
في عرض مطول أمام البرلمان بمجلسيه، قدم رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، حصيلة عمل الحكومة بلغة جمعت بين الأرقام والدلالات السياسية، راسما صورة دقيقة عن مسار الإصلاح في ظل ظرفية استثنائية. خطاب أخنوش لم يقتصر على سرد الإنجازات، بل سعى إلى تأطيرها ضمن سياق اقتصادي واجتماعي معقد، تميز بتوالي الأزمات وارتفاع الانتظارات. وبالاستناد إلى معطيات رقمية واضحة، أكد أخنوش أن الحكومة، تمكنت من الحفاظ على توازنات الاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه إطلاق أوراش اجتماعية كبرى، واضعة بذلك أسس تحول تدريجي نحو نموذج تنموي أكثر توازنا.
الأخبار
لم يخفِ رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، وهو يقدم صباح أمس الأربعاء حصيلة حكومته، بموجب الفصل 101 من الدستور، أمام البرلمان بمجلسيه في جلسة مشتركة، أن تقييم الحصيلة يقتضي الانطلاق من طبيعة الظرفية التي اشتغلت فيها الحكومة، مبرزا أن الاقتصاد الوطني واجه خلال فترة ولايته تحديات مركبة. فقد شهد المغرب سنوات متتالية من الجفاف، وهو ما انعكس سلبا على القطاع الفلاحي الذي يشغل نسبة مهمة من اليد العاملة.
وفي السياق الدولي، أشار أخنوش إلى أن التضخم بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوز في بعض الفترات عتبة %6، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، كما ارتفعت كلفة الاستيراد بشكل ملحوظ، مما زاد الضغط على الميزان التجاري.
ورغم هذه الإكراهات، أكد رئيس الحكومة أن الاقتصاد الوطني تمكن من تحقيق معدل نمو متوسط في حدود 4.5% خلال الفترة 2021-2025، مقارنة بـ 2.1% فقط خلال الفترة 2016-2021.
رغم الظرفية الصعبة.. مؤشرات اقتصادية غير مسبوقة
في الشق الاقتصادي، قدّم أخنوش معطيات اعتبرها مؤشرا على بداية إقلاع اقتصادي تدريجي، مبرزا أن الحكومة عملت على إرساء هوية جديدة للمنظومة الاستثمارية تقوم على الثقة والوضوح وتقاسم المسؤولية.
وأوضح أخنوش، أن هذا التحول تجسد، أساسا، في تفعيل ميثاق الاستثمار الجديد باعتباره تعاقدا بين الدولة والمستثمرين، وأداة لإنعاش الاقتصاد الوطني ورافعة لدعم القطاعات الواعدة وتقليص التفاوتات المجالية، مؤكدا أن التنمية المتمركزة في الحواضر الكبرى غير كافية لتحقيق عدالة مجالية شاملة.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن اللجنة الوطنية للاستثمارات صادقت على 381 مشروعا استثماريا بغلاف إجمالي يقدر بـ581 مليار درهم، من شأنها إحداث نحو 245 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، من بينها 297 مشروعا تمت المصادقة عليها منذ دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، بقيمة تناهز 513 مليار درهم، ستساهم في خلق حوالي 201 ألف فرصة شغل.
وعلى مستوى الدينامية الاقتصادية، سجل رئيس الحكومة ارتفاع مداخيل الاستثمار الأجنبي المباشر من 32.5 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 56 مليار درهم سنة 2025، أي بزيادة تقارب 73%، معتبرا أن ذلك يعكس ثقة متزايدة في جاذبية الاقتصاد المغربي.
كما أبرز أن الصادرات الصناعية عرفت بدورها تطورا مهما خلال الفترة 2021–2025، حيث بلغت حوالي 408 مليار درهم سنة 2025، مسجلة نموا يناهز 44,5% مقارنة بسنة 2021، مدفوعة بأداء الصناعات العالمية للمملكة، خاصة قطاعي السيارات والطيران.
وفي ما يتعلق بالسيادة الطاقية، أوضح أخنوش أن المغرب واصل تعزيز حصة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي، التي ارتفعت من 37,1% سنة 2021 إلى حوالي 46,1%، في إطار استراتيجية تروم تقليص التبعية الطاقية وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
كما تم، حسب المعطيات ذاتها، إطلاق عرض وطني في مجال الهيدروجين الأخضر عبر تعبئة مليون هكتار من العقار الصناعي، واستقبال أكثر من 40 طلبَ استثمار، تمت المصادقة على ثمانية مشاريع منها باستثمارات تناهز 43 مليار دولار.
وفي القطاع السياحي، سجلت المؤشرات، وفق رئيس الحكومة، أداء استثنائيا، حيث استقبل المغرب حوالي 19.8 مليون سائح، بارتفاع قدره 53,5% مقارنة بسنة 2019، فيما بلغت مداخيل القطاع 138.1 مليار درهم، بنمو يناهز 75,5%.
ويعزى هذا التطور، بحسب أخنوش، إلى تنزيل خارطة الطريق السياحية 2023–2026، بغلاف مالي يقدر بـ6.1 مليار درهم، بهدف تطوير العرض السياحي وتعزيز جاذبية الوجهة المغربية عبر تأهيل البنيات الفندقية وتوسيع الربط الجوي.
سوق الشغل ورهان خلق مليون منصب شغل جديد
الأداء الاقتصادي الجيد الذي تم تحقيقه خلال السنوات الخمس الماضية، انعكس –بحسب أخنوش – بشكل إيجابي على سوق الشغل، حيث تم خلق حوالي 850 ألف منصب شغل خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، أي بمعدل يقارب 170 ألف منصب سنويا.
وهو ما يمثل وتيرة تشغيل مضاعفة مقارنة بالفترات السابقة، التي لم يتجاوز فيها متوسط خلق فرص الشغل 64 ألف منصب سنويا خلال الفترة 2011–2016 و90 ألف منصب سنويا بين 2016 و2021.
وأضاف أخنوش في معرض كلمته: «… في حال استمرار الدينامية المسجلة سنة 2025، والتي شهدت خلق 233.000 منصب شغل غير فلاحي، فمن المنتظر أن يتجاوز العدد الإجمالي لمناصب الشغل المحدثة في القطاعات غير الفلاحية مليون منصب شغل بحلول نهاية 2026، وبالتالي تجاوز التحديات التي فرضها توالي سنوات الجفاف وتأثيره المباشر على فرص الشغل في القطاع الفلاحي».
والأهم بالنسبة لرئيس الحكومة، هو أن هذه الدينامية لم تقتصر على خلق فرص الشغل فقط، بل ساهمت أيضا في تحسين جودة التشغيل وتقليص نسبة العمل غير المؤدى عنه، خاصة وأن جزءا مهما من المناصب الفلاحية التي فُقدت كانت مناصب غير مستقرة وغير منتظمة، مبرزا في ذات السياق دفع الحكومة بضرورة مواصلة هيكلة سوق الشغل الفلاحي، حيث ارتفع عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من حوالي 283 ألف سنة 2020 إلى نحو 470 ألف سنة 2024، أي بزيادة تناهز 66%.
الانتقال الاجتماعي.. أرقام تعكس توسيع الحماية وتعزيز العدالة
في الشق الاجتماعي، استعرض رئيس الحكومة أرقاما تعكس حجم التحول الذي تعرفه السياسات الاجتماعية. فقد أكد أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر يستهدف حوالي 4 ملايين أسرة، وقد بلغ مجموع المبالغ المصروفة لفائدة المستفيدين من الدعم إلى متم يناير 2026 حوالي 52 مليار درهم، منها 33 مليار درهم خصصت للإعانات الموجهة لحماية الطفولة، و19 مليار درهم للإعانات الجزافية.
كما أشار إلى نجاح الحكومة في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل حوالي 15.5 مليون مواطن إضافي، يستفيدون اليوم من خدمات التغطية الصحية الأساسية، كما تحملت الدولة اشتراكات تجاوزت 27 مليار درهم لفائدة الفئات الهشة في إطار نظام «أمو تضامن»، في تعبير واضح عن أن التضامن ليس مجرد خطاب بل التزام مالي حقيقي داخل السياسات العمومية، على حد تعبيره.
وفي قطاع التعليم، أوضح أن الحكومة خصصت ميزانيات إضافية لتأهيل المؤسسات التعليمية، مع توظيف آلاف الأساتذة، بهدف تحسين جودة التعلمات. كما تم إطلاق برامج لدعم التمدرس، خاصة في المناطق القروية.
أما في قطاع الصحة، فقد تم رفع ميزانية القطاع بشكل ملحوظ، مع العمل على تأهيل المستشفيات وتحسين العرض الصحي، إضافة إلى تحسين أجور الأطر الصحية، في إطار إصلاح شامل للمنظومة.
وأكد أخنوش أن هذه الأرقام تعكس إرادة حقيقية لبناء دولة اجتماعية، تضع المواطن في صلب السياسات العمومية، مع الحرص على استدامة هذه البرامج ماليا.
البنية التحتية.. استثمارات كبرى لتعزيز التنافسية والعدالة المجالية
في محور البنية التحتية، أبرز عزيز أخنوش أن الحكومة تمكنت من إحداث تحول نوعي في مسار الاستثمار العمومي، عبر إعادة الاعتبار لدوره كرافعة استراتيجية كبرى لتعزيز السيادة الاقتصادية وتسريع وتيرة التنمية.
وأوضح، في هذا الإطار، أن حجم الاستثمار العمومي انتقل من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة تناهز%65، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، إرادة سياسية واضحة لوضع الاستثمار في صلب المشروع التنموي الذي يقوده الملك محمد السادس.
وشدد أخنوش، على أن هذه الدينامية الاستثمارية ركزت بشكل أساسي على تطوير البنيات التحتية، باعتبارها العمود الفقري لمختلف الاستراتيجيات القطاعية، حيث ساهمت في تعزيز موقع المغرب كمنصة لوجستية إقليمية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، فضلا عن رفع جاذبية المملكة كوجهة للاستثمار.
وفي ما يتعلق بالبنيات التحتية الصناعية، أبرز رئيس الحكومة أن الدولة واصلت تنفيذ مشاريع كبرى من خلال التوقيع على 64 مشروعا بغلاف مالي يفوق 16 مليار درهم، ساهمت فيه بحوالي 4,5 مليار درهم، ما سيمكن من توفير 4.400 هكتار إضافية من العقار الصناعي. وأشار إلى أن هذه المشاريع تشمل توسيع مناطق صناعية قائمة وإحداث أخرى جديدة بمختلف جهات المملكة، وهو ما يمثل حوالي %30 من الرصيد الوطني الحالي.
أما على مستوى البنيات التحتية المائية، فقد أكد أخنوش أن الحكومة قامت بتحيين البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي للفترة 2020–2027، مع رفع كلفته إلى 143 مليار درهم، وتسريع مشاريع تحلية مياه البحر التي بلغت طاقتها الإنتاجية 415 مليون متر مكعب مع متم سنة 2025، مع طموح بلوغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق2030، بما يغطي نحو %60 من الحاجيات الوطنية. كما تم إطلاق مشاريع كبرى لربط الأحواض المائية، خاصة بين سبو وأبي رقراق لتأمين تزويد محور الرباط–الدار البيضاء بالماء.
وفي القطاع الصحي، أبرز أن الإصلاح شمل تحديث البنيات التحتية وتحسين حكامتها، مع إطلاق ورش رقمنة القطاع لضمان عدالة مجالية في الولوج إلى العلاج. وأعلن عن استكمال تأهيل 1.400 مركز صحي أولي بميزانية 6.4 مليار درهم، وإطلاق برنامج إضافي لتأهيل 1.600 مركز آخر، إلى جانب تعزيز العرض الاستشفائي بإضافة آلاف الأسرة الجديدة وإنجاز مستشفيات حديثة عبر مختلف جهات المملكة.
وفي مجال التعليم، أشار أخنوش إلى إحداث 15 مؤسسة جامعية جديدة وفرت أكثر من 70 ألف مقعد إضافي، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية إلى 60 ألف سرير، وتعزيز التكوين المهني عبر إحداث مؤسسات جديدة وتطوير المناهج بما يستجيب لمتطلبات سوق الشغل.
أما في ما يخص التحول الرقمي، فقد أكد رئيس الحكومة إطلاق استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، مع رفع ميزانية القطاع من 11,7 مليون درهم إلى 1,6 مليار درهم، ما ساهم في خلق 148 ألف منصب شغل، مبرزا أن تطوير البنيات التحتية للاتصالات وتكنولوجيا الجيل الخامس سيمكن من خلق حوالي 240 ألف فرصة عمل إضافية في أفق 2030.
مؤطر
أخنوش: المسؤولية هي اختبار يومي للضمير وحس المسؤولية
في ختام كلمته، اختار رئيس الحكومة أن يخرج من لغة الأرقام إلى لغة التأمل الشخصي، مؤكداً أن منصب رئيس الحكومة ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية ثقيلة تقاس بمدى القدرة على اتخاذ قرارات صعبة، مشيرا في ذات السياق أن تدبير الشأن العام خلال الولاية الحكومية لم يكن مسارا سهلا، بل طبعته تحديات كبرى وأزمات متلاحقة فرضت اتخاذ قرارات صعبة لضمان استقرار البلاد والحفاظ على توازناتها الاقتصادية.
وأوضح أن تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة يمثل «امتحانا يوميا للضمير ولحس المسؤولية»، مشددا على أن العديد من القرارات التي تم اتخاذها لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية لتأمين مستقبل المغرب في سياق دولي يتسم بعدم اليقين. وأضاف أن الحكومة اختارت الابتعاد عن المقاربات الشعبوية، رغم كلفتها السياسية، مفضلة تغليب المصلحة العليا للوطن على أي اعتبارات انتخابية.
وأشار أخنوش إلى أن بعض الإجراءات قد تبدو قاسية في لحظتها، غير أنها، بحسب تعبيره، شكلت «العلاج الضروري» لضمان العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشة، وتأمين حقوق الأجيال المقبلة، مبرزا أن المسؤولية الحقيقية تقتضي وضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وفي السياق ذاته، أبرز رئيس السلطة التنفيذية، أن الحكومة فضلت التركيز على العمل والإنجاز بدل الانخراط في «السجالات الهامشية»، مؤكدا أن قوة المسؤول تكمن في ضبط النفس خلال الأزمات، وأن رقي الممارسة السياسية يظل معيارا أساسيا في تدبير الشأن العام.
وعند تقييم الحصيلة، دعا أخنوش إلى اعتماد مقاربة موضوعية قائمة على الصراحة والتجرد، من خلال طرح سؤال محوري حول ما تحقق وما كان يمكن إنجازه بشكل أفضل. وسجل أن هناك «سعادة حقيقية» يشعر بها حين تظهر آثار الإصلاحات في حياة المواطنين، سواء من خلال تحسين ظروف العيش أو توفير فرص الشغل، مقابل استمرار شعور بثقل المسؤولية في ظل انتظارات قائمة.





