
يونس جنوحي
الرقم الذي أعلن عنه الاتحاد الأوروبي بخصوص طلبات اللجوء، يستحق وقفة تأمل.
الاتحاد يقول إن عدد الطلبات عرف انخفاضا كبيرا، وعدد الطلبات المسجلة هذا العام هو الأدنى منذ سنة 2021.
بسبب تطور الأوضاع في سوريا وبداية عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، سجل انخفاض في أعداد المقدمين على طلبات اللجوء لدى دول الاتحاد الأوروبي. هذا الاستنتاج فسر به مسؤولو الاتحاد هذا الانخفاض، لكن المتخصصين في قضايا الهجرة لديهم رأي آخر.
ليس كل من يقدم طلب اللجوء إلى دولة أوروبية، يعاني فعلا من وضع إنساني عصيب في بلده الأصلي. هناك طلبات ملفات أضاع فيها الاتحاد الأوروبي وقت موظفيه ومصالحه في عواصم أوروبا، قبل أن يبت فيها أخيرا بقرار الرفض، بعد أن اتضح لهم أن الأمر يتعلق برغبة جامحة في الاستقرار في الرقعة الأوروبية بشكل قانوني، حتى لو اقتضى الأمر الحرمان من حق العودة إلى البلد الأصلي.
الملفات المرفوضة عادة ما يضع أصحابها أسبابا واهية وراء طلب اللجوء، مثل التعرض للتضييق، بسبب رفض ارتداء الحجاب في البلدان العربية الإسلامية، أو الحرية الجنسية لأشخاص فضلوا الادعاء بأنهم مثليو الجنس في مقابل الحصول على الجواز الأوروبي، أو الإقامة الدائمة في أسوأ الحالات.
هذا دون احتساب حالات الرفض لملفات ادعى أصحابها أنهم يتعرضون لمضايقات من طرف حكومات بلادهم، بسبب مواقفهم وآرائهم. قبل أن يتضح أن الأمر يتعلق بمحاولة استغلال ملفات قضائية والهرب من الأحكام في بلدانهم الأصلية.
المثير أن الملفات المتعلقة بالحرية الجنسية لم تكن مقنعة حتى لأصحابها، بعد أن تم عرضهم على الخبرة النفسية، للتأكد ما إن كانوا فعلا «مستوفين» للشروط المطلوبة في تلك الحالات، ليظهر في الأخير أن الأمر يتعلق بالتفاف على مساطر دول الاتحاد الأوروبي لاستخراج جوازات سفر والحصول على جنسية دولة من دول الاتحاد.
يبقى موضوع ملفات طلب اللجوء المتعلقة بادعاءات تعرض المرشحين لمضايقات في بلدانهم، بشكل يهدد سلامتهم الشخصية وسلامة عائلاتهم، في دول لا تعرف انقلابات عسكرية ولا أنظمة ديكتاتورية.
طلبات اللجوء في هذا النوع، عادة ما توضع بعد أن ينجح أصحابها في دخول دول الاتحاد الأوروبي من النافذة وليس من الباب. الرحلة تبدأ من تركيا وتمر عبر اليونان، وصولا إلى الدول المفضية إلى بلدان الاستقرار النهائي، خصوصا إيطاليا وفرنسا، ثم ألمانيا. وهناك من يجربون حظهم مع دول مثل النرويج، رغم التحذيرات من تدقيق الدول الإسكندنافية في كل الطلبات والتأكد من الادعاءات، وهو ما يجعل المسطرة تأخذ وقتا أطول، وقد يكون القرار النهائي هو الرفض بكل بساطة.
انخفاض عدد طلبات اللجوء لا يمكن ربطه بالواقع السياسي في الدول التي تأتي منها هذه الطلبات، بقدر ما يرتبط أساسا بتوالي حالات الرفض، وتشديد دول الاتحاد في التعامل مع الملفات.
المرشحون ليس لديهم الوقت الكافي لانتظار استيفاء كل المساطر التي يمر منها الطلب. إذا كان طلب اللجوء يستغرق وقتا أطول، فإنهم يفكرون على الفور في طرق أخرى لضمان البقاء في دول الاتحاد الأوروبي، وعدم التعرض للترحيل الفوري صوب بلدانهم الأصلية.
مسؤولو الاتحاد الأوروبي يعرفون أكثر من غيرهم أن انخفاض عدد المقدمين على طلبات اللجوء لا يعني أبدا انخفاض تدفق حركة الهجرة.. عندما أعلنت إسبانيا، العام الماضي، تسوية وضعية المقيمين فيها بشكل غير قانوني، كانت المفاجأة توارد مئات آلاف الطلبات لمهاجرين غير شرعيين كانوا ينتظرون فرصة مشابهة.
في النهاية، يظهر دائما أن أوروبا تتسع للمزيد من المهاجرين. ألمانيا تعلن عن حاجتها إلى اليد العاملة المكونة في المهن والحرف. وإسبانيا لا تتوقف حاجتها إلى العاملين في مجال الفلاحة، لكن القائمين على شؤون الاتحاد، واليمين المتطرف، يعطون الانطباع دائما أن أوروبا سوف تنفجر في أي لحظة، كما لو أن المهاجرين ينامون فوق بعضهم البعض.




