
خالد عنوز
متصرف تربوي
يندر أن تجد في تاريخ الوظيفة العمومية بالمغرب قطاعا أُفرغ من شحنته الإصلاحية بمثل تلك السرعة والكيفية التي طبعت مسار إطار «متصرف تربوي» بوزارة التربية الوطنية. لقد ولد هذا الإطار وفي رحم النصوص المؤسساتية وعدٌ يقيني بإعادة هيكلة مؤسسات التعليم العمومي، والقطع مع إرث الإدارة البيروقراطية الكلاسيكية التي كانت تتعامل مع مدير المؤسسة التعليمية بوصفه مجرد موظف ينفذ وتنحصر مهامه في ضبط الغياب وجلب المراسلات وتوجيهها .
كان الرهان المفترض والمتوخى والمعلن عنه هو خلق جيل جديد من القيادات التربوية، قادرة على التخطيط الاستراتيجي، وتدبير المشاريع وقيادة التغيير نحو جودة الأداء التربوي والإداري. غير أن الفلسفة التي بنيت عليها هذه الهندسة الإدارية اصطدمت سريعا بواقع إداري مأزوم، يعشق الشعارات الرنانة ويهرب من تكاليف تنزيلها الفعلي على أرض الواقع، لتتحول فلسفة «المدبر المحترف» إلى مجرد واجهة لغوية تخفي وراءها واقعا ميدانيا عسيرا وفراغا تشريعيا مؤطرا.
إن المتابع للوضعية المهنية والمادية لمنتسبي هذا الإطار يقف وجها لوجه أمام مفارقة جارحة تتجلى في حجم المهام وتواضع الجبر… لقد تُرك المتصرف التربوي في الواجهة الأمامية للمؤسسات التعليمية (PARE-CHOC)، يواجه بمفرده أعطاب منظومة مترامية الأطراف؛ فهو مطالب بتدبير الموارد المادية والبشرية، واحتواء رغبات وصراعات الأطقم التربوية واستيعاب غضب الأسر…، فضلا عن العمل على تنزيل برامج إصلاحية متتالية دون أدنى مواكبة ميدانية حقيقية أو استقلالية فعلية. والأدهى من ذلك أن الوزارة الوصية أمعنت في إثقال كاهل هذا الإطار بمهام خارجة عن صميم اختصاصاته الأصلية، من دون أن تقابل ذلك بتحفيز مادي يعادل حجم الجهد النفسي والبدني والذهني المبذول، وبدون حماية قانونية تحصنه من تبعات الاصطدام اليومي بمشاكل لا حصر لها ونقص في الأطر المساعدة. هذا الوضع حول المتصرف التربوي من عنصر فاعل في الحياة المدرسية إلى شماعة تعلق عليها كل إخفاقات المنظومة، وهو ما يعكس تنكرا صريحا لوعود وغايات تأسيس وإحداث الإطار.
من زاوية أخرى، لا يمكن فهم عمق الأزمة دون الغوص في طبيعة التكوينات التي تلقتها هذه الفئة، والتي شكلت في مجملها مرآة عاكسة لارتجالية وضبابية التدبير الوزاري. فقد تراوحت تلك التكوينات بين نظريات أكاديمية عمومية مفارقة لواقع الميدان، ومجزوءات تكوينية تم إعدادها على عجل لتلبية أجندات مستعجلة وشكلية، وبالتالي لم تمنح هذه التكوينات للمتصرف التربوي الأدوات الحقيقية لمواجهة تعقيدات الحياة المدرسية اليومية، بل زادت من إحساسه بالغربة وسط دواليب إدارة لا تتقن سوى لغة الإملاءات الفوقية. وحين يعجز التكوين عن بناء كفاءة ميدانية صلبة، وتغيب العدالة الأجرية، تصبح الاحتجاجات المستمرة والوقفات الغاضبة أمرا طبيعيا ومتوقعا، لتعبر عن حنق جماعي تجاه سياسة تسويف تنهجها الإدارة في معالجة الملفات المطلبية الحارقة.
هذا الاحتقان المتواصل أفرز خريطة تنظيمية معقدة ومشتتة تعكس بدقة حجم التيه الذي يعيشه الإطار داخليا؛ فالبداية كانت مع التنسيقيات التي حملت مشعل التنديد بالوضعية الوجودية والمهنية والاعتبارية والمادية، ثم تبلورت الرغبة في التأطير المؤسساتي عبر تأسيس نقابة خاصة (نقابة المتصرفين التربويين-SAP- ) في محاولة لاستنساخ نموذج المفتشين، بينما اختار آخرون مواقعهم داخل النقابات عبر سكرتاريات ومكاتب فرعية، إلى جانب جمعيات المديرين التي تدافع من زوايا تدبيرية بحتة… هذا التعدد والتشتت في الواجهات النضالية لا ينم عن ضعف في الوعي، بل هو ترجمة حية لغياب مخاطب رسمي جاد يستوعب التحولات السوسيو مهنية لهذه الفئة، ودليل قاطع على عجز الوزارة عن بناء جسور ثقة حقيقية مع قاعدتها التدبيرية وامتدادها في الميدان.
أما عن الآفاق الراهنة لإطار «متصرف تربوي»، فهي تبدو محفوفة بالغموض ومطوقة بضبابية سياسات الوزارة التي تبدو عاجزة عن بلورة رؤية استراتيجية واضحة ومستدامة. إن التعامل المرتجل مع هذا المكون البشري الاستراتيجي داخل المنظومة يكرس سياسة ربح الوقت وتطويق الأزمات عوض حلها من جذورها، فبدون نظام أساسي عادل يرفع الحيف ويقر تعويضات قانونية تنصف هذا الإطار وترقى إلى مستوى دوره ومكانته، وبدون توضيح دقيق للمهام يفصل بين ما هو إداري محض وما هو تربوي تأطيري، ستظل المدرسة العمومية تدور في فلك الأزمات الهيكلية.
فهل تدرك الوزارة -وقد تجدد هرمها- أن واحدا من بين مداخل إصلاح المنظومة التربوية يبدأ حتما من إنصاف سواعدها الإدارية؟ أم أن مسلسل التبخيس وتوليد الاحتقان سيبقى هو العنوان الأبرز لتدبير قطاع التعليم بالمغرب؟





