
يونس جنوحي
حرّ يونيو يقتحم الأجواء، ولا يزال الملف الأمريكي الإيراني مشتعلا منذ فبراير الماضي، إذ إن توقف الضربات تعقبه دائما هزات سياسية أعنف..
وطيلة الأسابيع الماضية، خُصصت مئات المقالات في الصحف الدولية الكبرى والأكثر انتشارا، عن نجاعة الوساطة الباكستانية في حل هذه الأزمة.
القوى الاقتصادية الكبرى حول العالم، لا تثق في هذه الوساطة بالضرورة، وهذا ما كشفته معطيات أمطرت المقالات في الصحف الدولية، وتتابعها بغير قليل من التوجس. لماذا؟
التوترات السياسية التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط «تُسائل» مصداقية وساطة باكستان في الملف الأمريكي الإيراني.
وفي الوقت الذي تشغل فيه الحكومة الباكستانية حيزا في المشهد، وتقدم نفسها قوة وساطة لحل أكبر أزمة يعرفها الكوكب هذا العام، يتراجع إلى الخلف مشهد آخر يتعلق بالأزمة الباكستانية الأفغانية.. وهو ملف شائك أيضا.
باكستان هاجمت أخيرا منطقة «كونار»، شرق أفغانستان، وهو أول تصعيد من نوعه، بعد محادثات سلام سابقة كان الهدف منها وأد الحرب الباكستانية الأفغانية بداية 2026.
الواقعة تُسائل مدى التزام إسلام آباد برعاية الاستقرار في محيطها المباشر أولا، قبل المحيط الإقليمي الذي يؤثر على العالم أجمع.
وكالة «خاما» الأفغانية، نشرت مقالات هذا الأسبوع، كان الهدف منها إخراج النقاط الخلافية إلى الضوء. ومن بين أقوى ما جاء فيها: «في الوقت الذي تسعى فيه باكستان إلى إبراز نفسها كوسيط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لا تزال تخوض، بنشاط، صراعا مع دولة مجاورة، ولا يزال الضحايا الرئيسيون فيه من المدنيين الأبرياء. وهذا التناقض يُضعف ادعاءها الحياد، ويعزز المخاوف بشأن مدى ملاءمتها لدور الوسيط الموثوق به».
الولايات المتحدة أعلنت رسميا، منتصف ماي الماضي، عن تعليق زيارة مبعوثيها، وهو القرار الذي سبقه إعلان مغادرة ممثل الخارجية الإيرانية.. وهي معطيات ووقائع تكشف أسباب تعثر جولة المحادثات الثانية.
طار قائد الجيش الباكستاني إلى مسقط، للحصول على الدعم العُماني لإحياء المحادثات التي وصلت إلى مرحلة «السكتة القلبية». وهو ما يكشف أن إسلام آباد لم تتمكن من الحفاظ على الثقة مع القطبين الرئيسيين المعنيين أساسا بالأزمة.
التقرير يقول إن مخاوف إيران صارت واضحة بشكل متزايد، لأنها لم تعد تنظر إلى باكستان على أنها وسيط موثوق به. هذه المخاوف وصلت حد الشك في أن باكستان تنقل رسائل بشكل غير متسق أو غير دقيق بين الجانبين. وهذا ما نشرته صحف إيرانية أيضا، وبدا واضحا أنها ليست سوى «رجع صدى» لما يدور في الأوساط الرسمية الإيرانية.
هناك أوساط في السلطة الإيرانية تعتقد بوضوح أن المسار الذي تتخذه باكستان حاليا قد يكون بمثابة غطاء للولايات المتحدة، لإعادة تموقعها العسكري في الشرق الأوسط، خصوصا مع استعادة الأدوار التي لعبتها باكستان في الماضي.
قد تنتقل الوساطة إلى سلطنة عمان في المستقبل، لتصبح مسقط عنوانا جديدا لوساطة بين أمريكا وإيران، وطي هذه الصفحة نهائيا.
المرحلة التي وصلت إليها الأزمة، لم تعد تسمح بنقاش «الورطة» الأمريكية في المنطقة، أو استعادة الأحداث أو حتى المقارنة بين تصريحات الرئيس الأمريكي عند اندلاع الحرب، وعند إغلاق مضيق هرمز. العالم لم يعد يتحمل حربا أخرى.. فما بالك بوسطاء يخوضون حروبا في الباحة الخلفية.





