شوف تشوف

عدو الداخل

لعل أحد أهم نتائج التدخل العسكري للجيش المغربي لتحرير معبر الكركرات هو أنه زاد من تلاحم كل مكونات الشعب المغربي ورفع منسوب الشعور الوطني إلى درجات غير مسبوقة وحفز معنويات الأمة وجعل الجميع يلتف حول الجيش وقائده الأعلى الضامن لوحدة البلاد وأمنها داخل حدودها الحقة.
لقد أظهرت مؤسسة الجيش أنها قادرة على دحر كل عدو خارجي تسول له نفسه التحرش ببلادنا، لكن هناك اليوم عدوا داخليا لا يقل شراسة يهدد أمن البلد الداخلي وهو الوباء الذي يتغلغل كل يوم بشكل أكبر ويصيب ماكنة الاقتصاد بأعطاب قاتلة.
في حوار شامل أعطاه جون كاستيكس الوزير الأول الفرنسي لجريدة لوموند قال إن حكومته ستقدم خطة عمل للتعايش مع الفيروس على المدى البعيد، مما يعني أن دولة قوية كفرنسا تستعد لكي تتعايش مع الوباء حتى في ظل وصول اللقاح والشروع في تلقيح المواطنين ابتداء من العام المقبل.
ونحن في المغرب بفضل الرؤية الملكية نعد أول بلد في العالم سيشرع في تلقيح مواطنيه بعد أسبوعين أو ثلاثة من اليوم، وإذا مرت العملية في ظروف جيدة كما هو مخطط لها فإنه من المرتقب أن ينتهي المغرب من تلقيح مواطنيه في بداية 2021.
فهل لدى الحكومة خطة للتعايش مع الفيروس خلال هاتين السنتين خارج التدابير والإجراءات الحالية التي أظهرت قصورها وعدم قدرتها على كسر سلاسل العدوى؟
أعتقد أنه بالموازاة مع التقرير اليومي الذي تنشره وزارة الصحة حول أعداد المصابين والمتعافين والموتى ونسبة الإماتة بسبب الفيروس على وزارة الاقتصاد والمالية أن تنشر تقريرا يوميا حول أعداد المقاولات التي أصيبت بفيروس الركود وتلك التي ماتت بسبب الإفلاس مع إعطاء نسبة الإماتة في صفوف المقاولات والشركات وأعداد العاطلين عن العمل.
وعلى ذكر البطالة فبسبب كورونا فقد المغرب 589 ألف منصب شغل خلال غشت الماضي، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى 12,3٪.
هكذا أعتقد ستكون لدينا صورة واضحة عن الواقع الصحي والاقتصادي للبلد، مما سيحتم علينا البحث، بانتظار اللقاح، عن طريقة للتعايش مع الفيروس على المدى المتوسط والبعيد.
هناك اليوم تقريبًا ثلاثة نماذج عالمية في التعامل مع الجائحة، هناك النموذج الصيني الذي استطاع بنجاح القضاء على الفيروس وإطلاق الاقتصاد وذلك بفرض قيود صارمة على حريات وحركة المواطنين واستعمال الحزب الحاكم للذكاء الاصطناعي لضبط تحركات المخالطين، وهناك النموذج الأمريكي الرأسمالي الذي لم يفرض ارتداء الكمامات ولا الحجر الصحي واختار فتح الاقتصاد رغم تسجيل إصابات بالملايين، وهناك النموذج الأوربي وفيه ثلاثة نماذج على الأقل نموذج فرنسا وبقية دول أوروبا الغربية التي اختارت العودة إلى الحجر مع دفع فاتورة ذلك غاليا على المستوى الاقتصادي، باستثناء ألمانيا التي تتحكم جيدا في تدبير الجائحة دون خنق اقتصادها، وهناك نموذج الدول الإسكندنافية وعلى رأسها السويد التي لم تفرض لا حجرا ولا وضع الكمامات واستمرت في حياتها الطبيعية بحثًا عن مناعة القطيع.
نحن في المغرب لم تقدم الحكومة أي نموذج بعد ولم تعرض أية خطة للتعايش مع الفيروس لا على المستوى البعيد أو المتوسط أو القريب، فكل ما تصنعه الحكومة هو أنها تدبر اليومي دون أن تتوفر على خارطة طريق، وهي عاجزة اليوم حتى عن توفير الأكسجين لمرضى كورونا الذين يموتون اختناقًا.
لقد تحمل الملك مسؤوليته كضامن لاستقرار المملكة وسلامة المواطنين، وأمر الجيش بتحرير معبر الكركرات وتأمين مرور التجارة عبره، مثلما قام بكل ما يلزم لتأمين اللقاح لمواطنيه بشكل مبكر لوقف زحف الفيروس القاتل، لكن ماذا صنعت الحكومة لكي توقف اختناق المقاولات واحتضار الشركات ونزيف الاقتصاد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى