حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف


الرئيسيةتقاريرحوار

البلدان العربية والعبودية الطوعية



بحكم تضايقها مما يمكن أن يحمله المفكرون والمثقفون من نظرات نقدية إزاء السياسات المتبعة، لجأت السلط السياسية إلى أنماط متنوعة من الاستشارة و«التقييم» التي ينجزها «خبراء» يقدمونها بوصفها تتوفر على الكفاية العلمية والنزاهة والحياد، مقابل استبعاد المتخصصين في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية الذين، في الغالب الأعم، يكشفون عن تحولات المجتمع بطرق تستحضر المعالجة النقدية، وتكشف عن استراتيجيات الاستخدام والسيطرة والتوجيه التي تتبعها السلط المتحكمة في القرار. هكذا، وفي ضوء السطوة الإعلامية للخبراء، وضجيج تقارير «مراكز التفكير»، التي تتناسل هنا وهناك، واجتياح التكنولوجيات الرقمية، انسحبت لفظة النقد وتم تعويضها بتقارير ونصوص باردة تدعي تشخيص الأوضاع العربية، وتقيم مؤسسات بلدانها وتحدد لها سياساتها وقراراتها.

لذلك اعتبرت، في كتاب «الزمن المنفلت»، أن البشرية دخلت، كما البلدان العربية، في زمن تسود فيه تمظهرات من «العبودية الطوعية»، وتعبيرات متنوعة للضياع، الواعي واللاواعي، لدرجة أن المنظومة الجديدة للوجود التي ولَّدتها الأدوات الرقمية هي بصدد تشكيل بنيات وعي ووجدان جديدين لدى الإنسان، وأضحت تمثل خطرا داهمًا ومصدر إرهاق مستدام بالنسبة لمن لم يعد قادرا على خلق المسافة المناسبة مع هذه الأدوات؛ بل وانتقل ما كان يُعتبر تعارضا خارجيا، مع «الحداثة الرابطة»، إلى تعارضات داخلية، لدرجة أن المرء يجد ذاته غارقا في عوالم متموجة تقذف به الخوارزميات في الاتجاهات التي تجعل منه كائنا مُتسكعًا، تائهًا، مُفتقِدًا لأي ضابط عقلاني يحثُّه على الانتباه إلى الاستلاب الجارف الذي دخل فيه. وحتى إن انتفض، أحيانا، على عبوديته، فإنه نادرا ما يستطيع مقاومة الإغراءات القوية للرقمي وللافتراضي، أو مواجهة آليات الاستبداد والتهديد.

*سبق وأشرت إلى أن الفكر العربي الحديث لم يؤسس نظرية في النقد، ولم يحدد على الأقل موقع النقد ودلالاته كأداة ومفهوم في ممارساته النظرية المختلفة المنطلقات والمناهج والرؤى، فهل اجتهادات كل المفكرين والفلاسفة العرب من أمثال: طيب تيزيني، عبد الوهاب المسيري، عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، حسن حنفي، هشام جعيط، محمد أركون وغيرهم، لم تؤت أكلها، ولم يكن النقد فيها شرطا أساسيا لفعل التفلسف؟

**يصعب إنكار أن الفكر العربي الحديث والمعاصر شهد دعوات إلى النقد، منذ أواسط القرن التاسع، مرورا بـ«فكر النهضة»، الذي نزع إلى الخروج من التأخر بـ«نقد» الفكر المتحجر والخرافي الذي استوطن العقول طيلة قرون الانحطاط. وسواء تقدم هذا الفكر تحت عنوان الإصلاح، أو الانبعاث أو النهضة فقد كان ممثلوه يتبرمون من وضعية الجمود في التفكير، والفساد في المجتمع والاستبداد في السلطة. لم يكن فارس الشدياق وبطرس البستاني، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمان الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وسلامة موسى أو طه حسين وغيرهم كثير، مجرد كتاب ومحرري مقالات ومؤلفات باردة؛ بل كانوا يحملون هموم الخروج من التأخر والانحطاط والاستبداد والوصاية الأجنبية من أجل الانتماء إلى زمن العالم بالاستفادة من مكتسباته الفكرية والسياسية والاقتصادية.

لذلك لا أعتبر أن النزعة النقدية في الفكر العربي بدأت مع المفكرين النقديين ابتداء من ستينيات القرن الماضي. غير أن هؤلاء، أمثال عبد الله العروي، وحسن حنفي، وطيب تيزيني، وحسين مروة، وأدونيس، ومحمد عابد الجابري، وفؤاد زكريا، ومحمد أركون، وهشام جعيط، وعبد الكبير الخطيبي وآخرين، حاولوا تأسيس «نظرية في النقد»، كما هو شأن الجابري في «نقد العقل العربي» أو محمد أركون في مجال «نقد العقل الإسلامي».. جلهم تقصدوا الكشف عن مكونات أساسياته المعرفية سواء في التراث العربي- الإسلامي أو في الخطاب العربي المعاصر، من منطلق أن نقد العقل حلقة أساسية ومبدئية في كل مشروع نهضة.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى