
هل كنت تعتقد بأنك ستدخل التاريخ من بوابة أولمبياد لوس أنجلس؟
قبل المشاركة في هذا الحدث الكوني، استفدت كثيرا من الهزات السابقة التي عشتها، خاصة خسارتي في الألعاب الجامعية بالمكسيك، حين تذيلت ترتيب سباق 1500 متر. بدأت أعرف أن الركض وحده لا يكفي والطموح وحده لا يفي بالمطلوب، لذا اعتمدت على مدير أعمالي الإيطالي، بحكم أنني كنت مقيما في إيطاليا، ورسمنا خارطة الطريق نحو منصة التتويج وليس نحو الذهب الأولمبي.
لكنك ستتحول من عداء متخصص في 1500 متر إلى عداء يخوض سباقات 5000 متر، كيف جاء هذا التحول؟
لازلت أتذكر أحداث وتفاصيل دورة الألعاب الأولمبية التي جرت في لوس أنجلس، صيف سنة 1984. توجهت إلى هذا البلد وأنا مصمم على خوض سباق 1500 متر، لم أكن آنذاك مستعدا لمسافة 5000 متر. كنت متوترا في الأيام الأولى وأعد نفسي لخوض مسافتي 800 متر و1500 متر التي تركز على السرعة.. بل إن مدير أعمالي، الذي كان يقوم بالإجراءات الإدارية مع اللجنة المنظمة، سجل اسمي في لوائح ثلاثة سباقات وهي 800 متر و1500 و5000 متر، دون أن يشعرني بالأمر. إلا أن إصابة مفاجئة حصلت وأنا أتهيأ للمشاركة في سباق 1500 متر، فطلب مني الطبيب تفادي الإجهاد وبدأت أفكر في العودة إلى إيطاليا وإعلان انسحابي من الأولمبياد، قبل أن يقترح علي مدير أعمالي المشاركة في سباق لا يتطلب السرعة الفائقة، فكانت المشاركة في سباق 5000 متر، علما أن هذا الاختيار ظل سرا.
رغم الإصابة لم تفقد الأمل..
تعرضت لإصابة قبل انطلاق الأولمبياد وأنا أحضر نفسي لسباق 1500 متر، دائما ما كنت أتعرض لأعطاب متفاوتة الخطورة قبل المسابقات العالمية، سيما في السباقات التي تتطلب السرعة. قررت رفقة مدير أعمالي ألا نعود إلى إيطاليا، بعد أن اقترح علي خوض سباق 5000 متر وهو سباق تكتيكي، إذ فكرت في المقترح وبدأت أعد نفسي لهذه المسابقة وأراقب العدائين. كانت التصفيات تجرى بشكل يومي، الآن تغيرت الأمور يا ليتني كنت عداء اليوم. حين شاركت في التصفيات لم يكن ترتيبي مع الأوائل، واعتقد المغاربة أن الاختيار سيئ، وبدأت الانتقادات، لكني سأفوز بالميدالية الذهبية في سباق 5000 متر ضمن ألعاب القوى الأولمبية الصيفية لعام 1984 في لوس أنجلس، بعد أن بسطت سيطرتي على السباق من خلال مراقبة ما يجري حولي بيقظة. هذا الإنجاز سيدخلني إلى العالمية بل وسأحظى برعاية وتكريم خاص من الملك الراحل الحسن الثاني.
لماذا لم تتدخل الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى ووزارة الرياضة في هذا الاختيار؟
كان الوزير يتردد علي في الفندق.
تقصد في القرية الرياضية؟
لا في الفندق، لأن المستشهر، الذي كنت متعاقدا معه، وفر لي ظروف استعداد وتحضير مثالية بعيدا عن القرية الأولمبية وضجيجها. في الفندق كان وزير الشباب والرياضة، عبد اللطيف السملالي يتردد علي، يتناول معي القهوة أو وجبة عشاء، لكنه لم يتدخل في اختياراتي وتركني لحال سبيلي. لم يناقش معي الأمور التقنية عكس ما حصل لي مع مدير الرياضات في الوزارة ذاتها الذي كاد يحطم مستقبلي.
تتحدث عن مدير أعمال وكأنك لم تكن تتوفر على مدرب..
أنا من العدائين القلائل ممن يفضلون الاشتغال بدون مدرب، أنا أدرب نفسي، أنا مدرب عويطة. في فترة سابقة كان لي مدرب وأنا في بداياتي مع الدفاع الفاسي، وكان لي مدرب فرنسي، لكن منذ سقطة مكسيكو في الألعاب الجامعية، قررت أن أستشير عويطة وأتحدث معه في الأمور التقنية بمساعدة مدير أعمالي والطبيب ووالدتي وأسرتي. لقد سمعت ما سمعته من تأنيب من وزارة الرياضة عبر مديرها، ومنذ ذلك الحين لم أفتح موضوع تحضيراتي مع الوزارة، إذ تبين لي أن القرار التقني والذهني يجب أن أشارك فيه أنا كعداء وألا أكون مجرد شخص يركض كالحصان كي لا أقول شيئا آخر بتعليمات فوقية.
ماذا حصل بعد الفوز في سباق لم تستعد له؟
اتصل بي الوزير عبد اللطيف السملالي في الملعب وأنا في غاية السعادة بالذهب الأولمبي، وقال لي إن الملك الحسن الثاني سيتحدث إليك بعد دقائق، هيأت نفسي للحظة الجميلة. ما أن فزت بالذهب الأولمبي وما أن وقفت فوق المنصة لتطويق عنقي بالذهب، حتى شعرت بأنني عريس تلك الأمسية، تذكرت بداياتي، تذكرت الفقر والهشاشة، تذكرت الوعد الذي قطعته على نفسي أمام الملك، في مركب محمد الخامس بالدار البيضاء، حين قلت له:
«سأفوز بميدالية ذهبية»




