
تقوم السياسة الملكية المغربية بخصوص الموانئ على رؤية استراتيجية بعيدة المدى يقودها الملك محمد السادس، وتهدف إلى جعل المغرب منصة لوجستية وصناعية بحرية ذات إشعاع إقليمي ودولي، مع ربط التنمية الاقتصادية بالاندماج القاري والاستدامة. وفي هذا الصدد ترأس جلالة الملك محمد السادس الأربعاء 28 ينايرالجاري بالقصر الملكي في الدار البيضاء، اجتماع عمل خُصص لتتبع تقدم مشروع المركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط، وذلك في أفق الإطلاق التشغيلي للميناء خلال الربع الأخير من السنة الجارية.
اطلاق مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط
يأتي هذا الاجتماع في سياق التوجه الاستراتيجي للمغرب الرامي إلى تعزيز ارتباط الاقتصاد الوطني بسلاسل القيمة العالمية، عبر تطوير بنيات تحتية مينائية متقدمة قادرة على دعم التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات الدولية. وخلال الاجتماع، قدّم رئيس مجلس إدارة شركة الناظور غرب المتوسط، فؤاد البريني، عرضًا حول مستوى تقدم الأشغال بالمشروع، مستعرضا أبرز المنجزات التي تحققت إلى حدود اليوم، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الاستعدادات التشغيلية. ويمثل مشروع الناظور غرب المتوسط امتدادًا للتجربة التي راكمها المغرب مع ميناء طنجة المتوسط، الذي بات مركزًا مينائيًا مرجعيًا على الصعيدين الإفريقي والمتوسطي، ويهدف إلى إرساء منظومة مينائية وطنية متكاملة، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وخلق فرص الشغل، وتعزيز التنمية المجالية المتوازنة. وقد صمم الميناء كمشروع مندمج يجمع بين مركب مينائي من الجيل الجديد ومنصة صناعية ولوجستية وطاقية واسعة، حيث بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة المرصودة له إلى حدود اليوم نحو 51 مليار درهم. وعلى المستوى المينائي، تم إنجاز مختلف البنيات التحتية الأساسية، بما يشمل 5.4 كيلومترات من كاسرات الأمواج، و4 كيلومترات من الأرصفة، إضافة إلى أربعة مراكز طاقية. كما جرى توقيع عقدي امتياز لمحطتي الحاويات، على أن تدخل هذه المحطات حيز التشغيل بشكل تدريجي ابتداءً من السنة الجارية.
20 مليار درهم من الاستثمارات
ويضم المشروع أيضًا مركزا طاقيا استراتيجيا، يتضمن أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة بطاقة سنوية تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، إلى جانب محطة للمحروقات، في خطوة تستجيب لمتطلبات تعزيز السيادة الطاقية للمغرب. وعند بدء التشغيل، ستبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية للميناء نحو 5 ملايين حاوية، و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، على أن ترتفع مستقبلاً إلى طاقة إضافية تصل إلى 12 مليون حاوية و15 مليون طن من البضائع السائلة. كما يشمل المشروع إحداث مناطق جديدة للأنشطة الاقتصادية تمتد في مرحلتها الأولى على مساحة 700 هكتار، وقد شهدت هذه المناطق فعليًا استقرار أولى المنشآت التابعة لفاعلين دوليين. وتعكس الاستثمارات الخاصة المؤكدة، والتي بلغت نحو 20 مليار درهم، مستوى الثقة التي يحظى بها المغرب لدى كبار الفاعلين في القطاعين الملاحي والصناعي. وفي ختام الاجتماع، وجه الملك محمد السادس مختلف المتدخلين إلى اتخاذ التدابير اللازمة لضمان انطلاق المشروع في أفضل الظروف، مع التأكيد على تسريع تنفيذ برامج تكوين متخصصة لمواكبة المستثمرين، وتسهيل إدماج الشباب، وتعزيز فرص التشغيل. كما شدد على ضرورة أن تستفيد الأقاليم الواقعة ضمن مجال إشعاع الميناء من آثار هذه الاستثمارات، ومواكبة المشروع ببرامج للتأهيل الحضري وتحسين الإطار المعيشي، إلى جانب إعداد مخطط عمل متعدد الأبعاد يؤمن استدامة التنمية المرتبطة بالمشروع. ويكتسي البعد الطاقي للميناء أهمية خاصة، إذ يضم أول محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في المملكة، بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، إلى جانب محطة للمحروقات. ويُعد هذا المكون ركيزة أساسية لتعزيز السيادة الطاقية للمغرب، في سياق إقليمي ودولي يتّسم بتقلبات حادة في أسواق الطاقة، وحاجة متزايدة إلى تنويع مصادر التزويد. وقد حضر اجتماع العمل كل من وزير الداخلية ووزيرة الاقتصاد والمالية، ووزير التجهيز والماء، ووزير الصناعة والتجارة، ووزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، إضافة إلى رئيس مجلس إدارة الناظور غرب المتوسط. ويهدف المشروع الجديد إلى استكمال هذا المسار، من خلال إرساء منظومة مينائية متكاملة ومتوازنة، قادرة على تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وخلق فرص شغل مستدامة ودعم التنمية الجهوية، خصوصًا في جهة الشرق. ولا ينفصل هذا المشروع عن التحولات الشاملة التي تشهدها المملكة على مستوى البنية التحتية، حيث ارتفع عدد الموانئ من 24 ميناء عام 1999 إلى 43 ميناء بحلول 2025، في إطار رؤية ملكية متكاملة جعلت من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، كنقطة وصل بين إفريقيا وأوروبا، رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والانفتاح على الأسواق الدولية.
استثمار بأزيد من 500 مليون دولار بميناء طنجة المتوسط
ويأتي ميناء الناظور غرب المتوسط امتدادا للنجاح الدولي الذي حققه ميناء طنجة المتوسط والذي بات أول منصة مينائية في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، ما جعل المغرب لاعبًا رئيسيا في سلاسل الإمداد العالمية. ويعد ميناء طنجة المتوسط من أكبر وأهم الموانئ في افريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وهو منصة لوجستية وصناعية متكاملة تربط المغرب بالاقتصاد العالمي. يقع على الساحل الشمالي للمغرب شرق مدينة طنجة، في موقع إستراتيجي تلتقي عنده أهم طرق التجارة البحرية العالمية (شرق – غرب – شمال – جنوب) مما جعله محطة رئيسية لعبور ملايين الحاويات والسيارات والمسافرين سنويا. يتصل بأكثر من 180 ميناء عالميا، ويوفر سبل التعامل سنويا مع 9 ملايين حاوية و7 ملايين مسافر و700 ألف شاحنة ومليون سيارة. ويشكل ميناء طنجة المتوسط منصة صناعية لأكثر من 1200 شركة عالمية في مجالات مختلفة مثل السيارات والطيران والخدمات اللوجستية والنسيج والتجارة، بحجم أعمال سنوي يبلغ 12 مليار يورو. صنفته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أول ميناء للحاويات في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط وثاني منطقة اقتصادية في العالم، وحل في المركز الرابع وفقا للمؤشر العالمي لأداء موانئ الحاويات لسنة 2023، الذي أعده البنك الدولي. في عامي 2024 و2025، أطلق المغرب عمليات توسيع للميناء من أجل رفع طاقة معالجة الحاويات إلى 14 مليون حاوية ومليون شاحنة سنويا. بعد النجاح الذي حققه ميناء طنجة المتوسط 1، أعطى الملك محمد السادس التوجيهات بإنشاء ميناء ثان للحاويات باسم ميناء طنجة المتوسط 2. وبدأت الأشغال فيه عام 2015 باستثمار عمومي على مستوى البنيات التحتية تجاوز 14 مليار درهم وتطلب بناء 4600 متر من الحواجز المائية. ويضم المشروع محطتين، بدأ تشغيل المحطة رقم 4 في 28 يونيو 2019 برصيف طوله 820 مترا وبقدرة بلغت 5 ملايين حاوية. أما المحطة رقم 3 فقد انطلقت بها الخدمات التجارية في يناير 2021 برصيف يصل طوله إلى 800 متر بعمق 18 مترا، وبطاقة استيعابية تبلغ مليون حاوية، ووصل المجموع الكلي للمركب المينائي طنجة المتوسط 1 و2 إلى 9 ملايين حاوية سنويا. وفي عام 2024، أعلن عن إطلاق عملية توسيع الميناء واقتناء رافعات وناقلات لرفع طاقته في معالجة الحاويات من 9 ملايين إلى 14 حاوية سنويا. وفي عام 2025 أطلق ميناء طنجة المتوسط مشروعا استثماريا جديدا بقيمة تفوق 500 مليون دولار، بهدف توسعة محطة الشاحنات ورفع قدرتها الاستيعابية إلى مليون شاحنة.
ميناء الداخلة الأطلسي رافعة تنموية لجهة الداخلة وادي الذهب
ويمثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي أطلقها المغرب في أقاليمه الجنوبية، في إطار رؤية ملكية تروم إعادة رسم الخريطة الاقتصادية واللوجستية للمملكة، وتعزيز انفتاحها على عمقها الإفريقي والأطلسي. ويرتقب أن يشكل هذا الميناء رافعة تنموية غير مسبوقة لجهة الداخلة – وادي الذهب، ومركزاً محورياً للتجارة والاستثمار البحري في غرب إفريقيا. ويقع الميناء على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال مدينة الداخلة، على الواجهة الأطلسية، بكلفة إجمالية تُقدّر بعشرات مليارات الدراهم، ويصمم ليكون ميناءً متعدد الوظائف، يستجيب لمتطلبات النقل التجاري، والصيد البحري، والصناعة، والطاقات المتجددة، فضلاً عن الخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة. ويهدف المشروع إلى تجاوز الإكراهات الجغرافية التي كانت تحدّ من استغلال المؤهلات الاقتصادية للمنطقة، عبر توفير بنية تحتية مينائية حديثة قادرة على استقبال السفن الكبرى وربط المغرب مباشرة بالأسواق الإفريقية والأمريكية والأوروبية، دون المرور عبر الموانئ التقليدية شمال المملكة. اقتصادياً، ينتظر أن يحدث ميناء الداخلة الأطلسي دينامية جديدة في قطاعات حيوية، على رأسها الصيد البحري، من خلال تثمين المنتوجات البحرية محلياً بدل تصديرها خاماً، إضافة إلى تشجيع الصناعات التحويلية، وتطوير سلاسل التبريد والتخزين والنقل. كما يعول عليه في دعم مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات النظيفة، التي تُراهن عليها الجهة باعتبارها قطباً مستقبلياً للانتقال الطاقي. وعلى المستوى الجيو-اقتصادي، يندرج الميناء ضمن الرؤية المغربية لتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى بوابة طبيعية نحو إفريقيا جنوب الصحراء، بما يعزز تموقع المغرب كحلقة وصل بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويمنحه أدواراً متقدمة في سلاسل التجارة العالمية. أما اجتماعياً وتنموياً، فيرتقب أن يسهم المشروع في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتحفيز الاستثمارات الخاصة، وتطوير النسيج المقاولاتي المحلي، بما ينعكس على تحسين مستوى العيش واستقرار الساكنة، ويعزز جاذبية الجهة كوجهة للاستثمار والإقامة. ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي ليجسد، في المحصلة، تحولا نوعيا في مقاربة التنمية بالأقاليم الجنوبية، من منطق الدعم إلى منطق الاستثمار المنتج، ومن الهامشية الجغرافية إلى المركزية الاقتصادية، في انسجام تام مع النموذج التنموي الجديد ورهانات المغرب الاستراتيجية على المدى الطويل.
وبينما يقترب ميناء الناظور غرب المتوسط من دخول الخدمة، تتعزز مكانة المغرب كمنصة لوجستية إقليمية ودولية، قادرة على مواكبة التحولات الكبرى في التجارة العالمية، مستندة إلى قيادة ملكية تضع التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في المستقبل في صلب أولوياتها.





