
تدخل الحرب الإيرانية الأمريكية مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال تداعياتها من ساحات القتال إلى مضيقي هرمز وباب المندب، حيث تتراجع حركة الملاحة وتتعرض ناقلات وسفن للاستهداف، فيما تتصاعد المخاوف على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية. وبالتوازي، تكشف المعارك عن ضغوط متزايدة على الترسانة الأمريكية، مقابل تأكيد إيران استمرار إنتاج الصواريخ والمسيّرات وامتلاكها مخزونا كبيرا. وبين التصعيد العسكري، واضطراب الممرات البحرية، ومحاولات التفاوض المتعثرة، تتشكل معادلة جديدة تجعل مستقبل الحرب مرتبطا ليس فقط بقدرة الطرفين على القتال، بل بقدرتهما على تحمل كلفته.
إعداد: سهيلة التاور
لم تعد الحرب الإيرانية الأمريكية تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلقها طهران، أو الضربات التي تنفذها واشنطن، بل بدأت تُقاس بقدرة الطرفين على مواصلة القتال دون استنزاف مخزوناتهما العسكرية، وبمدى قدرة الممرات البحرية الحيوية على الصمود أمام التصعيد. ففي مضيق هرمز، تراجعت حركة السفن إلى مستويات غير مسبوقة، بينما امتد الاضطراب إلى باب المندب، في وقت تتزايد فيه الهجمات على السفن وناقلات النفط، وتتسع المخاوف من تحول شريانَي التجارة والطاقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وفي أحدث مؤشر على خطورة الوضع، أظهرت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن أربع سفن فقط عبرت مضيق هرمز، يوم الاثنين، مقارنة بعشر سفن في اليوم السابق. وتشمل السفن الأربع سفينتي بضائع جافة، إحداهما محملة والأخرى فارغة، وناقلتي نفط دخلتا المضيق دون حمولة. والمفارقة أن هذا الرقم يأتي في منطقة كانت تشهد، قبل اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير الماضي، مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميا، بينها ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات.
وبذلك، لم يعد الخطر المرتبط بالحرب محصورا في ساحات القتال، بل انتقل إلى الاقتصاد العالمي مباشرة، حيث يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قادرا على إعادة رسم حسابات أسواق الطاقة والنقل والتأمين والشحن.
هرمز يتحول إلى ممر عالي المخاطر
التراجع الحاد في حركة الملاحة لا يعكس فقط عزوف شركات النقل عن المخاطرة، بل يكشف أيضا عن بيئة بحرية باتت شديدة الحساسية. فمع تصاعد الهجمات، تتجه بعض السفن إلى إغلاق أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف الآلي، في محاولة لتجنب رصد تحركاتها، وهو ما يعني أن أرقام العبور المسجلة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للحركة في المضيق.
وتزامن هذا التراجع مع حادث جديد زاد من المخاوف. فقد أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتلقي بلاغ عن تعرض سفينة، مساء الاثنين، لضربة بمقذوف لم تحدد طبيعته داخل مضيق هرمز. ولم تُسجل، وفقا للهيئة، أضرار أو تأثيرات بيئية، بينما بدأت السلطات تحقيقا في الواقعة.
وفي حادث آخر، أعلن مركز الأمن البحري العُماني أنه يتابع عملية سحب ناقلة النفط «إمغايا» إلى أحد موانئ السلطنة، بعد تعرضها للاستهداف، مؤكدا إجلاء 23 فردا من طاقمها، مع استمرار البحث عن فردين مفقودين. وتأتي هذه التطورات وسط تضارب في الروايات حول حوادث أخرى شهدها المضيق، بما يعكس صعوبة تحديد المسؤوليات في بيئة عسكرية وبحرية شديدة التوتر.
وكانت وكالة «فارس» الإيرانية قد نقلت عن الحرس الثوري أن ناقلة نفط انفجرت واشتعلت فيها النيران، بعد اصطدامها بألغام أثناء عبورها منطقة وصفها بأنها محظورة جنوب المضيق، بينما نفت القيادة المركزية الأمريكية هذه الرواية، وقالت إن ناقلة «إل جايا» تعرضت في الشهر الماضي لصاروخ إيراني جعلها غير صالحة للتشغيل. كما أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة أن ناقلة أخرى تعرضت لأضرار السبت دون تحديد سببها، مع فقدان اثنين من أفراد طاقمها.
هذه الوقائع المتتالية تجعل أمن الملاحة نفسه أحد أبرز ساحات الحرب، وتضع شركات الشحن أمام معادلة معقدة: الاستمرار في المرور عبر مضيق بالغ الأهمية اقتصاديا، أو تجنب المخاطر ولو على حساب الوقت والتكلفة.
معركة الصواريخ
بالتوازي مع الضغط على الملاحة، تتجه الأنظار إلى المخزونات العسكرية، التي أصبحت عنصرا أساسيا في تحديد قدرة الطرفين على مواصلة المواجهة. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد أن بلاده تمتلك مخزونا كبيرا من الأسلحة، وقال إن بعضها متوافر بكميات شبه غير محدودة، مضيفا أن الولايات المتحدة تعيد بناء مخزوناتها بسرعة، وأنها تنتج صواريخ «باتريوت» بأعداد تفوق أي وقت مضى.
غير أن هذه الصورة الواسعة عن وفرة السلاح تواجه رواية مختلفة داخل الأوساط الأمريكية. ويرى حسن منيمنة، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن الحديث عن مخزون أمريكي كبير لا ينسجم بالكامل مع واقع تشير إليه تقديرات عسكرية بشأن انخفاض مخزون الصواريخ الاعتراضية. ووفقا لهذا التقييم، كان تراجع المخزون أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة إلى طلب هدنة عبر الوسطاء، بعد الجولة الميدانية الأولى.
ولا يعني انخفاض المخزونات، وفق هذا التصور، أن واشنطن فقدت قدرتها على شن جولة عسكرية جديدة، لكنه يعني أن أي مواجهة إضافية ستكون أكثر كلفة، وتتطلب إعادة تخطيط ونشر موارد عسكرية جديدة. كما أبدى عدد من قادة المناطق العسكرية الأمريكية تحفظات بشأن إرسال مزيد من المخزونات والقوات إلى منطقة الخليج، في ظل التداعيات التي يمكن أن تترتب على ذلك في مناطق أخرى.
وتعززت المخاوف في غشت الماضي، عندما كشف مسؤولون أمريكيون كبار لصحيفة «نيويورك تايمز» أن استنزاف مخزونات الأسلحة الأمريكية نتيجة الحرب على إيران وصل إلى مستويات مقلقة، وأن واشنطن اضطرت إلى سحب ذخائر مخصصة لآسيا وأوروبا. كما نقلت التقارير أن وزارة الحرب الأمريكية اضطرت إلى نقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط بصورة عاجلة، وهو ما انعكس على صيانة المعدات ومعنويات القوات.
وبذلك لم تعد تكلفة الحرب مرتبطة فقط بما يحدث في الخليج، وإنما أصبحت تمتد إلى قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على انتشارها العسكري العالمي.
إيران تراهن على المخزون والإنتاج تحت الأرض
يقدم الجانب الإيراني صورة مختلفة تماما. فحسن رويوران، أستاذ العلوم السياسية، يرى أن إيران لا تعاني أزمة في الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، مؤكدا أن مصانعها العسكرية موجودة تحت الأرض وتواصل إنتاج الأسلحة، وأن طهران ما زالت تمتلك مخزونا كبيرا منها.
وبحسب تقييمه، لم تستخدم إيران سوى ما بين 10 و15 في المائة من مخزونها، بينما لا تزال تحتفظ بنحو 85 في المائة من قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن المعركة ما زالت بعيدة عن استنزاف الترسانة الإيرانية بالمستوى الذي قد يجبر طهران على التراجع عسكريا.
لكن التباين بين الروايتين يكشف عن عنصر آخر في الحرب: المعركة المعلوماتية. فكل طرف يحاول تقديم صورة عن قدرته على الصمود، في حين يحاول إظهار أن الطرف الآخر يواجه نقصا، أو ضغوطا متزايدة. ولهذا أصبحت تصريحات القادة والتسريبات العسكرية جزءا من إدارة المعركة، لا مجرد وصف لما يحدث على الأرض.
مسيّرات فوق هرمز ورسائل متبادلة
دخلت الطائرات المسيّرة على خط التصعيد بقوة. فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني، أمس الثلاثاء، إسقاط طائرة مسيّرة أمريكية من طراز «إم كيو-1»، غرب مضيق هرمز، وقالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إن منظومة الدفاع الجوي رصدتها قبل استهدافها وإسقاطها.
وفي الوقت نفسه، أعلنت محافظة هرمزغان تعرض قاربي صيد قرب رصيف كارغان في مدينة ميناب لهجوم بطائرة مسيّرة أمريكية، مشيرة إلى أن الصيادين الموجودين على متن القاربين ما زالوا في عداد المفقودين.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق المواجهة من استهداف المنشآت العسكرية إلى المجال البحري والجوي المحيط بالممرات التجارية، وهو ما يزيد صعوبة الفصل بين النشاط العسكري والحركة المدنية في منطقة تعتمد عليها التجارة العالمية.
من هرمز إلى باب المندب.. شريانان تحت الضغط
إذا كان مضيق هرمز يمثل بوابة رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، فإن باب المندب يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن انتقال اضطراب الملاحة من أحد المضيقين إلى الآخر يضاعف المخاطر.
وأظهرت بيانات كبلر عبور 21 سفينة لنقل السلع عبر باب المندب، يوم الاثنين، مقارنة بـ28 سفينة في اليوم السابق. ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع تصاعد المواجهات في اليمن والهجمات الحوثية على السعودية، بما يزيد المخاطر على السفن التي تمر عبر البحر الأحمر.
ويكتسب الوضع أهمية أكبر بعد التطورات الأخيرة في جزيرة ميون، الواقعة عند مدخل باب المندب. فقد أعلن جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، أن واشنطن أجرت محادثات مباشرة مع الحوثيين بشأن التطورات الميدانية في اليمن، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية تتواصل أيضا مع السعودية، ومبديا قلق بلاده من استيلاء الحوثيين على الجزيرة.
وقال فانس إن الولايات المتحدة تتابع التطورات عن كثب، في ظل سرعة تغير الأوضاع على الأرض، مؤكدا أن واشنطن ستواصل مراقبة ما يجري بما يضمن مصالحها.
لكن القيادي الحوثي محمد البخيتي نفى أن تكون الجماعة قد تواصلت مع ترامب، أو طلبت منه عدم مهاجمتها، في رواية تتناقض مع تصريحات الرئيس الأمريكي السابقة التي قال فيها إن الحوثيين طلبوا من واشنطن عدم التدخل في اليمن.
ويحمل التواصل الأمريكي المباشر، بصرف النظر عن تفاصيله، دلالة سياسية وعسكرية مهمة، لأنه يأتي في وقت أصبحت فيه تحركات الحوثيين في الساحل الغربي اليمني وباب المندب جزءا من الحسابات الأوسع المرتبطة بالحرب مع إيران.
الدبلوماسية تتراجع أمام تصاعد المخاطر
بينما ترتفع المخاطر في البحر، تتعثر الجهود السياسية. فقد أرجأت دول خليجية محادثات كانت مقررة مع إيران في سلطنة عُمان، لبحث ترتيبات محتملة بشأن مضيق هرمز. وقالت إيران إن التأجيل جاء بناء على طلب السعودية، دون تحديد موعد جديد لاستئناف المفاوضات.
ويأتي ذلك في وقت أعاد فيه ترامب الحديث عن انفتاحه على التوصل إلى اتفاق مع إيران، بينما قال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن طهران لن تدخل في مفاوضات، ما لم تتم تلبية شروطها.
وهنا تبدو الأزمة عالقة بين مسارين متناقضين: مسار عسكري يتصاعد على الأرض، ومسار سياسي يحاول فتح نافذة للتفاوض، دون أن يمتلك حتى الآن الشروط الكافية لضمان نجاحه.
انتخابات أمريكية وحرب مفتوحة على الحسابات
لا يمكن فصل مستقبل الحرب عن الحسابات السياسية الأمريكية. فقد تحدث ترامب عن إمكانية انتهاء الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نونبر المقبل، وهو ما ربط استمرار المواجهة بشكل مباشر بالتوقيت السياسي الداخلي.
لكن الخبراء يختلفون حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة الحرب إلى ذلك الموعد. فبينما يرى منيمنة أن القرار السياسي يبقى العامل الحاسم، يشير رويوران إلى أن الحرب لم تحظ منذ بدايتها بتأييد واسع داخل الولايات المتحدة، وأن أكثر من ثلثي الأمريكيين، وفقا لتقييمه، يرفضونها، إلى جانب وجود أصوات معارضة داخل الحزب الجمهوري نفسه.
ويضع ذلك إدارة ترامب أمام معادلة صعبة: الحفاظ على صورة القوة والقدرة العسكرية من جهة، وتجنب حرب طويلة تستنزف المخزونات والموارد وتزيد الضغوط السياسية والاقتصادية من جهة أخرى.
حرب واحدة وأزمة ممتدة إلى العالم
ما يحدث في هرمز وباب المندب يكشف أن الحرب الإيرانية الأمريكية لم تعد مواجهة محصورة بين دولتين. فكل ناقلة نفط تتعرض للاستهداف، وكل سفينة تؤجل عبورها، وكل صاروخ اعتراضي يُطلق، وكل وحدة عسكرية تُنقل من آسيا أو أوروبا إلى الخليج، يضيف طبقة جديدة إلى تكلفة الصراع.
ومع مرور نحو 20 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عبر هرمز، وارتباط باب المندب بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، فإن استمرار الاضطراب في المضيقين قد يحول الحرب إلى أزمة عالمية في الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد.
وفي الوقت الذي يحاول فيه كل طرف إظهار أنه قادر على مواصلة القتال، تكشف حركة السفن وتراجعها عن وجه آخر للحرب: قدرة الممرات البحرية على التحمل ليست بلا حدود، كما أن المخزونات العسكرية، مهما كانت ضخمة، ليست غير محدودة. وبينما تستمر الصواريخ والمسيّرات في التحليق فوق هرمز واليمن، تزداد قيمة الدبلوماسية باعتبارها الطريق الأقل كلفة لوقف نزيف يتجاوز ساحات القتال، ويمس شرايين الاقتصاد العالمي نفسها.





