان حد أدنى من النزاهة في عملية الاختيار.
لكن ما يحدث في الواقع يثير كثيرا من الاستغراب. ففي الوقت الذي لم تُفتح فيه بعد مسطرة الترشيح رسميا داخل بعض الأحزاب، نرى وزراء وبرلمانيين يعلنون مسبقا أنهم المرشحون في دوائرهم الانتخابية. بل إن بعض هؤلاء يوجدون أصلا ضمن الهيئات أو اللجان التي يفترض أنها تشرف على مسار الترشيحات.
هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن احترام المساطر، إذا كان بعض من يفترض أنهم حراس هذه القواعد يتصرفون وكأن الأمر محسوم سلفا؟ وكيف يمكن إقناع المناضلين في القواعد الحزبية بجدوى المساطر التنظيمية، إذا كان إعلان الترشيحات يتم أحيانا، قبل أن تبدأ المسطرة أصلا؟
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بأسماء بعينها، بل بصورة العمل الحزبي ككل. لأن الأحزاب التي تطالب المواطنين بالثقة فيها، مطالبة، قبل ذلك، بأن تُظهر هي نفسها احتراما لقوانينها الداخلية. فالديمقراطية ليست خطابا يقال في الحملات الانتخابية، بل ممارسة تبدأ من داخل التنظيمات نفسها.
إن حمى التزكيات التي نشهدها اليوم تكشف مرة أخرى عن خلل قديم في الثقافة الحزبية: الميل إلى اعتبار القواعد التنظيمية مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها، عندما تتعارض مع موازين القوة داخل الحزب.
قد يقال إن هذه مجرد تفاصيل داخلية تخص الأحزاب وحدها، لكن الحقيقة أن الأمر أبعد من ذلك بكثير. فالأحزاب التي لا تحترم قواعدها وهي تختار مرشحيها، يصعب أن تقنع الناس بأنها ستحترم القواعد حين تصل إلى المؤسسات.
الديمقراطية لا تبدأ يوم التصويت، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الأحزاب نفسها. تبدأ حين تكون القوانين الداخلية ملزمة للجميع، لا مجرد نصوص تُقرأ في المؤتمرات، ثم توضع جانبا عندما يتعلق الأمر بالمقاعد.
أما حين يصبح بعض من يضعون القواعد أول من يقفز فوقها، وحين يعلن البعض أنفسهم مرشحين قبل أن تبدأ المساطر أصلا، فذلك ليس مجرد خلل تنظيمي بسيط، بل رسالة واضحة تقول إن المشكلة في السياسة عندنا ليست دائما في الانتخابات، بل أحيانا في ما يسبقها.
ولهذا ربما لا ينبغي أن نتفاجأ كثيرا إن فقد المواطن ثقته في العملية السياسية. فالثقة لا تُبنى بالخطب والشعارات، بل بالقدرة على احترام القواعد، حتى عندما تكون هذه القواعد مزعجة لمن يريدون الوصول إلى البرلمان.
بل إن السؤال الأصدق ربما ليس: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟
السؤال الأهم هو: كم بقي من احترام القواعد، قبل أن تبدأ الانتخابات أصلا؟





