
في خضم الحرب المشتعلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برز اسم لم يكن حاضرا بقوة في الواجهة السياسية الإيرانية، لكنه كان لعقود من أكثر الشخصيات نفوذا خلف الكواليس. فبعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الافتتاحية للحرب، وجد ابنه مجتبى خامنئي نفسه فجأة في قلب العاصفة، بعد أن اختاره مجلس خبراء القيادة مرشدا أعلى جديدا للبلاد. يأتي هذا التحول في لحظة بالغة الحساسية، حيث تواجه طهران ضغوطا عسكرية وسياسية غير مسبوقة، فيما تراقب القوى الدولية عن كثب صعود رجل ظلّ بعيدا عن الأضواء، لكنه ظل حاضرا في مفاصل القرار داخل النظام الإيراني.
إعداد: سهيلة التاور
مع دخول الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران يومها الـ12، توعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب طهران بضربة قاصمة إذا أقدمت على أي خطوة من شأنها وقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز، في حين أكد الحرس الثوري الإيراني أن إيران هي من ستحدد نهاية الحرب.
وكان ترمب قال، في تصريحات سابقة، إن الحرب ستنتهي عندما لا تكون لدى إيران قدرة حربية على مهاجمة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفاء واشنطن، مشيرا إلى أن الحرب أضعفت قدرات إيران العسكرية.
ومن جهته، قال الحرس الثوري الإيراني إن ادعاءات ترمب بالقضاء على قوة إيران كاذبة وترمي للتهرب من ضغط الحرب، مؤكدا أن طهران هي من ستحدد نهاية الحرب، وأنه «إما أن يكون الأمن للجميع أو ينعدم الأمن للجميع». وأكد الحرس الثوري أن بمقدوره إطلاق صواريخ أقوى وتحمل رؤوسا حربية يفوق وزنها الطن.
وفي خضم التصريحات المتبادلة، يستمر القصف الإسرائيلي الأمريكي للمدن والمواقع الإيرانية، وأفادت مراسلات إعلامية بتعرض طهران لغارات إسرائيلية.
في المقابل أعلن الحرس الثوري إطلاق الموجة الـ33 من عملية «الوعد الصادق 4» ضد أهداف داخل إسرائيل، وأخرى قال إنها «أمريكية» في عدد من دول المنطقة، مؤكدا على مواصلة هجماته على مواقع في الخليج.
من جهة أخرى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه ليس راضيا عن اختيار خامنئي الابن مرشدا، لكنه لم يفصح عما يمكن أن يفعله، وقال «لن أقول لكم»، وذلك ردا على سؤال صحيفة «نيويورك بوست» عن خطواته المقبلة بشأن هذا الاختيار.
وكان ترمب طالب مرارا بضرورة أن يكون للولايات المتحدة رأي في اختيار الزعيم الأعلى الإيراني، وذلك بعد اغتيال المرشد علي خامنئي في الضربة الافتتاحية للحرب على إيران في 28 فبراير الماضي، والتي أودت بحياته وحياة عدد من القادة العسكريين.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، مساء أول أمس الاثنين، عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن ترمب أبلغ مساعديه أنه سيؤيد اغتيال مجتبى «إذا لم يستجب لمطالبه».
ورجح المسؤولون أن تنفذ إسرائيل عملية لاغتيال المرشد الإيراني الجديد، مؤكدين أنها «تقود جهودا لاستهداف القادة الإيرانيين».
وإذا كانت إسرائيل تريد تغيير النظام برمته في طهران، فإن الولايات المتحدة يهمها ظهور قيادة جديدة «عادلة ومنصفة»، على حسب تعبير ترمب، تتعامل بشكل جيد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومع دول الشرق الأوسط التي وصفها بأنها شركاء لواشنطن.
رجل الظل داخل النظام
في قلب التحول السياسي والعسكري، الذي تشهده المنطقة، يبرز اسم مجتبى خامنئي، الذي وجد نفسه فجأة في صدارة المشهد الإيراني. ويُعَد من الشخصيات المؤثرة داخل الدائرة القريبة من والده الراحل المرشد الأعلى السابق لإيران علي خامنئي، رغم أنه لم يتولَّ منصبا رسميا بارزا ولم يُعرف بكثرة الظهور العلني.
ووفق «بلومبيرغ»، فإنه ينظر إلى مجتبى بوصفه شخصية ذات نفوذ داخل بعض مراكز القرار في إيران وتعمل خلف الكواليس، مع تقديرات بأن تأثيره يمتد إلى دوائر في الحرس الثوري وبعض الأوساط الدينية والسياسية.
واختار مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي مرشدا أعلى لإيران بعد اغتيال والده في قصف أمريكي إسرائيلي استهدفه في بيته.
وُلد مجتبى خامنئي يوم 7 شتنبر 1969 بمدينة مشهد شمال شرقي إيران، وهو الابن الثاني للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
نشأ في مرحلة كانت تشهد نشاطا سياسيا معارضا لنظام الشاه، إذ كان والده من الشخصيات الدينية المشاركة في ذلك الحراك.
وبحسب وسائل الإعلام الإيرانية، أنهى مجتبى خامنئي دراسته الثانوية قبل أن يلتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم، أحد أبرز مراكز الدراسات الدينية الشيعية في إيران.
وتلقى مجتبى تعليمه الديني على أيدي عدد من رجال الدين المحافظين، من بينهم محمد تقي مصباح يزدي ولطف الله صافي غلبايغاني، ودرس الفقه والعلوم الدينية ضمن برامج الحوزة التقليدية.
وقال أحد المقربين منه في الإعلام الإيراني إنه ما زال يدرّس في حوزة قم، وفي أثناء القصف الذي استهدف بيت والده كان في قم.
وشارك مجتبى في شبابه في الحرب العراقية- الإيرانية، إذ تشير روايات ومذكرات لبعض قادة الحرس الثوري إلى أنه التحق بالجبهة عام 1986 وهو في الـ17 من عمره.
يشار، كذلك، إلى دور غير معلن لمجتبى في عدد من الملفات الحساسة، إذ أفادت تقارير إعلامية بحضوره في مشاورات تتعلق بقضايا سياسية وأمنية، وهو ما جعله محل اهتمام ومتابعة داخل إيران.
العقوبات والجدل السياسي
في عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على مجتبى ضمن حزمة استهدفت 9 من مساعدي المرشد الإيراني.
وقالت الوزارة حينئذ إن مجتبى «يمثل المرشد الأعلى بصفة رسمية رغم أنه لم يُنتخب أو يُعيَّن في أي منصب حكومي»، باستثناء عمله داخل مكتب والده.
وأضافت الوزارة، في بيانها، أن المرشد الأعلى فوَّض جزءا من مسؤولياته إلى ابنه، مشيرة إلى أنه عمل عن كثب مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ومع قوات الباسيج، وهي قوة مرتبطة بالحرس الثوري، وذلك في إطار ما وصفته بالسعي لتحقيق أهداف إقليمية وسياسات داخلية للنظام الإيراني.
محاولة اغتيال
في سياق تطورات الحرب الإسرائيلية الأمريكية- الإيرانية في مارس 2026، أفادت مصادر إيرانية بأن مجتبى خامنئي نجا من غارات جوية أمريكية وإسرائيلية استهدفت والده خامنئي، وأسفرت عن مقتل عدد من أفراد عائلته ومسؤولين عسكريين.
وذكرت المصادر أن مجتبى لم يكن في طهران وقت وقوع الضربات، وأفادت السلطات الإيرانية بأن زوجته زهراء حداد عادل، ابنة السياسي الإيراني غلام علي حداد عادل، قُتلت في الهجوم إلى جانب المرشد وزوجته وأفراد من عائلته.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعلن سابقا معارضته لتولي مجتبى المنصب، قائلا، في مقابلة مع موقع «أكسيوس» إن «النتيجة غير مقبولة». وأضاف «إنهم يضيّعون وقتهم لأن ابن خامنئي شخصية ضعيفة»، قبل أن يؤكد «يجب أن أكون مشاركا في هذا التعيين، تماما كما حدث مع ديلسي رودريغيز في فنزويلا».
مختلف عن والده
رغم النفوذ الواسع الذي يُنسب إلى مجتبى خامنئي داخل دوائر الحكم في إيران، فإن شخصيته السياسية تبدو مختلفة في جوانب عدة عن والده الراحل علي خامنئي. فبينما برز المرشد السابق بصفته رجل دين حاضرًا في المجال العام وصاحب خبرة طويلة في إدارة التوازنات السياسية داخل النظام، يُنظر إلى مجتبى بوصفه شخصية تشكلت داخل المؤسسة الأمنية أكثر من المؤسسة الدينية، وارتبط اسمه بدوائر النفوذ غير المعلنة والعمل خلف الكواليس.
ويرى مراقبون أن صعوده إلى موقع المرشد قد يعكس تحولا في طبيعة النظام الإيراني، من مرحلة كان فيها المرشد الأعلى يمارس نفوذا مباشرا على الحرس الثوري، إلى مرحلة قد يزداد فيها تأثير المؤسسة العسكرية والأمنية في مراكز القرار، خصوصا في ظل العلاقة الوثيقة التي يُعتقد أنها تربط مجتبى بهذه الدوائر. فضلا عن أن توليه المنصب في سن السادسة والخمسين قد يمنح النظام وجها أكثر شبابا مقارنة بالقيادات السابقة، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة تخفيف حدة الخطاب الأيديولوجي أو السياسات الصارمة التي تميز النظام. وفي المقابل يلفت بعض المحللين إلى أن مجتبى يفتقر إلى المكانة الدينية الرفيعة التي كان يتمتع بها والده، إذ لا يُعد مرجعا دينيا بارزا، وهو ما قد يدفعه إلى الاعتماد بدرجة أكبر على المؤسسات الأمنية والعسكرية لتعزيز شرعيته داخل النظام وخارجه.
ترحيب روسي وصيني
بعبارات داعمة وواضحة، هنّأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين آية الله مجتبى خامنئي باختياره مرشدا جديدا في إيران، قائلا: «أؤكد دعمنا الراسخ لطهران وتضامننا مع أصدقائنا الإيرانيين».
وأضاف بوتين في رسالة تهنئته لمجتبى: «واثق أنك ستواصل عمل والدك بشرف، وستوحّد الشعب الإيراني في مواجهة المِحن».
وتابع: «في وقت تواجه إيران عدوانا عسكريا، يتطلب توليكم هذا المنصب الرفيع، بدون أدنى شك، شجاعة كبيرة وتفانيا».
وسبق أن أكد بوتين لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان، خلال اتصال هاتفي، تضامن روسيا مع إيران على خلفية الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.
وأعرب بوتين عن «تعازيه العميقة لمقتل المرشد الأعلى السابق آية الله علي خامنئي وأفراد أسرته وممثلي القيادة العسكرية والسياسية في البلاد، فضلا عن سقوط العديد من الضحايا المدنيين نتيجة العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران».
وأضاف أن روسيا ستواصل الوقوف إلى جانب طهران، مؤكدا «دعمنا الراسخ لطهران وتضامننا مع أصدقائنا الإيرانيين».
في السياق ذاته، أعلنت الصين معارضتها أي استهداف للمرشد الجديد، بعد تهديدات إسرائيلية سابقة بقتل أي خليفة لوالده علي خامنئي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون خلال مؤتمر صحفي الاثنين: «تعارض الصين أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، تحت أي ذريعة كانت، ويجب احترام سيادة إيران وأمنها ووحدة أراضيها».
وأشار المتحدث الصيني إلى أن تعيين مجتبى خامنئي مسألة داخلية إيرانية، وقال: «اطلعنا على المعلومات المتعلقة بهذا الأمر. هذا قرار اتخذه الجانب الإيراني وفقا لدستوره».





