الدولة الاجتماعية في صدارة السباق الانتخابي
الأحزاب تتنافس على «جيب» المواطن وصحته ومستقبل أبنائه

إنجاز: النعمان اليعلاوي
لم تعد الملفات الاجتماعية مجرد عناوين مرافقة للبرامج الانتخابية للأحزاب المغربية، بل تحولت إلى صلب المعركة السياسية استعدادا للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري. فبينما تتنافس الأحزاب على تقديم تصوراتها لتدبير المرحلة المقبلة، تحتل القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والسكن والعدالة المجالية مساحة واسعة من الوعود والالتزامات الموجهة إلى الناخبين.
وتتقاطع البرامج الانتخابية لكل من التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية والعدالة والتنمية، عند تشخيص عدد من الضغوط التي تواجه الأسر المغربية، غير أن مقارباتها تختلف بشأن الأولويات والوسائل وآليات التنفيذ.
ويخوض حزب التجمع الوطني للأحرار الانتخابات من موقع الدفاع عن حصيلة حكومية جعلت من ورش الدولة الاجتماعية أحد عناوين ولايتها، مركزا على مواصلة الإصلاحات ودعم القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية.
وفي المقابل يقدم حزب الأصالة والمعاصرة نفسه ببرنامج يتضمن التزامات محددة، من بينها «ميثاق القدرة الشرائية»، مع التعهد بخلق مليون منصب شغل صاف خلال الولاية المقبلة.
أما حزب الاستقلال فيضع تحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى في قلب عرضه الانتخابي، بينما يرفع الاتحاد الاشتراكي شعار «التنمية العادلة»، رابطا البعد الاجتماعي بالإنصاف المجالي والمساواة والولوج الفعلي إلى الخدمات الأساسية.
وتذهب الحركة الشعبية إلى مقاربة ترتكز على العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المدن والقرى والمناطق الجبلية والحدودية، فيما يركز العدالة والتنمية على معالجة قضايا الغلاء والقدرة الشرائية والسياسات العمومية، مقدما نفسه بديلا في تدبير الشأن الاجتماعي.
من القدرة الشرائية إلى التشغيل والصحة والتعليم
تضع الأحزاب السياسية المغربية الملفات الاجتماعية في صلب برامجها الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقبلة، في ظل استمرار ضغط كلفة المعيشة على الأسر، وتحديات التشغيل وانتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات الصحية والتعليمية. وبين أحزاب الأغلبية، التي تدافع عن حصيلة الولاية الحكومية وتتعهد بمواصلة أوراشها، وأحزاب المعارضة، التي تقدم نفسها بديلاً في السياسات العمومية، تتقاطع البرامج في عدد من الأولويات، لكنها تختلف في وصفات المعالجة.
في هذا السياق يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار عرضه الاجتماعي باعتباره امتداداً للأوراش التي أطلقتها الحكومة خلال الولاية الحالية، واضعاً تعزيز الدولة الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية وخلق فرص الشغل وتحسين الخدمات العمومية ضمن أولويات المرحلة المقبلة.
ويراهن الحزب على مواصلة الإصلاحات، مع التركيز على الأسرة باعتبارها المستفيد الأساسي من السياسات الاجتماعية، ويربط تحسين الوضع الاجتماعي بتوفير فرص الشغل وتعزيز الاستثمار، بما يجعل البعد الاقتصادي مدخلاً لمعالجة الاختلالات الاجتماعية.
من جهته يقدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه الانتخابي تحت عنوان «من أجل تغيير المسار»، متضمناً خمسة مواثيق و20 التزاماً قابلاً للتطبيق والتتبع، مع غلاف مالي معلن يبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، وتعهد بخلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية المقبلة.
ويحتل الجانب الاجتماعي مكانة بارزة في البرنامج، خصوصاً من خلال «ميثاق القدرة الشرائية»، في ظل تصاعد القلق المرتبط بارتفاع الأسعار. ولا يفصل الحزب بين معالجة الغلاء وتحسين دخل الأسر، بل يربطهما بالتشغيل والاستثمار والنمو، مع إيلاء أهمية للخدمات العمومية، خاصة الصحة والتعليم، وآليات التتبع والتقييم.
أما حزب الاستقلال فيضع تحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى ضمن أبرز أولوياته الاجتماعية، مقترحاً آليات لتتبع هوامش الربح في محاولة لمعالجة أحد أسباب ارتفاع الأسعار وحماية المستهلك.
وتتجاوز المقاربة الاستقلالية ملف الأسعار إلى تحسين دخل الأسر وتعزيز الخدمات الاجتماعية، مع التركيز على الماء والبنيات الأساسية والصحة والتعليم والتشغيل، سيما في العالم القروي والمناطق التي تعاني خصاصاً في الخدمات.
وضمن أحزاب المعارضة، يربط الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية برنامجه بمفهوم العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي، واضعاً «التنمية العادلة» في قلب خطابه الانتخابي.
ويرى الحزب أن التنمية لا تقاس، فقط، بمعدلات النمو والاستثمار، وإنما، أيضا، بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وقدرتهم على الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، مع اهتمام خاص بالفئات الهشة والمسنين.
ويقترح الاتحاد الاشتراكي رفع متوسط الأجور بنسبة 20 في المائة وزيادة الدخل الصافي للأجراء بنسبة 15 في المائة، إلى جانب تقليص النفقات المباشرة التي تتحملها الأسر في الصحة والتعليم، مع جعل التشغيل مدخلاً للإدماج الاجتماعي وتحسين مستوى العيش.
وتركز الحركة الشعبية على البعد المجالي باعتباره مدخلا أساسيا للعدالة الاجتماعية، انطلاقا من فكرة أن موقع المواطن الجغرافي لا ينبغي أن يحدد حظوظه في التعليم والصحة والشغل والترقي الاجتماعي. ويقدم الحزب «التعاقد الحركي» باعتباره رؤية إصلاحية ومشروعا مجتمعيا وليس مجرد برنامج انتخابي ظرفي، مع التشديد على العدالة والنجاعة وإعادة الثقة في العمل المؤسساتي.
أما حزب العدالة والتنمية فجعل من قضايا الغلاء والسياسات العمومية محاور أساسية في النقاش حول برنامجه الانتخابي، مع التأكيد على إعداد عرض «واقعي وقابل للتطبيق» لا يقوم فقط على المقاربة القطاعية. ويستند خطاب «المصباح» إلى الدفاع عن الخدمات الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية ومراجعة عدد من الاختيارات الحكومية.
وتكشف مقارنة أبرز البرامج الانتخابية أن القدرة الشرائية أصبحت القاسم المشترك الأكبر بينها، إلى جانب التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.. لكن الاختلاف يظهر في زاوية المعالجة، فالأحرار يراهنون على مواصلة الأوراش الحكومية، و«البام» يقدم التزامات رقمية وآليات للتتبع، بينما يركز الاستقلال على الطبقة الوسطى والقدرة الشرائية.
في المقابل يجعل الاتحاد الاشتراكي العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي أساساً لبرنامجه، وتضع الحركة الشعبية الفوارق الترابية في مقدمة أولوياتها، فيما يركز العدالة والتنمية على مراجعة السياسات الحكومية ومحاربة الغلاء.
“الأحرار” يراهن على الدولة الاجتماعية
يضع حزب التجمع الوطني للأحرار الملفات الاجتماعية في صلب برنامجه الانتخابي للمرحلة المقبلة، رافعا شعار «كرامة وفرص للجميع»، ومقدما تصورا يقوم على مواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، مع التركيز على ثلاثة رهانات أساسية تهم حماية القدرة الشرائية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتسريع الإدماج الاقتصادي وخلق فرص الشغل. ويقدم الحزب هذه الالتزامات باعتبارها امتدادا للأوراش التي أطلقتها الحكومة خلال الولاية الحالية.
ويقترح حزب «الأحرار» حماية أكثر استدامة للقدرة الشرائية، من خلال مواصلة دعم الأسر وتطوير آليات الدعم الاجتماعي وربطها بالتطورات التي تعرفها الأسعار، بما يسمح، حسب التصور المقدم، بتوجيه التدخلات العمومية نحو الفئات الأكثر حاجة.
ولا يتعامل البرنامج مع القدرة الشرائية باعتبارها مسألة مرتبطة بالدعم فقط، وإنما يربطها كذلك بتحسين مداخيل الأسر وخلق فرص الشغل وتعزيز النشاط الاقتصادي. فالحزب يعتبر أن حماية المواطن من آثار الغلاء تحتاج، إلى جانب التدخلات الاجتماعية، إلى اقتصاد قادر على توفير فرص عمل مستقرة ومداخيل أفضل، وهو ما يجعل الإدماج الاقتصادي جزءا أساسيا من عرضه الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، تؤكد مضامين البرنامج أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تعرف تسريعا في وتيرة خلق فرص الشغل وتوسيع الإدماج الاقتصادي، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والنساء والفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى سوق العمل.
ويربط الحزب هذا التوجه بتقوية الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار والمقاولات، خصوصا المقاولات الصغرى، باعتبارها إحدى القنوات القادرة على خلق مناصب الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية على المستوى المحلي والجهوي.
ويقدم «الأحرار» استكمال الإصلاحات في قطاعي الصحة والتعليم باعتباره أحد الرهانات الأساسية للمرحلة المقبلة، خصوصا بعدما انتقلت أوراش الإصلاح، بحسب الحزب، من مرحلة الإطلاق إلى مرحلة تتطلب تسريع التنفيذ وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويركز التصور على مواصلة إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز الحماية الاجتماعية، مع جعل جودة الخدمات والولوج إليها من أبرز مؤشرات نجاح الدولة الاجتماعية. أما في قطاع التعليم، فيتجه الحزب نحو مواصلة الإصلاح وتحسين جودة المدرسة العمومية وتكافؤ الفرص، باعتبار التعليم أداة أساسية لمحاربة الفوارق الاجتماعية وضمان الارتقاء الاجتماعي.
ويحضر الدعم الاجتماعي المباشر بدوره ضمن تصور الحزب، من خلال التأكيد على مواصلة تعميمه وتطوير آلياته، مع ربطه بدينامية الأسعار حتى تكون الحماية الاجتماعية أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تؤثر في الأسر.
ويحاول الحزب، من خلال برنامجه، تقديم مقاربة تقوم على التكامل بين الدعم والتشغيل والخدمات العمومية؛ فالدعم الاجتماعي يستهدف حماية الأسر، فيما يراهن الإدماج الاقتصادي على منح الأفراد القدرة على الاعتماد على دخل مستقر.
ويعطي البرنامج أهمية للعدالة المجالية، من خلال التأكيد على أن الدولة الاجتماعية ينبغي أن تكون حاضرة في مختلف جهات المملكة.
ويسعى الحزب إلى تقديم برنامجه الاجتماعي باعتباره مرحلة ثانية من ورش الدولة الاجتماعية: فإذا كانت الولاية الحكومية الحالية قد ركزت على إطلاق عدد من الإصلاحات والأوراش الكبرى، فإن الرهان الذي يطرحه البرنامج الجديد يتمثل في تعميقها وتسريع تنفيذها وتحويلها إلى أثر ملموس في حياة الأسر.
ويراهن الحزب على إقناع الناخب بأن الدولة الاجتماعية لا تختزل في حجم البرامج والإصلاحات، وإنما تقاس بما يشعر به المواطن داخل أسرته، وفي سوق الشغل، والمستشفى، والمدرسة، وبما يبقى في جيبه بعد مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
“البام” يضع برنامجه الانتخابي بنَفَسٍ اجتماعي
دخل حزب الأصالة والمعاصرة غمار الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 ببرنامج انتخابي يضع الملفات الاجتماعية في صدارة تعهداته، واضعاً القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وجودة الخدمات العمومية، والسكن والحماية الاجتماعية ضمن أولوياته. ويقدم الحزب برنامجه من خلال خمسة مواثيق كبرى و20 التزاماً، مقرونة بكلفتها وآليات تمويلها.
يشكل «ميثاق القدرة الشرائية» أحد أبرز مداخل التصور الاجتماعي لـ«البام»، إذ يقترح الحزب حزمة من الإجراءات الرامية لتخفيف أعباء المعيشة على الأسر.
ويقترح الحزب جعل فاتورة الكهرباء مجانية بالنسبة للأسر التي تقل فاتورتها الشهرية عن 100 درهم، إلى جانب إعادة صياغة سلم الضريبة على الدخل من خلال اعتماد ثلاثة أشطر بدل ستة، مع إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، وتطبيق معدل 10 في المائة على الأجور التي تتراوح بين 15 ألفاً و46 ألف درهم، وأن لا يتجاوز المعدل الأعلى 20 في المائة بالنسبة للأجور العليا.
ويتعهد “البام” برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى3 آلاف درهم شهرياً ابتداء من السنة الثانية من الولاية الحكومية، مع رفع معاش الأرامل إلى 100 في المائة من معاش المتوفى، بدل 50 في المائة المعمول بها حالياً، فضلاً عن الرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم شهرياً.
ويضع الحزب هدف خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الحكومية المقبلة، بمعدل لا يقل عن 200 ألف منصب سنوياً، مع خفض معدل البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة في أفق 2031.
ويراهن البرنامج على قطاعات الصناعة، والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، والفلاحة، والاقتصاد المرتبط بكأس العالم 2030، إضافة إلى اقتصاد الرياضة.
وبالنسبة إلى الشباب الذين يوجدون خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، يقترح الحزب «مسار إدماج» موحداً، يقوم على التشخيص الفردي والمواكبة الاجتماعية وعقد للإدماج، مع استهداف نحو 300 ألف شاب سنوياً عند بلوغ البرنامج سرعته القصوى. كما يتضمن البرنامج «أول عقد شغل» لفائدة 500 ألف شاب خلال خمس سنوات، ومواكبة نحو 60 ألف مقاولة شبابية.
وفي قطاع الصحة، يضع «البام» هدف إعادة بناء المستشفى العمومي القادر على تقديم خدمات تنافسية، مقترحاً إحداث أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة ببني ملال وكلميم والرشيدية والدار البيضاء قبل نهاية سنة 2028، إلى جانب تحسين مستوى 1600 مركز صحي أولي و90 مستشفى جهوياً وإقليمياً.
كما يتعهد البرنامج بتوفير التغطية التخصصية لأقسام النساء والولادة على مدار الساعة، والعمل على استدامة التأمين الإجباري عن المرض.
ويقترح الحزب تعميم التعليم ما قبل المدرسي ابتداء من سن الرابعة، وتعميم النقل المدرسي في العالم القروي والإطعام بالمناطق الهشة.
ويضع البرنامج أيضاً أهدافاً تربوية محددة، من بينها تخصيص 20 دقيقة يومياً للقراءة، وضمان حد أدنى من التعلمات الأساسية لجميع الأطفال إلى سن 15 سنة.
ويحضر السكن بدوره ضمن المقاربة الاجتماعية للحزب، الذي يطمح إلى تمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال الولاية المقبلة. ويقترح محاربة المضاربة العقارية من خلال ضريبة تصاعدية على الأراضي غير المبنية داخل المدارات الحضرية، وتحديث سوق الكراء، وإحداث سكن عمومي موجه للشباب بأسعار ملائمة.
ويقول «البام» إن تمويل هذه الالتزامات سيعتمد أساساً على الموارد الإضافية الناتجة عن النمو، والتي يقدرها بنحو 300 مليار درهم، إلى جانب مساهمة الجماعات الترابية وإعادة تخصيص الموارد وتحسين النجاعة الميزانياتية. كما يستهدف البرنامج تحقيق نمو متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031.
العدالة والتنمية يرفع شعار العدالة الاجتماعية
يخوض حزب العدالة والتنمية الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026 ببرنامج انتخابي يسعى من خلاله إلى تقديم تصور اجتماعي واقتصادي مختلف، واضعاً ملفات التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتحسين مستوى عيش الأسر ضمن أبرز الأولويات.
ويأتي هذا التصور في سياق يسعى الحزب خلاله إلى استعادة حضوره الانتخابي والسياسي، بعد سنوات قضاها خارج الحكومة، مقدماً نفسه باعتباره قوة سياسية تراهن على الإصلاح وربط المسؤولية بالمحاسبة وترشيد السياسات العمومية.
وبحسب المعطيات التي أعلنها الحزب، خلال مراحل إعداد برنامجه الانتخابي، اشتغلت اللجنة المركزية على ستة محاور متكاملة، شملت التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والمقاولة والتشغيل، إضافة إلى المالية والإصلاحات، في محاولة لبناء برنامج يجمع بين البعد الاجتماعي والإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي. وأطلق الحزب، كذلك، بوابة تشاركية لتلقي مقترحات المواطنين، مؤكداً أن إعداد البرنامج يستند إلى الاستماع للقاعدة الحزبية والجمهور الواسع وإلى النقاش الميداني في مختلف جهات المملكة.
ويحتل تحسين القدرة الشرائية موقعاً أساسياً في التصور الاجتماعي للحزب، الذي يجعل من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الدخل الحقيقي للأسر أحد أبرز التحديات التي يتعين على الحكومة المقبلة مواجهتها.
ويربط العدالة والتنمية حماية القدرة الشرائية بسياسات اقتصادية واجتماعية متكاملة، تقوم على التحكم في الأسعار ومحاربة مظاهر الاحتكار والريع والمضاربة، إلى جانب تحسين المداخيل وتعزيز آليات الدعم الموجه إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويطرح الحزب، في هذا السياق، ضرورة تقييم السياسات العمومية ذات الصلة بالدعم والحماية الاجتماعية، بما يضمن وصول الموارد إلى مستحقيها، ويحد من الهدر والاستفادة غير المستحقة، مع جعل العدالة الاجتماعية معياراً أساسياً في توزيع الثروة والفرص.
يشكل التشغيل أحد المحاور المركزية في البرنامج، خصوصاً في ظل استمرار ارتفاع البطالة وسط الشباب وحاملي الشهادات.
ويقدم الحزب التشغيل باعتباره نتيجة مباشرة لسياسة اقتصادية قادرة على تحفيز الاستثمار ودعم المقاولة الوطنية، وليس مجرد برامج ظرفية للإدماج. ولهذا يركز تصوره الاقتصادي على تشجيع المقاولات، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم المبادرة والاستثمار المنتج وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
وكان مصطفى الخلفي، رئيس اللجنة المركزية لإعداد البرنامج الانتخابي، أوضح أن المحور الاقتصادي يتضمن قضايا المقاولة والتشغيل والمالية العمومية وتحفيز الاقتصاد، مؤكداً أن الهدف هو بناء برنامج قابل للتنفيذ ومرتبط بإمكانات الاقتصاد الوطني.
يعني ذلك أن الحزب يحاول معالجة البطالة من زاوية أوسع، عبر الجمع بين خلق فرص العمل وتحسين تنافسية الاقتصاد، مع إيلاء اهتمام خاص بالشباب الذين يجدون صعوبة في الولوج إلى سوق الشغل.
الصحة.. الدفاع عن المرفق العمومي
تحضر الصحة بقوة ضمن العرض الاجتماعي للعدالة والتنمية، الذي يربط نجاح ورش الحماية الاجتماعية بوجود منظومة صحية عمومية قادرة على تقديم خدمات ذات جودة وفي ظروف تضمن كرامة المواطنين.
ويشدد الحزب على ضرورة معالجة الاختلالات البنيوية التي يعرفها القطاع، وفي مقدمتها الخصاص في الموارد البشرية، وضعف التجهيزات والتفاوتات المجالية في الولوج إلى العلاج.
ويضع الحزب إصلاح الصحة ضمن منظومة متكاملة تشمل تعزيز الموارد البشرية، وتحسين البنيات الاستشفائية، وتطوير الرعاية الصحية الأولية وضمان استدامة التغطية الصحية، بما يجعل الاستفادة من العلاج حقاً فعلياً وليس مجرد تغطية مالية.
وكان الحزب انتقد، خلال الأشهر الماضية، ما يعتبرها اختلالات في منظومة الحماية الاجتماعية، محذراً من أن استمرار الأعطاب البنيوية في القطاع الصحي من شأنه أن يؤثر على استدامة هذا الورش.
أما التعليم فيحتل موقعاً متقدماً في البرنامج الاجتماعي، باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق تكافؤ الفرص ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويطرح الحزب إصلاح المدرسة العمومية من خلال تحسين جودة التعليم، ومحاربة الهدر المدرسي، والارتقاء بالتكوين وربط منظومة التربية والتكوين بحاجيات الاقتصاد وسوق الشغل.
ويولي التصور أهمية، كذلك، للتعليم الأولي باعتباره مرحلة حاسمة في المسار التعليمي، إلى جانب دعم البحث العلمي وتثمين الموارد البشرية العاملة في قطاع التربية.
ويأتي هذا الطرح في سياق انتقادات الحزب للسياسات الحكومية في التعليم، حيث اعتبرت مجموعته النيابية أن إصلاح المدرسة يحتاج إلى نتائج ملموسة تتجاوز الإجراءات التدبيرية الظرفية وتضمن جودة التعلمات وتكافؤ الفرص بين التلاميذ.
يضع العدالة والتنمية ورش الحماية الاجتماعية ضمن الملفات التي تتطلب، بحسب تصوره، مواصلة الإصلاح مع معالجة الاختلالات التي ظهرت خلال مرحلة التنفيذ.
ويؤكد الحزب أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تختزل في الدعم المالي، بل يجب أن تشمل التغطية الصحية، والتقاعد، والتعويضات العائلية، والحماية من فقدان الشغل ومختلف أشكال المخاطر الاجتماعية.
ويشدد الحزب على أهمية استدامة التمويل والحكامة الجيدة للمنظومة، مع ضمان وصول الدعم والخدمات إلى الفئات المستهدفة، وتفادي تحويل الحماية الاجتماعية إلى مجرد آلية لتعويض ضعف الخدمات العمومية.
الأسرة والفئات الهشة.. الدولة الاجتماعية
يمتد البعد الاجتماعي للبرنامج إلى الفئات الهشة والأسر ذات الدخل المحدود، من خلال الدعوة إلى تقوية آليات الاستهداف الاجتماعي وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصاً الصحة والتعليم والسكن والحماية من فقدان الدخل.
ويطرح الحزب، كذلك، ضرورة تعزيز الحوار الاجتماعي باعتباره آلية لتحقيق التوازن بين مصالح الأجراء والمقاولات والدولة، وربط الإصلاحات الاجتماعية بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين.
ويعتبر العدالة والتنمية أن حماية الفئات الهشة وتقوية الطبقة الوسطى لا يمكن أن تتحققا من خلال الإنفاق الاجتماعي وحده، وإنما عبر اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة وفرص العمل وتمويل السياسات العمومية.
ويقدم الحزب عرضه الاجتماعي انطلاقاً من فكرة أساسية تقوم على ربط العدالة الاجتماعية بالإصلاح الاقتصادي والمؤسساتي. فالدعم الاجتماعي، وفق هذا التصور، يحتاج إلى موارد مستدامة، وهذه الموارد لا يمكن توفيرها إلا من خلال اقتصاد منتج، ومقاولات قادرة على الاستثمار ومؤسسات عمومية أكثر نجاعة.
وبذلك يجمع البرنامج بين تحسين القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وتقوية الصحة والتعليم العموميين، وتطوير الحماية الاجتماعية، ومحاربة الريع والفساد وتحسين الحكامة.
ويبدو أن الرهان الأكبر، أمام هذا العرض، سيكون تحويل هذه المبادئ العامة إلى التزامات دقيقة قابلة للقياس والتنفيذ، سيما في ما يتعلق بالتشغيل والأسعار وجودة الخدمات العمومية واستدامة الحماية الاجتماعية، وهي الملفات التي ستشكل محوراً رئيسياً في النقاش الانتخابي خلال الأسابيع المقبلة.
ومن خلال هذا التصور، يسعى العدالة والتنمية إلى تقديم نفسه في الانتخابات المقبلة باعتباره حزباً يضع العدالة الاجتماعية في قلب الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ويربط تحسين ظروف عيش المواطنين بإعادة بناء الثقة في المؤسسات وتقوية المرفق العمومي وتحقيق نمو أكثر عدالة.
“الحركة الشعبية” ترفع شعار “التعاقد الحركي”
اختار حزب الحركة الشعبية أن يخوض الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 بعرض سياسي واجتماعي مختلف عن الصيغة التقليدية للبرامج الانتخابية، أطلق عليه اسم “التعاقد الحركي”، رافعاً شعار «جا الوقت»، ومقدماً مجموعة من الالتزامات التي يقول إنها تستهدف إحداث أثر مباشر في الحياة اليومية للمواطنين.
ويقوم هذا التصور على عشرة محاور رئيسية، من بينها السيادة الاستهلاكية والقدرة الشرائية، والتشغيل والتمكين الاقتصادي للشباب، والصحة والرعاية الاجتماعية، والتعليم والارتقاء المعرفي، والعدالة الترابية، والأسرة، والسكن، والشباب، والأمازيغية، فضلاً عن مواجهة التغيرات المناخية. ويقدم الحزب هذا التعاقد باعتباره بديلاً عن البرامج التي تكثر فيها الوعود والأرقام دون أن يشعر المواطن بانعكاسها المباشر على حياته.
تعزيز حماية المستهلك
تتصدر القدرة الشرائية الجانب الاجتماعي في العرض الحركي، انطلاقاً من اعتبار غلاء الأسعار أحد أبرز مصادر الضغط على الأسر المغربية، خصوصاً الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
ويقترح الحزب إنشاء منصة وطنية رقمية لتتبع الأسعار الحقيقية للمواد الأساسية، بما يسمح للمستهلك بالاطلاع على مستويات الأسعار ومراقبة تطورها، إلى جانب تعزيز حماية المستهلك وضبط السوق الوطنية.
كما طرح الحزب فكرة ما سماه “الهدنة التصديرية” بالنسبة إلى بعض المنتجات الفلاحية التي تعرف خصاصاً أو ارتفاعاً في السوق الداخلية، بهدف إعطاء الأولوية لتوفير المنتجات الأساسية للمواطن المغربي قبل توجيهها إلى الأسواق الخارجية.
ويرتبط هذا التصور، وفق الخطاب الحركي، بفكرة «السيادة الاستهلاكية»، التي تعني أن حماية السوق الداخلية والقدرة الشرائية ينبغي أن تتحولا إلى أولوية في السياسات الاقتصادية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمواد الأساسية.
وإذا كانت الأحزاب الأخرى تضع العدالة المجالية ضمن برامجها الاجتماعية، فإن العالم القروي والمناطق الجبلية يحتلان موقعاً مركزياً في العرض الحركي، باعتبارهما جزءاً من الهوية السياسية والتاريخية للحزب.
وفي هذا الإطار، يقترح الحزب إحداث وزارة خاصة بالمجال القروي والجبلي والواحات، تتولى تنسيق السياسات العمومية الموجهة لهذه المجالات، إلى جانب إطلاق ما يسميه الحزب «مخطط مارشال» لتقليص الفوارق المجالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية والترابية.
ويذهب التصور الحركي إلى بناء أقطاب قروية متكاملة تضم الخدمات الأساسية، من مراكز صحية وقاعات للولادة، إلى مؤسسات تعليمية وأسواق نموذجية وخدمات للإسعاف، بما يسمح بتقريب المرافق العمومية من السكان والحد من اضطرار المواطنين إلى التنقل لمسافات طويلة للحصول على العلاج أو التعليم أو الخدمات الإدارية.
رقمنة المنظومة الصحية
يعكس هذا المحور إحدى أبرز خصوصيات البرنامج الحركي، والمتمثلة في الربط بين الدولة الاجتماعية والعدالة الترابية، وعدم حصر الخدمات الاجتماعية في المدن والمراكز الحضرية.
يضع الحزب إصلاح المنظومة الصحية ضمن المحاور الأساسية للتعاقد الحركي، مع التركيز على تقريب الخدمات الطبية من المواطنين وتحسين الولوج إلى العلاج.
ويقترح في هذا السياق رقمنة المنظومة الصحية وإحداث ملف طبي موحد للمواطن منذ الولادة، إلى جانب منصة رقمية للمواعيد والعلاج، بما يهدف إلى تبسيط المساطر وتحسين تتبع المسار العلاجي.
كما يدعو الحزب إلى معالجة الفوارق المجالية في توزيع الموارد الصحية، خصوصاً بالمناطق القروية والجبلية، حيث يظل الخصاص في الأطباء والتجهيزات والخدمات المتخصصة أكثر وضوحاً.
ولا يفصل الحزب بين التغطية الصحية وجودة العرض الطبي، إذ يرى أن استفادة المواطنين من التأمين الصحي لا تحقق أهدافها الاجتماعية إذا لم تكن هناك مؤسسات وأطباء وتجهيزات قادرة على توفير العلاج في مختلف مناطق المملكة.
يحضر التعليم بدوره باعتباره إحدى ركائز العرض الاجتماعي للحركة الشعبية، مع تركيز خاص على محاربة الأمية وتقليص الهدر المدرسي وتحقيق تكافؤ الفرص.
ويقترح الحزب إطلاق منصة وطنية لمحو الأمية، في إطار تصور يهدف إلى الارتقاء بالمستوى التعليمي والمعرفي للمواطنين، وربط التعليم بالتكوين وبحاجيات سوق الشغل.
ويولي الحزب اهتماماً خاصاً بالمدرسة في العالم القروي، من خلال الدعوة إلى توفير الداخليات والنقل المدرسي والخدمات الاجتماعية المرافقة، بما يسمح بمحاصرة الانقطاع المبكر عن الدراسة، خصوصاً في المناطق النائية.
ويرتبط هذا الطرح برؤية أوسع لدى الحزب تعتبر أن العدالة الاجتماعية تبدأ من الحق المتكافئ في التعليم، وأن الفوارق بين المدرسة الحضرية والقروية لا يمكن أن تستمر إذا كان الهدف هو بناء مجتمع أكثر إنصافاً.
يحتل الشباب موقعاً بارزاً في «التعاقد الحركي»، خصوصاً في ظل أزمة البطالة وصعوبة اندماج عدد كبير من الشباب في سوق الشغل.
ويقترح الحزب إطلاق برنامج “فرصة ثانية” لفائدة الشباب الموجودين خارج الدراسة أو التكوين أو العمل، مع هدف معلن بإدماج أكثر من 4 ملايين شاب من فئة «NEET»، إلى جانب إنشاء منصة تشغيل تعتمد الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لربط طالبي الشغل بالفرص المتاحة.
ولا يحصر الحزب معالجة البطالة في التوظيف المباشر، بل يربطها بالتمكين الاقتصادي وتشجيع المبادرة والمقاولة، خصوصاً لفائدة الشباب، وبإعادة توجيه الاقتصاد نحو القطاعات القادرة على خلق فرص شغل مستدامة.
وتعكس هذه المقاربة رغبة الحزب في جعل الشباب أحد المستفيدين الأساسيين من «التعاقد الحركي»، خصوصاً أن ارتفاع البطالة أصبح، في الخطاب السياسي الحركي، مرتبطاً أيضاً بأزمة الثقة في المؤسسات وفي قدرة السياسة على تحسين المستقبل.
ثلاثة أسئلة لعتيق السعيد:
«الوضوح والواقعية في المحور الاجتماعي ركيزة أساسية للبرامج الانتخابية»
- ما هو رهان المرحلة الانتخابية والذي ترجمته البرامج الاجتماعية؟
تأتي الاستحقاقات الانتخابية في سياق وطني استثنائي، يشهد فيه المغرب دينامية متواصلة من الأوراش الوطنية والمشاريع التنموية الكبرى، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس الرامية إلى توطيد أسس الدولة الاجتماعية، وتعزيز ركائزها، إلى جانب إطلاق جلالته النموذج التنموي الجديد بما يحمله من تصورات ورهانات تتعلق بتحقيق تنمية أكثر شمولا وإنصافا واستدامة، تدعم العدالة الاجتماعية والمجالية، ذلك أن تنفيذ هذه الأوراش الوطنية الكبرى يظل أولوية تستدعي تجند مختلف الفاعلين وانخراط مختلف القوى الوطنية الحية، والتفافها الصادق حول مشروع وطني مشترك، يقوم على المسؤولية والنجاعة وحسن التنفيذ، كما يتطلب تعزيز آليات التفعيل والتتبع والتقييم، بما يضمن التنزيل السليم لمبادئ الإنصاف الاجتماعي، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وترسيخ دعائم مجتمع متضامن يضع الإنسان في صلب السياسات التنموية، ويجعل من العدالة الاجتماعية هدفا أساسيا للعمل السياسي
من هذا المنطلق، فإن الرهان اليوم لا يقتصر على إفراز مؤسسات منتخبة جديدة، وإنما يتجاوز ذلك إلى اختيار أحزاب سياسية وقوى قادرة على مواكبة هذه الأوراش والمشاريع وتنزيلها بكفاءة وفعالية، وتحويل أهدافها الكبرى إلى سياسات عمومية وبرامج عملية تستجيب لانتظارات المواطنين، وبالتالي البعد الاجتماعي يظل حاضنا لمختلف الأوراش ويستلزم المسؤولية والجدية والإرادة الحقيقية في الإنجاز، والشجاعة في اتخاذ القرارات لتحقيق النجاعة العالية في الأداء التدبيري، استجابة للانتظارات الاجتماعية وللرهانات التي تعرفها بلادنا في ظل النهضة التنموية التي يؤطرها النموذج التنموي الجديد، وما تشهده من مكتسبات وطنية، سيما ثقة العديد من الشراكات والاستثمارات الاقتصادية الدولية بالمغرب، وهي كلها مؤشرات تجعل من البرامج الاجتماعية أولوية للعمل السياسي.
- كيف للبرامج الحزبية توجيه السلوك الانتخابي للناخب؟
إن سياق المرحلة الراهنة، وما يشهده المغرب من استحقاقات ومشاريع تنموية وأوراش اقتصادية، يستدعي في المقام الأول التحلي بروح المسؤولية والجدية، بما يعكس الإدراك الحقيقي لقيمة الديمقراطية التمثيلية من قِبل الأحزاب السياسية،
والتراكم الذي حققه المغرب في هذا المجال، وبالتالي فإن العمليات الانتخابية تمثل تعاقدا سياسيا بين الأحزاب السياسية والمواطنين، يقوم على قاعدة تفاعلية بين طرفين رئيسيين، يتمثل الطرف الأول في الأحزاب السياسية التي تعرض برامجها والتزاماتها ووعودها الانتخابية في إطار من الشفافية والوضوح، خاصة الواقعية، تجسيدا لقيم المواطنة والمسؤولية السياسية، بينما يتمثل الطرف الثاني في المواطنين الذين يمنحون ثقتهم للأحزاب من خلال التصويت، بناء على قناعتهم بقدرتها على تنفيذ تلك البرامج والوفاء بالتزاماتها.
العملية الانتخابية تستدعي من الأحزاب السياسية تقديم برامج انتخابية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع تضمن الاستجابة لتطلعات المواطنين وانتظاراتهم، كما تراعي لمتطلبات المصلحة العامة، وبالتالي تقتضي الالتزام بحدود الصدق في الخطاب السياسي، بالإضافة إلى احترام قواعد المنافسة الديمقراطية الشريفة، والوفاء بالالتزامات والوعود التي يتم التعهد بها أمام الناخبين، بحيث تترتب على هذا التعاقد مسؤولية سياسية وأخلاقية تفرض على الأحزاب الوفاء بتعهداتها، مع خضوعها للمساءلة والتقييم بشأن مدى التزامها بتنفيذ وعودها الانتخابية.
النقاشات الحزبية وإن كانت تعد في معظم الديمقراطيات العريقة مظهرا صحيا يعكس حيوية الحياة السياسية، ويؤكد انفتاحها على الحوار وتبادل الأفكار والتنافسية، ينبغي ألا تتجاوز حدودها الطبيعية القائمة على النقد السياسي المسؤول والحوار السياسي الوطني، غير أن بعض الممارسات والمناكفات السياسوية انحرفت عن هذا المسار لتبتعد عن جوهر التنافس الديمقراطي البناء، بحيث تحولت في بعض الأحيان إلى وسيلة لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات السياسية التي تبقى بعيدة كل البعد عن النقاش الموضوعي للقضايا الوطنية، وما يمكن ان يضيفه كقيمة لإعداد برامج الانتخابية ذات الفعل والتأثير، ومن ثم فإن مثل هذه الممارسات تثير تساؤلات حقيقية حول مدى تقدم مسار تخليق وتجويد العمل الحزبي، ومدى قدرة الفاعلين السياسيين على ترسيخ ثقافة التنافس المسؤول، بما يعزز ثقة المواطنين في التدبير السياس ككل.
الواقع أن عددا من الأحزاب السياسية ما زالت تتخبط في إشكالات بنيوية تحد من قدرتها على الاضطلاع بأدوارها على الوجه الأمثل، وفي مقدمتها الانزياح عن جوهر التنافس السياسي والانتخابي نحو الاتهامات والتراشق السياسي، بما يجعل جزءا من تفاعلاتها منفصلا عن القضايا الحقيقية والانشغالات الفعلية للمجتمع. كما يلاحظ مع حلول كل استحقاقات محدودية التجديد في بعض المضامين والبرامج السياسية، إذ غالبا ما تتكرر بعض التصورات والمقترحات دون تقديم بدائل عملية ومبتكرة تستجيب للتحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، وتواكب الرهانات التنموية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة. وهو ما يفرض على الأحزاب السياسية الانتقال من منطق التفاعل الظرفي مع الأحداث إلى بناء رؤى وبرامج قادرة على استشراف المستقبل وتأطير المواطنين .
3- ما أهمية المحور الاجتماعي في البرامج الانتخابية للأحزاب؟
أولا، حينما نتحدث عن البعد الاجتماعي في البرامج الحزبية فإننا أمام إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها البرنامج الحزبي ككل؛ فكلما كان الشق الاجتماعي واضحا ومتماسكا، ازدادت قدرة البرنامج على اكتساب المصداقية والتفاعل مع انتظارات الناخبين، وبالتالي تكمن أهمية هذا البعد في ارتباطه الوثيق والمباشر بالناخب، باعتباره المستفيد الأول من السياسات العمومية والغاية الأساسية من التدبير السياسي الحزبي، كما تزداد أهمية البعد الاجتماعي في سياق وطني ودولي يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة ومتباينة، تفرض على الأحزاب السياسية أن تكون أكثر قدرة على فهم التحولات التي يعرفها المجتمع واستيعاب انتظارات المواطنين المتجددة، لذلك فإن البعد الاجتماعي يشكل قاعدة أساسية لبناء التأثير والفعل السياسي، ولا يمكن للناخب أن يتفاعل إيجابا مع برنامج اجتماعي يفتقر إلى الوضوح والواقعية، أو لا يلامس انتظاراته الحقيقية ولا يواكب التحولات التي يعرفها المجتمع.
ومن هنا، فإن قوة البرنامج الحزبي لا تقاس فقط بمدى تعدد وعوده، أو تنوع محاوره، وإنما بقدرته على تقديم حلول اجتماعية واضحة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع، تستجيب للحاجيات الفعلية للمواطنين، وتترجم التزامات سياسية ملموسة إلى سياسات عمومية ذات أثر مباشر على حياتهم اليومية، هذا وفي الواقع فإن عددا كبيرا من الناخبين قد يتجهون إلى التصويت لبرنامج حزبي دون غيره، انطلاقا من قناعتهم بالبرنامج الاجتماعي المقدم من طرف الحزب، باعتباره الأقرب إلى واقعهم اليومي والأكثر تعبيرا عن حاجياتهم وانتظاراتهم، سيما في ظل تطلعهم إلى تغيير ملموس يفضي إلى تحسين ظروف العيش وتيسير سبل الحياة الكريمة.
البرنامج الاجتماعي يحتضن مختلف التأثيرات والاعتبارات التي تحكم الاختيارات الفردية والجماعية للناخبين، لأنه يمثل في جوهره أحد أهم مداخل العمل السياسي وغاياته الأساسية، ولذلك لا يمكن لهذا البرنامج أن يحقق جاذبيته ومصداقيته، إلا إذا كان واضحا ومقنعا وواقعيا، وقابلا للتنفيذ، ومبنيا على التزامات دقيقة ومسؤولة، بعيدا عن الوعود الانتخابية غير القابلة للتحقق، ومن ثم فإن الناخب لا يبحث فقط عن برنامج يتضمن شعارات عامة، وإنما عن رؤية اجتماعية قادرة على تحويل انتظاراته اليومية إلى سياسات وحلول عملية يشعر بآثارها في حياته المعيشية، بما يعزز الثقة في العمل السياسي ويجعل من البرنامج الحزبي أداة حقيقية للتغيير.
*السعيد عتيـق أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش، محلل سياسي






