حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

الحروب ليست نزهة

تشكل الحروب المدمرة التي يشهدها العالم اليوم، وعلى رأسها ما يجري في الشرق الأوسط، لحظة مفصلية في إعادة ترتيب موازين القوى الدولية، ليس فقط على المستوى العسكري والأمني، بل كذلك على مستوى الاقتصاد العالمي، وسلاسل التموين، والتحالفات وبناء العلاقات الدبلوماسية.

وفي ظل التطورات المتسارعة فإن الأزمات المسلحة لم تعد أحداثا معزولة يتم حصر تبعاتها داخل حدود جغرافية ضيقة، بل أضحت ذات امتدادات عابرة للقارات، تُلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق، والصناعة، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي في عدد من الدول، ضمنها المملكة المغربية بطبيعة الحال.

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن أي توتر عسكري في منطقة استراتيجية ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في قطاعات الطاقة، والحبوب، ما يمكن أن ترتفع معه الأسعار، نتيجة تصاعد المخاوف من إغلاق ممرات بحرية واضطراب العمل بأخرى، وهو ما يجعل الاقتصاد الوطني، خاصة المرتبط بالاستيراد، عرضة لتقلبات حادة في الأسعار، وتحديات في التموين، وضغوط على الميزانيات العمومية.

في هذا السياق، جاء موقف المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس واضحا وسريعا في التعبير عن التضامن مع عدد من الدول العربية الشقيقة، التي تعرضت لاعتداءات من قبل إيران، مع التأكيد على رفض خرق سيادة الدول واحترام القوانين الدولية، ودعم كل ما من شأنه حماية أمن الدول العربية واستقرارها. هذا الموقف لا يعكس فقط بعدا تضامنيا، بل ينسجم مع رؤية استراتيجية قائمة على احترام وحدة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض منطق فرض الأمر الواقع بالقوة.

إن التحولات المتسارعة توحي بأن العالم مقبل على إعادة رسم ملامح تحالفات دولية جديدة، حيث تتبلور اصطفافات قد تعيد تشكيل التوازنات التقليدية، لأن هذه الحروب غالبا ما ترتبط بمقدمة لولادة أنماط تعاون أو تنافس مختلفة، وتدفع الدول إلى مراجعة أولوياتها الأمنية والاقتصادية، وإعادة ترتيب شراكاتها وفق منطق المصالح العليا.

وعلى المستوى الداخلي بالمملكة الشريفة، تفرض هذه التطورات على القوى الحية، والمؤسسات، وصناع القرار، التحلي بأقصى درجات التريث والحكمة في التفاعل مع الأحداث المتسارعة، لأن التسرع في إصدار المواقف أو الاحتجاجات أو اتخاذ قرارات غير مدروسة، قد يترتب عنه انعكاسات سلبية على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كما أن المرحلة تتطلب وعيا جماعيا بخطورة تداول الأخبار غير الدقيقة، أو الانخراط في تحليلات عاطفية غير مؤسسة على معطيات موثوقة.

إن ما يقع الآن من حروب مدمرة، يؤكد صواب الرؤية الملكية الاستباقية بشأن تعزيز سياسات الأمن الطاقي والغذائي، وتنويع الشركاء التجاريين عبر العالم، وتقوية الإنتاج الوطني، خاصة بالنسبة إلى المواد الغذائية الأساسية، لتقليص التبعية للخارج في القطاعات الحيوية.

وبخصوص الملف الدبلوماسي فإن المرحلة تكشف الأهمية البالغة لحكمة ونجاعة الدبلوماسية الملكية في ضمان تموقع متوازن للمملكة، يقوم على الثوابت الوطنية، واحترام الشرعية الدولية، والدفاع عن الاستقرار الإقليمي، والتحصين القوي من الانجرار وراء كافة الاستفزازات، أو محاولات إشعال فتيل الحرب.

إن العالم اليوم يعيش مرحلة دقيقة عنوانها إعادة التموقع الاستراتيجي، وتغليب المصالح العليا للدول في ظل أزمات متشابكة ومعقدة، لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في قراءة الأحداث بشكل جيد داخل المملكة، بل في حسن تدبير انعكاساتها وتحويل المحن إلى منح، وبناء سياسات خارجية استباقية بنفس جماعي قادر على حماية الاستقرار الداخلي وضمان استدامة التنمية، وهذا كله طبعا داخل عالم متوحش لا يتكلم سوى لغة المصالح والقوة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى