
صادقت لجنة الداخلية بمجلس النواب، أخيرا، على مشروع قانون يتعلق بالوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، قدمته وزيرة الإسكان والتعمير وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري. ويهدف إلى حل الـ30 وكالة حضرية المتواجدة حاليا بمختلف الأقاليم والعمالات، وتعويضها بـ12 وكالة جهوية ستكون متمركزة بعواصم الجهات.
وتضم شبكة الوكالات الحضرية بالمغرب 30 وكالة تم إنشاؤها تدريجيا خلال الفترة الممتدة ما بين سنتي 1984 و2013. وتخضع هذه المؤسسات العمومية، التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، لوصاية القطاع الحكومي المكلف بالتعمير وإعداد التراب الوطني، ويدير الوكالات مجلس إدارة ويدبر شؤونها مدير، باستثناء الوكالة الحضرية للدار البيضاء التي يرأسها عامل وتخضع لوصاية وزارة الداخلية.
وعلى الرغم من مساهمتها في التطور المهم الذي حققه المغرب في مجالي التعمير وإعداد التراب ومراكمتها لخبرة تتجاوز 30 سنة، ما زالت ممارسة الوكالات الحضرية لمهامها تتسم بمجموعة من أوجه القصور في ظل بيئة تعرف تدخل العديد من الفاعلين وتتداخل فيها رهانات مهمة ذات ارتباط وثيق بالتنمية الحضرية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وتواجه الوكالات الحضرية، في قيامها بالدور المتعلق بإعداد وثائق التعمير، العديد من المعيقات المرتبطة، من جهة، ببطء الإجراءات وتعقيدها وبتعدد الفاعلين المتدخلين في العملية وكذا صعوبة الوصول إلى المعلومة، ومن جهة أخرى بنقص مواردها المالية والبشرية، سيما في ما يخص بعض الكفاءات المتخصصة والإكراهات المرتبطة بحدود اختصاصها الترابي.
قطاع التعمير بالمغرب يتم تسييره بعدة رؤوس والقرارات فيه ليست فردية، لذلك من الصعب تحديد المسؤوليات، وحتى في تنزيل بعض القرارات والدوريات الوزارية هناك اختلاف في فهم هذه الدوريات بين الوكالات الحضرية، وعلى سبيل المثال، القرارات المشتركة الصادرة أخيرا بين وزير الداخلية ووزيرة السكنى والتعمير، المتعلقة بتبسيط مصادر الترخيص بالعالم القروي، وبمنح رخص تسوية البنايات المخالفة للقانون، حيث هناك وكالات حضرية التقطت الإشارة وقامت بتفعيل هذه الدوريات وهناك وكالات ضربتها بعرض الحائط.
وأخطر من ذلك أن بعض مديري الوكالات الحضرية أصبحوا يملكون سلطة تفوق سلطة الوزراء ويرفعون التحدي في وجه الجميع، وتحولت إلى نموذج في عرقلة ملفات الاستثمار والتأخر في دراستها، إلى درجة أن هناك عددا كبيرا من ملفات الاستثمار محتجزة بمقرات الوكالات الحضرية دون إبداء الرأي بشأنها، علما أن رأي الوكالة ملزم حسب قوانين التعمير، الأمر الذي يثير موجة استياء عارم في صفوف المستثمرين.
أما مدينة الدار البيضاء فتعرف حالة متفردة بالمغرب، لأن مدير الوكالة الحضرية هو برتبة عامل تابع لوزارة الداخلية، ولا سلطة لوزيرة الإسكان عليه.
فملفات الاستثمار تُودَع مكتملة، لكنها تُواجَه بملاحظات متكررة ومتغيرة، تأويلات انتقائية لتصاميم التهيئة واجتهادات لا تستند دائمًا إلى نص قانوني واضح. مشروع يُقبَل في مدينة، ويُرفَض في أخرى، ليس لاختلاف القانون، بل لاختلاف القراءة والتأويل، وهنا يبدأ العبث.
هذا التداخل في المهام والصلاحيات هو السبب وراء إخراج القانون الجديد المتعلق بإصلاح الوكالات الحضرية، الذي يرمي إلى إحداث وكالات جهوية للتعمير والإسكان ستقوم مقام الوكالات الحضرية القائمة حاليا.
إذن، الوكالات الحضرية، بحكم موقعها الاستراتيجي، تملك سلطة حاسمة في مصير المشاريع الاستثمارية، غير أن هذه السلطة، حين تُمارَس دون آجال مضبوطة أو تعليل مُقنع، تتحول إلى أداة لعرقلة الاستثمار، وبذلك تكون الكلفة ثقيلة على الاقتصاد الوطني وخلق فرص الشغل.





