حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقارير

إيران والتنافس الشرق أوسطي.. التقاء وتصادم المشاريع

أوجه التشابه مع المشروع الإسرائيلي ومعالم التعارض مع الاستراتيجية التركية

إذا ما تجاوزنا القشور السطحية التي تظهر من خلال المهاترات والتراشقات الإعلامية والدعائية بين إيران وإسرائيل، فإننا سنرى تشابهاً مثيراً بين الدولتين في العديد من المحاور، حيث إننا سنجد أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما:

كلتا الدولتين تميل إلى تقديم نفسها على أنها متفوقة على جيرانها العرب (superior). إذ ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم العرب في الغرب والجنوب أقل منهم شأناً من الناحية الثقافية والتاريخية وفي مستوى دوني. ويعتبرون أن الوجود الفارسي على تخومهم ساعد في تحضرهم وتمدنهم ولولاه لما كان لهم شأن يذكر.

في المقابل، يرى الإسرائيليون أنهم متفوقون على العرب بدليل أنهم انتصروا عليهم في حروب كثيرة، ويقول أحد المسؤولين الإسرائيليين في هذا المجال لبارسي «إننا نعرف ما باستطاعة العرب فعله، وهو ليس بالشيء الكبير»، في إشارة إلى استهزائه بقدرتهم على فعل شيء حيال الأمور.

إذا ما أمعنا النظر في الوضع الجيو-سياسي، الذي تعيشه كل من إيران وإسرائيل ضمن المحيط العربي، سنلاحظ أنهما يلتقيان أيضاً حالياً في نظرية «لا حرب، لا سلام». الإسرائيليون لا يستطيعون إجبار أنفسهم على عقد سلام دائم مع من يظنون أنهم أقل منهم شأنا ولا يريدون أيضا خوض حروب طالما أنّ الوضع لصالحهم، لذلك فإن نظرية «لا حرب، لا سلام» هي السائدة في المنظور الإسرائيلي. في المقابل، توصل الإيرانيون إلى هذا المفهوم من قبل، واعتبروا أن «العرب يريدون النيل منا».

الأهم من هذا كله أن الطرفين يعتقدان أنهما منفصلان عن باقي المحيط ثقافياً وسياسياً وإثنياً، فالإسرائيليون محاطون ببحر من العرب ودينياً محاطون بالمسلمين السنّة.

أما بالنسبة لإيران، فالأمر مشابه نسبياً. عرقياً هم محاطون بمجموعة من الأعراق غالبها عربي خاصة إلى الجنوب والغرب، وطائفياً محاطون ببحر من المسلمين السنّة.

 

مواقف وتاكتيكات متشابهة

يعتمد كلا البلدين (إيران وإسرائيل) موقفاً متطابقاً وتاكتيكات متشابهة إزاء القضايا نفسها في العالم العربي:

1- على صعيد عملية السلام: ترفض إسرائيل السلام العادل والشامل جملة وتفصيلا، من خلال الشروط ومن خلال الأعمال على الأرض، وهذه نقطة في غاية الأهمية، ذلك أن السلام الشامل والعادل من شأنه أن يحجّم إسرائيل ويسحب منها ورقة التميز الإقليمي والسمو على القوانين والمواثيق الدولية، وينزع ورقة التفوق العسكري التي تستخدمها ضد الآخرين، ويحرمها من المساعدات المالية الخارجية التي تعتمد عليها (سيما من واشنطن) والأهم أنه يجعلها دولة عادية مما يجعل المواجهة بينها وغيرها إقليميا متكافئة من نواحٍ عديدة.

في المقابل، تخشى إيران أن يؤدي أي سلام بين إسرائيل والعرب إلى تهميشها إقليمياً بحيث تصبح معزولة، فالسلام بين إسرائيل والعرب يضرب مصالح إيران الاستراتيجية في العمق في هذه المنطقة ويبعد الأطراف العربية عنها، سيما سوريا، مما يؤدي إلى عزلها استراتيجياً، وتفقد ركيزة من ركائز تنفيذ مشروعها كما سبق وذكرنا. ولهذا تسعى دوماً إلى تأجيج الصراع بالوساطة وإفشال أي عملية سلام ممكنة (التقاء مصالح إسرائيلي-إيراني).

2- على صعيد البنية الاجتماعية للعالم العربي: تفتيت المجتمعات العربية والدول العربية من الداخل يعتبر أولوية لدى المشروعين الإيراني والإسرائيلي، والمراجع لنشاط الدولتين على هذا الصعيد في العالم العربي، منذ عقود وحتى اليوم، سيلاحظ ذلك، إذ إنّ الأولى تعمل على سياسة إقليمية قوامها تفتيت المجتمعات العربية سياسياً على قاعدة الممانعة، وطائفياً على قاعدة شيعي- سني، وسنياً على قاعدة إخواني- سلفي، وأما الثانية فتعتمد المنطق نفسه على أساس قومي- ديني- طائفي -أقليات.

3- على صعيد الاستقرار الإقليمي: كلا البلدين يعتمد على سياسة «التوتر المضبوط»، الأول تحت عنوان «الممانعة» والثاني تحت عنوان محاربة «الإرهابيين». فليس من مصلحتهما حصول فوضى شاملة تهدد أمنهما الداخلي، لكن التوتر المضبوط يستغلانه لتجييره في مكتسبات مشروعهما الإقليمي، ولذلك فإن كلا البلدين لا يجد في عامل الاستقرار الإقليمي عاملاً محفزاً لمشروعه.

4- على صعيد الازدهار الاقتصادي الإقليمي: كلا البلدين غير مهتم بذلك، فإسرائيل تعتمد اقتصادياً على صلاتها مع العالم خارج الإطار الإقليمي، سيما (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، كذلك على المساعدات الاقتصادية الأمريكية الاقتصادية والعسكرية ناهيك عن التسهيلات. أما إيران فهي دولة نفطية، واقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تدفق النفط ولا حاجة لها لموضوع تكامل أو ازدهار إقليمي شامل.

 

دوائر اصطدام إيران مع تركيا

 

يقوم المشروع التركي على رؤية «العمق الاستراتيجي» وسياسة «تصفير النزاعات» التي صاغها أحمد داوود أوغلو وتم البدء بتطبيقها مع مجيء حزب العدالة والتنمية العام 2002. ويعتقد كثيرون خطأً أن توجه تركيا إلى الشرق الأوسط يعني خروجها من الحيز الغربي وتخليها عن فكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فيما يرى آخرون أنها هجرت الغرب لتسعى إلى «عثمانية جديدة» وهو أمر غير دقيق.

وتهدف السياسة الخارجية التركية إلى المساهمة في تحقيق الاستراتيجية الكبرى للبلاد (Grand strategy) بالتحول إلى قوة عالمية مؤثرة، وإلى أن تكون لاعباً رئيسياً ومؤثراً على الصعيد العالمي، وضمن لائحة أقوى 10 دول اقتصادياً في العالم. فالاقتصاد يلعب في المشروع التركي دوراً مزدوجاً، فهو الغاية، وفي الوقت نفسه هو الوسيلة التي من خلالها تسعى أنقرة إلى تحسين علاقاتها مع الجميع. فالسياسة الخارجية في هذا الإطار لا تقوم على المحاور الأيديولوجية وإنما على المحاور الاقتصادية التي تربط المراكز الاقتصادية في تركيا مع الشركاء الإقليميين.

فالمشروع التركي يركز على مبدأين أساسيين كضرورة للنهوض بأنقرة كقوة إقليمية. الأول يتمثل في تحقيق الاستقرار الإقليمي والثاني يتمثل في تعميق العلاقات والروابط الاقتصادية. ومن الملاحظ أنّ دولاً عربية كثيرة تشترك مع تركيا في هذين الهدفين، فيما لا تبدي كل من إسرائيل وإيران درجة عالية من الاهتمام بتحقيق مشروع كهذا إلاّ من زاوية ضيقة ومؤقتة قد تتبدل في أي لحظة من اللحظات.

فإسرائيل مهتمة بالتركيز على البعد الأمني في المنطقة، وعلى إعادة فرض دورها كمنصة أمنية للولايات المتحدة، والحيلولة دون محاولة أي لاعب إقليمي النهوض من جديد من جهة، ودون تحقيق السلام الذي يحد من طموح تل أبيب ويكبلها من جهة أخرى. ولا شك في أنّ أدوات تحقيق الطموح الإسرائيلي تتمثل في القوة العسكرية وسياسة التحالفات والمصالح مع الأمريكيين والأوروبيين، وهذا المنطق كان سبباً في الاصطدام الذي حصل بين إسرائيل وتركيا.

أما إيران فتحاول استغلال التحولات التي طرأت على المنطقة منذ عام 2001 والتي تمثلت باحتلال أفغانستان والعراق، الأمر الذي شكّل فرصة تاريخية بالنسبة إليها وسمح لها بالخروج من القمقم الجيوبوليتيكي الذي كان يشكّل كماشة تمنعها من التمدد وهي ترفض أي سلام كما سبق وشرحنا وتسعى إلى صفقات دولية بشكل موازٍ.

وعلى ذلك يلاحظ أنّ هناك تعارضاً كلياً بين المشروعين الإيراني والتركي من عدّة زوايا:

1- سياسة تركيا الخارجية تقوم على تحقيق «الاستقرار والأمن للجميع»، بينما تقوم سياسة إيران على «التوتر المضبوط» في بعض الملفات والمناطق في الشرق الأوسط (لبنان، فلسطين، العراق، اليمن، الخليج.. الخ) لتجيير نتائج هذا التوتر كورقة يتم التفاوض عليها مع القوى الكبرى، وخاصة أمريكا.

2- لا تنظر إيران بارتياح إلى اتفاقات الشراكة الاستراتيجية التي وقعتها تركيا مع العديد من الدول العربية، ومن بينها منطقة الخليج والأردن ولبنان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العلاقات التركية- السورية سابقاً والتي كان من شأنها أن تخرج دمشق من الاحتكار الإيراني وتوفر بديلاً لها مما قد يعزل طهران في النهاية، وهو ما سيحقق المفعول نفسه في النهاية إذا نجحت أي وساطة تركية بين إسرائيل وسوريا مستقبلاً. والأمر نفسه ينطبق على موقف إيران من تركيا حاليا إزاء دعم الأخيرة للشعب السوري.

3- أنّ صعود تركيا الإقليمي (شئنا أم أبينا، معه أو ضده) يقلّص عملياً من النفوذ الإيراني، ويسحب البساط من تحت إيران في القضايا التي تستعملها لصعودها الإقليمي.

4- تخوض طهران معركة التصعيد مع إسرائيل للحصول على مكاسب ذاتية بأوراق عربية وعلى أراض عربية، فيما تخوض تركيا معركة تحجيم إسرائيل بأوراق تركية وبمواجهة مباشرة دون التسبب بانقسامات عربية.

حاولت تركيا التخفيف من هذا التناقض مع أجندة إيران من خلال التوصل إلى اتفاق موضوعي بين طهران والغرب (الوساطة في الملف النووي، عدم التصويت لصالح عقوبات على طهران في مجلس الأمن)، لكن بوجود نظام إيراني متطرف فقد يكون من الصعوبة بمكان تحقيق هذا الهدف. وقد أثبتت الأحداث في سوريا مدى التناقض بين المشروعين الإيراني والتركي، علماً أنّ أي تشخيص علمي وموضوعي كان ليصل إلى هذه النتيجة قبل الآن، وهو الأمر الذي توصلنا إليه سابقاً من خلال عدد من الكتابات، في الوقت الذي كان الجميع يتحدث فيه عن حلف «ممانعة» يضم تركيا إلى جانب كل من إيران وسوريا وحزب الله.

 

الخطر الأكبر

يستهدف المشروع الإيراني المنطقة العربية في الصميم ومنها يستهدف كل دولة في تركيبتها الداخلية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، سيما في الخليج والشام. هذا المشروع لا يختلف عن المشروع الإسرائيلي، لا بل إن خطره أكبر وأشمل، ذلك أنّ هناك مناعة أوتوماتيكية لدى الشعوب العربية من كل ما يمتُّ إلى إسرائيل بصلة، فيما لا يستطيع الجسد العربي تشخيص السم الإيراني المتخفّي، الذي يدخل إليه في وقت تكون فيه مناعته مسترخية وغير مهيأة لمكافحته، وحتى لا نصل إلى وقت يكون قد فات فيه الأوان، نأمل أن تكون الورقة ساهمت بتنبيه هذه المناعة إلى هذا الخطر.

يبقى أن نقول، وإن التقى المشروع الإيراني مع الإسرائيلي، فهذا لا يعني أن الصخب الإعلامي سينتهي أو أنّ التهديد المتبادل سيزول، كما أنّ اختلاف المشروع الإيراني مع نظيره التركي لا يعني أنهما سيخوضان حرباً ضد بعضهما البعض، وهنا تكمن خطورة المعطيين، علينا أن نحذر من أن نكون مجرد ساحة، وأن نرتقي إلى مستوى الفاعل الحقيقي لا المفعول به.

 

 

 

+++

نافذتان:

 

تفتيت المجتمعات العربية من الداخل يعتبر أولوية لدى المشروعين الإيراني والإسرائيلي والمراجع لنشاط الدولتين على هذا الصعيد في العالم العربي سيلاحظ ذلك.

 

تخوض طهران معركة التصعيد مع إسرائيل للحصول على مكاسب ذاتية بأوراق عربية وعلى أراض عربية فيما تخوض تركيا معركة تحجيم إسرائيل بأوراق تركية.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى