
العالم الفيزيائي الدانماركي نيلز بور Niels Bohr (1962- 1885)، هو أول عالم فيزياء قدم نظرية عن نظام الذرة، حيث صور الذرة من الداخل مثل المجموعة الشمسية، تكون فيها النواة في المركز والإلكترونات تدور في مدارات حول هذا المركز. لكن الفرق بين نظام الذرة ونظام المجموعة الشمسية أن مدارات الإلكترونات ثابتة، بينما مدارات الكواكب تتفاوت من حيث الاتساع. أحدثت نظرية نيلز بور انقلابا كبيرا في الفيزياء الحديثة، حتى أن ألبرت أينشتاين رغم الخلافات والنقاشات العلمية الدائرة بينهما، قد وصف هذه النظرية بالتحفة الرياضية، إن من جملة التغييرات التي أحدثها إلغاء جميع النظريات السابقة عنها وفتح المجال للأبحاث والدراسات في المجالات المتعلقة بالذرة وطرق الاستفادة منها، لذلك في عام 1922 مُنِح جائزة نوبل للفيزياء بفضل نموذجه للذرة وتوفيقه بين نظرتي رذرفورد وماكسويل، حيث استطاع أن يبين أن الذرة لا تشع في الحالة المستقرة.
نشأ نيلز بور في أسرة علمية، فأبوه عالم وأستاذ جامعي معروف، كما أن أبناءه ساروا على دربه من أهمهم «آجي بور»، الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1975. عُرف نيلز بور بمسار دراسي متميز، فبعد أن أكمل دراسته الأولى انتقل إلى الجامعة في العاصمة كوبنهاغن، وبعدها أستاذا مساعدا للفيزياء وباحثا في الجامعة نفسها. وعمل بعد أن نال شهادته الجامعية الأولى في بحوث التوتر السطحي للسوائل، ونشر في مجلة إنجليزية أول بحث لفت النظر إلى موهبته. ثم عمل في مجال النظرية الإلكترونية للمعادن. حتى حصوله على الدكتوراه في علم الفيزياء. إضافة إلى ذلك، درس نيلز بور على يد كبار العلماء في عصره في جامعة كمبريدج، حيث أشرف على رسالته للدكتوراه العالم جوزيف جون طومسون، مكتشف الإلكترون، والعالم إرنست رذرفورد، مكتشف نواة الذرة، والمسمى أب الفيزياء النووية. عند عودته إلى بلاده، بعد مسار دراسي حافل، عُيّن في عدة مناصب علمية رفيعة، رئيسا لمجلس الطاقة الذرية في الدانمارك، ورئيس معهد كوبنهاغن للعلوم الفيزيائية النظرية. خلال هذه المرحلة أصبح نيلز بور وعاصمة بلاده كوبنهاغن، مقصد مشاهير وكبار العلماء.
نيلز بور ورحلة الهروب إلى أمريكا
كان نيلز بور أستاذا زائرا في جامعة برينستون في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1939، وعند عودته إلى بلاده شبت الحرب العالمية الثانية، واحتلت القوات الألمانية الدانمارك، وتيقن أن ألمانيا ستعتقله لا محالة، بسبب معاداته للنازية ورفضه في السابق التعاون معها، من أجل صنع قنبلة ذرية، خاصة بعد الزيارة السرية والخطيرة التي قام بها العالم الألماني فيرنر هايزنبرغ إلى أستاذه نيلز. كان فيرنر هايزنبرغ ضمن الفريق العلمي الألماني الذي كان يسابق الزمن، من أجل الوصول إلى قنبلة نووية ألمانية، ولم تكن هذه الزيارة سوى دعوة مبطنة إلى الالتحاق بهذا الفريق. ما جعل نيلز بور يستشعر خطورة بقائه في بلاده الدانمارك. هكذا، فر رفقة زوجته إلى السويد على متن قارب صيد، ومنها إلى إنجلترا عائدا من جديد إلى الولايات المتحدة الأمريكية. هذه المرة، سيأخذ مسارا آخر، حيث تم تكليفه من قبل الحكومة الأمريكية مستشارا علميا في المختبر السري في لوس ألاموس ضمن مشروع «منهاتن»، وساهم بشكل كبير مع روبرت أوبنهايمر في صنع أول قنبلة ذرية أمريكية.
أسطورة قياس طول ناطحة السحاب
تروج عن نيلز بور حكاية شهيرة إلى حد بلوغها درجة الأسطورة، ورغم تشكيك الكثيرين في صحتها، إلا أنها في دلالتها العميقة أقرب إلى فلسفة نيلز بور الذي كان ينتقد بشدة جمود وتحجر الأسلوب الأكاديمي في تدريس العلوم. تقول الحكاية إن نيلز اجتاز اختبار مادة الفيزياء في السنة الأولى له في جامعة كوبنهاغن، وكان السؤال: كيف تستطيع قياس ارتفاع ناطحة سحاب عن طريق جهاز البارومتر، وهو الجهاز الخاص بقياس الضغط الجوي؟ الجواب سهل وبديهي، حيث قياس الفرق بين الضغط الجوي في أعلى ناطحة السحاب وعلى سطح الأرض. كان جواب نيلز ساخرا ومستفزا، حيث أجاب: «لقياس طول ناطحة السحاب، أربط جهاز البارومتر بحبل طويل وأقوم بإنزاله حتّى يصل إلى الأرض، ثمّ أقيس طول الحبل»، فمنحه أستاذه درجة الصفر، وبعد احتجاج الطالب نيلز كلفت الجامعة لجنة محايدة للبت في القضية وإجراء اختبار شفوي للطالب. طُرِح عليه السؤال نفسه، فكان رده أن لديه الكثير من الإجابات، فطلبت منه اللجنة ذكر الإجابات كاملة. قال نيلز ضاحكا: «الجواب الأول هو أن نلقي جهاز البارومتر من أعلى ناطحة السحاب ونقوم بقياس وقت استغراق سقوطه حتى الأرض لمعرفة طول ناطحة السحاب»، فضجت القاعة بالضحك. ثم أعطى جوابا آخر: «إذا كانت الشمس مشرقة، يمكننا قياس طول ظل جهاز البارومتر وطول ظل ناطحة السحاب فنعرف ارتفاعها من خلال قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين…». ومع تواصل موجة الضحك أضاف: «أما إذا كنا نريد أسرع الحلول فيمكن لنا أن نقدم لبواب ناطحة السحاب جهاز البارومتر هدية، وأنا متأكد بأنه سيخبرنا بمدى طولها»، وبعد توقف الحاضرين عن الضحك أظهر بعض الجدية، وقال: «أما إذا أردنا فقط أن نعقد الأمور فسنقوم بعملية حسابية رتيبة ومملة، وهي أن نحسب ارتفاع ناطحة السحاب عن طريق الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وفي أعلى ناطحة السحاب». كان الجواب الأخير هو الجواب العلمي الذي تنتظره اللجنة، لكنهم أدركوا في الوقت نفسه أن نيلز بور ليس طالبا عاديا وأنه يتهكم على منهج التفكير لدى بعض الأساتذة والأكاديميين، الذين ظلوا سجناء إجابات جاهزة قد تكبل العقل أكثر من أن تحرره.
نافذة:
أحدثت نظرية نيلز بور انقلابا كبيرا في الفيزياء الحديثة حتى أن ألبرت أينشتاين رغم الخلافات والنقاشات العلمية الدائرة بينهما قد وصف هذه النظرية بالتحفة الرياضية





