حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

المؤامرة المنسية لاحتلال طرفاية سنة 1879

زارها المولى الحسن الأول معلنا نهاية أطماع بريطانيا وإسبانيا

يونس جنوحي

«عندما وصل المولى الحسن الأول إلى الحكم سنة 1873، لم يمهله الأجانب طويلا -البريطانيون والإسبان خصوصا-، فقد كانوا منشغلين بمسلسل طويل من التمهيد لإطلاق أنشطة اقتصادية في الصحراء. 

كان البريطانيون يعتقدون أن السلطان لن يصل إليه خبر بدء مشروع تجاري في طرفاية سنة 1879. وعندما رآهم الإسبان يشيدون «دار البحر»، فكروا بدورهم في إطلاق مشروع تجاري مماثل. وهنا انتفض المولى الحسن الأول في وجههم جميعا، قبل أن يقرر زيارة طرفاية بنفسه.. هذه صفحات منسية من تاريخ صناعة المشاريع الاقتصادية في الصحراء المغربية». 

المخزن كشف مخططات مهدت لاحتلال الصحراء قبل 146 سنة

في العام 1880، كان السلطان المولى الحسن الأول قد أعلن في رسالة صارمة، وجهها إلى القناصلة الأجانب في المغرب، خصوصا الإسبان والبريطانيين، مفادها أنه يؤكد سيادة المغرب على الأراضي الجنوبية في الصحراء، وأنه سوف يلجأ إلى الاستعداد للطوارئ كيف ما كانت، ومهما كانت عواقبها، وأنه لن يسمح بأي تسيب أو اعتداء على سيادة المغرب.

كان السياق العام وقتها، يحمل إشارات غير مطمئنة للمغرب.

فقد عمد الإنجليز، من خلال دعمهم لرجل أعمال بريطاني اسمه «ماكنزي» – بعض الرسائل المخزنية كانت تطلق عليه لقب المكينسي- إلى استفزاز وحدة المغرب الترابية سنة 1879، بعد أن أسس هذا الثري البريطاني بناية تجارية، الهدف منها إطلاق رحلات بحرية والسيطرة على التجارة في الصحراء، والبواخر القادمة من جنوب إفريقيا مرورا عبر المغرب.

الإسبان، سبقوا البريطانيين بسنوات، وحاولوا الاستيلاء على مدينة أكادير، بل وبنوا مرسى صغيرة، سرعان ما أصبحوا يطالبون بها المغرب، ويحاولون السيطرة على محيطها بذريعة تأمين الطريق إليها.

أمام هذه الاستفزازات لم يجد السلطان المولى الحسن الأول بُدا من أن يتحرك بنفسه لكي يستعيد السيطرة المغربية على المنطقة، وكانت رحلته الشهيرة إلى طرفاية أهم محطة عسكرية في فترة حكمه الممتدة من سنتي 1873 إلى 1894.

في سنة 1860 في وقت مبكر، وكان المولى الحسن الأول وقتها لا يزال أميرا، لكنه عاش تفاصيل الواقعة، وجعلته يحذر من الإسبان، حتى قبل أن يصل إلى الحكم، ويطلع على المكائد التي كانوا يحيكونها ضد المغرب في الصحراء.

فقد استغل الإسبان مراكب صيد مملوكة لصيادين إسبان، وتوغلوا بها في الشواطئ جنوب المغرب. وانتبه موظفو المخزن إلى الأمر وأطلعوا عليه السلطان في حينه. ولا تزال الرسالة المخزنية التي توثق لهذه الواقعة مسجلة في أرشيف الرسائل المخزنية.

وبعد وصول المولى الحسن الأول إلى الحكم سنة 1873، تكررت هذه المحاولات، وتقدمت إسبانيا بطلب رسمي إلى المغرب، الهدف منه تمكين الإسبان من استغلال أحد المرافئ بهدف الصيد وإطلاق التجارة جنوبا. لكن السلطان تنبه إلى المخطط الإسباني ورفض بالمطلق الترخيص للإسبان بممارسة الصيد، أو استغلال المرافئ، خصوصا في طرفاية، وكتب رسالة إلى وزيره يوجهه فيها إلى مخاطر المخطط الإسباني، وتداعياته وإمكانية تأثير أي اتفاق مع الإسباند على وحدة المغرب مستقبلا.

ومن بين هذه المخططات، محاولة بريطانية هذه المرة، توثق لمدى إدراك المخزن في أيام المولى الحسن الأول، لتطورات الأحداث في الصحراء وما يجري على الأرض، رغم حرص بريطانيا على أن تكون تحركاتها في منطقة طرفاية سرية تماما.

هذه رسالة بعثها الوزير المغربي محمد بركاش سنة 1800 كانت وراء «ثورة» المولى الحسن الأول ضد الإنجليز والإسبان، لوقف أطماعهم في الصحراء:

«الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله أدام لله وحده العز والنصر والتمكين والتأييد والفتح المبين لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين، ابن سيدنا ومولانا المؤمنين.
بعد تقبيل حاشية البساط الشريف، وأداء ما يجب لمولانا من التعظيم والتشريف، ينهي لكريم علم سيدنا أيده الله ونصره أن «باشادور» الصبلنيون كتب له وزير يخبره بأن جزر كلانيا المقابلة لوادي نون: كثر فيها الهرج واللغط على الدولة، بسبب «مكينسي» النكليزي النازل هناك. ويطلبون وفاء الشرط الثامن.

والدولة لم تدر ما تجيبهم، لأنها تحب المحافظة على محبة المغرب بجميع ما يمكنها. وإن أراد سيدنا أيده الله قطع الشرط، فيوجه أعزه الله من يتكلم معهم في شأن ذلك ليجيدوا ما لا يجيبون به.
وذكر الباشادور المذكور أنه تكلم مع خديم سيدنا الحاج عبد الكريم بريشة. ليبلغ كلامه في هذه القضية، وأنه لم يرد له جواب. فيطلب التعجيل بما يظهر لسيادة مولانا أعزه الله ليعرفوا ما يجيبون به للرعية وأهل الجزر المشار إليها، طالبا من مولانا رضاه والسلام.
في 9 رمضان المعظم عام
1297 خديم سيدنا أعزه الله محمد بركاش
لطف الله به».
كان جواب السلطان المولى الحسن الأول متمثلا في التصعيد مع القوى الأجنبية في المغرب، لوقف التحركات الأجنبية، خصوصا بعد نشاط التاجر «ماكينزي» في طرفاية، والذي أدى إلى نهج سياسة أكثر صرامة لمواجهته، سيما وأن الإسبان بدؤوا يخططون بدورهم لإطلاق مبادرة مماثلة، حتى لا يسبقهم الإنجليز إلى أي امتياز في الصحراء.

 

 

رسالة مخزنية تؤكد أطماع الأجانب في الصحراء سنة 1883

كثيرة هي الرسائل المخزنية، سواء التي أرسلها السلطان المولى الحسن الأول أو من ينوب عنه، إما من إخوته الأمراء أو خلفائه، إلى عماله وولاته وموظفي المخزن، الموثقة للأطماع الأجنبية في المغرب، التي يحفظها أرشيف الرسائل المخزنية. ومنها هذه الرسالة والتي يكشف فيها أحد المخلصين للسلطان، عن مخطط «ماكر» الهدف منه بسط النفوذ الأجنبي في موانئ الصحراء، بغطاء تجاري. حيث عمد هذا المخزني، واسمه الصويري، إلى مراسلة وزير السلطان المولى الحسن الأول، بهدف أن يصل مضمون الرسالة إلى السلطان، ويحذره من الأطماع الأجنبية.

وهذا نص الرسالة:

«الحمد لله وحد وصلى الله على سيدنا محمد وآلة وصحبه.

سيدنا، الفقيه الأجل الأمجد، وزير مولانا الأرضى، سيدي محمد العربي بن العربي المختار، حفظك الله وسلام الله عليك ورحمة الله، عن خير مولانا دامت سعادته أيده الله ونصره.
وبعد،

فأنهي لسيادتك، أن يوم الخميس ورد مركب حربي اصبانيولي فيه كبير جزائر كنريه، أخبرنا بعض الصبنيوليين هنا أنه كان في قادس يتكلم مع وزير الأمور الخارجية عندهم، إما مشافهة أو في سلك التيلغراف، عن هذه القضية وأمضى معه ما يكون فيها..
وهؤلاء السكان مجدون في إتمام هذا الأمر ولو بالحرب، حسبما يظهر لنا من أحوالهم. بل قيل لنا إنهم أراحوا دولتهم من هذه القضية والتزموا القيام بها بأنفسهم وقوتهم، رد الله كيدهم في نحرهم، ووجب إعلام سيادتك بهذا ولو كان من فضول الكلام. وعلى الخدمة الشريفة والسلام.
في 11 رجب الفرد عام 1300
أحمد بن عبد الله الصويري لطف الله به».

الرسالة تكشف مخطط تسلل في غطاء تجاري، لكن الهدف منه كان عسكريا. ونجح المغرب فعلا في مواجهة هذه المؤامرة التي كان الهدف منها السيطرة العسكرية على ميناء أكادير، والتوجه إلى الصحراء، خصوصا إلى طرفاية للسيطرة على المركز التجاري هناك، وإعلان عدم تبعيته للمغرب. لكن المخطط فشل عندما أرغم ركاب السفينة على أن يعودوا أدراجهم، وراسل السلطان القناصلة الأجانب في طنجة بهذا الخصوص، محذرا من تبعات مثل هذه المؤامرات، مع التلويح بقطع العلاقات مع أي دولة تعمد إلى مخطط من هذا النوع.

 

دراسة منسية توثق لمخطط بريطاني منذ 1871 لإقامة ميناء بالصحراء

في شهر فبراير 1977، نُظمت ندوة علمية في مدينة فاس، كان موضوعها تاريخ منطقة الصحراء، ووثائق البيعة بين قبائلها والعرش العلوي، في ظل الأطماع الاستعمارية التي استهدفت المغرب منذ القرنين 17 و18.

لحسن الحظ أن مجريات الندوة، نُشرت في الشهر الموالي في مجلة «دعوة الحق»، التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وإلا لكانت نصوص المداخلات قد فقدت ولما وصل مضمونها الغني إلى الباحثين والأكاديميين والمهتمين.

ورغم أن نص واحدة من المداخلات، في إطار النقاش العلمي، لم تحمل توقيع صاحبها، إلا أنها تبقى وثيقة تاريخية مهمة ترصد أصول الأطماع البريطانية في الصحراء، وتسلط الضوء على الأسباب الحقيقية التي جعلت المولى الحسن الأول يتخذ قرار مواجهة هذه الأطماع وقطع الطريق أمام توسع الإنجليز في الصحراء المغربية.

ومن أقوى ما جاءت به هذه الدراسة:

«.. وقد تلقى الحسن الأول عرضا من بريطانيا سنة 1871 بفتح ميناء جديد بأكادير، ثم تجدد العرض نفسه في سنوات 1874، 1876، 1878، 1879 .
وفي سنة 1881 قبل المغرب افتتاح هذا الميناء الذي عرف المخزن كيف يستغله تجاريا وعسكريا.
وكان على مولاي الحسن أن يقبل عرضا جديدا لفتح ميناء أبعد جنوبا على شاطئ الأطلس، حتى يؤكد سيادته على الأجزاء النائية من البلاد، والتي هي موضع أطماع بعض الدول الأجنبية. وكان هذا العرض مرة أخرى من بريطانيا. وقد رأى مولاي الحسن أن يستغل هذا التنافس، خصوصا بين بريطانيا وفرنسا، لضمان سيادته على الأجزاء المذكورة، حيث تتعذر لضمان سيادته على الأجزاء المذكورة، المواصلات ولا يجد السكان وسيلة ملائمة للتبادل التجاري في عين المكان. وكان الميناء الجديد هو (أساكا) على وادي أقشاكا الفاصل بين منطقتي سوس ولون. ولكن الواقع أن ميناءي أكادير وأساكا كان عليهما أن يؤديا قبل كل شيء مهمات عسكرية من شأنها مراقبة تحركات السفن الأجنبية والعناصر الداخلية، التي يمكن أن تخضع لتهديد أو إغراء الأجانب. ولحسن الحظ لم تكن هناك حاجة في الواقع لحملات داخلية، لأن الزعماء الشعبيين تسارعوا إلى إعلان ولائهم للسلطان تلقائيا، سنة 1882، بل أكدوا رغبتهم في صد كل هجوم خارجي محتمل.

ثم كانت الحركة الثانية سنة 1886 والتي سار فيها السلطان الحسن الأول على رأس جيش يبلغ أربعين ألف مقاتل.
ولقد سارت هذه القوة نحو تيزنيت دون أن يكون هناك أي اعتراض لها، وكان لها أثر معنوي لا في إقرار هيبة السلطان في سوس وما وراء سوس فحسب، بل حيال الدول الأوروبية التي يراقب ممثلوها في الصويرة كل شاذة وفلذة في تطورات السياسة المغربية أيضا».

 

 

عندما أغضبت بناية بريطانية سرية القصر الملكي

كانت مغامرة غير محسوبة العواقب. ظن البريطانيون أن خبر بناء مستعمرة صغيرة في مدينة طرفاية، لن يصل إلى القصر الملكي في حينه، كما أنهم قللوا من شأن وأهمية الموضوع، في تحد صارخ لسيادة المغرب.

في العام 1879، كان السلطان المولى الحسن الأول موجودا في القصر الملكي بمراكش، عندما وصل إلى علمه خبر مفاده أن البريطانيين رسوا في طرفاية، وشرعوا في بناء مستعمرة، بإشراف تاجر بريطاني، يعرف القصر الملكي جيدا، كما أن القصر كان يعرفه أيضا.

يتعلق الأمر بالتاجر ورجل الأعمال البريطاني «دونالد ماكنزي». هذا الأخير بعد أن راكم تجربة في التجارة مع المغرب، فترة قصيرة قبل جلوس المولى الحسن الأول على العرش سنة 1873، فكر في إنشاء مجمع تجاري في مدينة طرفاية، لكي يكون قاعدة لانطلاق تجارته عبر الصحراء، وأيضا لربط بريطانيا بحرا بجنوب المغرب وصولا إلى السنغال.

هذا المشروع «الطموح» ما كان ليتم دون بناء هذا المركز التجاري في طرفاية، والذي اختار له ماكنزي اسم: «دار البحر».

بعض المصادر التاريخية تقول إن البناء تم دون علم المغرب، وإن الخبر لم يصل إلى السلطان إلا بعد انطلاق أشغال البناء. ورجحت مصادر أخرى أن يكون «ماكنزي» قد أثار، عبر المفوض البريطاني في طنجة، موضوع المشروع، لكنه لم يحظ بأي اهتمام من الجانب الرسمي المغرب.

بينما في المصادر الموثوقة، يوجد ما يؤكد أن «ماكنزي» أصر على تأسيس «دار البحر» في تحد صارخ للسيادة المغربية، وتعمد بناءها دون الحصول على موافقة من السلطان. كان «ماكنزي» مسنودا من المفوضية البريطانية، وكان المخطط من الأساس في إطار مسلسل «الاستفزاز» البريطاني للسيادة المغربية في بداية عهد المولى الحسن الأول، قبل أن تهدأ الأمور وتتحسن العلاقات بين البلدين في عهده.

كان المشروع يرمي إلى ربط النقط التجارية ببريطانيا، في معزل تام عن سلطة «المخزن» المغربي. وهذا ما تؤكده الوثائق البريطانية.

رفض السلطان المولى الحسن الأول أن يبقى هذا المشروع قائما، سيما وأنه في ذلك الوقت كان يهدف إلى فرض الاستقرار في مثلث «مراكش فاس والجديدة»، دون أن يغفل المشاكل التي كانت تعاني منها المناطق الأخرى، خصوصا في تافيلالت، ثم سوس التي كانت هي الأخرى تعيش على وقع التمرد القبلي. وغير بعيد عن السلطان، حيث كان مستقرا ما بين فاس ومراكش، قامت مجموعة من الثورات ضد المخزن، قادتها بعض القبائل.

هذه المشاكل، استأثرت باهتمام السلطان المولى الحسن الأول، وأعطاها أولوية قصوى.

واقعة أزمة «دار البحر»، حدثت سبع سنوات قبل سفر المولى الحسن الأول الشهير إلى الصحراء سنة 1886.. وأصبح موضوعها متجاوزا، أو لنقل «عثرة دبلوماسية» بين المغرب وبريطانيا، بسبب تعنت رجل أعمال، كان يستقوي بالمفوض البريطاني المقيم في طنجة، والذي لم يكن يعرف أي شيء عن ارتباط قبائل الصحراء بالمولى الحسن الأول، واستعداد القصر لقطع العلاقات مع بريطانيا، إذا أصبحت تشكل تهديدا على وحدة المغرب، قبل ما يقارب قرنا ونصف القرن من الزمن.

 

 

سفر الحسن الأول إلى طرفاية.. رسالة «مشفرة» إلى لندن

بعد أزمة «دار البحر» بسنوات، سافر المولى الحسن الأول رحلته الشهيرة إلى الصحراء، قبل أن تسترد رسميا سنة 1895م، أي بعد عام واحد فقط من وفاة السلطان الذي وافته المنية وهو في طريق عودته إلى القصر الملكي بفاس.
وفي سنة 1886م، كان المولى الحسن الأول قد قضى في العرش ما يكفي لكي يفهم جيدا «الحالة المغربية»، وقرر أن ينطلق في رحلة لطمأنة القبائل، وتهدئة الأوضاع، وتأديب الخارجين عن سلطة المخزن.

قاد السلطان «حركة» نحو منطقة سوس، منطلقا إليها من مراكش، ومنها مر إلى الجنوب، وصولا إلى منطقة كلميم، باب الصحراء، ومضى في سفره جنوبا إلى أن وصل إلى «وادي نون» و«طرفاية». وحسب ما سجله المؤرخون، فإن المولى الحسن الأول وصل إلى طرفاية بالضبط يوم 16 مارس 1886، الموافق للعاشر من شهر جمادى الثانية في العام 1303 هجرية.

وكانت وقتها قد مضت سبع سنوات على أزمة «دار البحر»، وكانت أيام رجل الأعمال «ماكنزي» في المغرب قد انقضت وولت إلى غير رجعة. لكن السلطان كان لا يزال يحمل ذكريات تلك الأزمة، وعمد فور وصوله إلى طرفاية إلى استقبال القبائل التي جاءت خصيصا لتجديد البيعة للعرش العلوي.

كان المولى الحسن الأول مدركا أن الإنجليز كانوا يتربصون بمنطقة الصحراء، كما أن رحلته إلى طرفاية، كان الهدف منها أساسا إبعاد الأطماع الاستعمارية عن المدينة ومحطيها.

خروج القبائل لاستقبال السلطان، كان محط قلق من طرف الإنجليز. ففي مراسلة للقنصل البريطاني إلى لندن، أكد الأخير أن خروج القبائل لبيعة السلطان، سوف يزيد من تعقيد عملية الهيمنة التجارية على الصحراء.

وهكذا فقد كان المولى الحسن الأول، قد وجه ضربة موجعة للإنجليز، سنوات بعد التحرش المهين بالسيادة المغربية.

أهم ما جاءت به رحلة المولى الحسن الأول إلى طرفاية، تنظيم الإدارة المحلية. فقد استثمر المولى الحسن الأول وجوده في طرفاية، لكي يؤسس الإدارة المخزنية في المدينة، ويعين الأمين والمخازنية الجدد المكلفين بمرسى المدينة، وتجارتها وحماية حقوق التجار المغاربة، والمنحدرين من جنوب الصحراء الكبرى، القادمين إلى المغرب.

كان عامل ولاء السنغال للزوايا مثمرا، ومساعدا على حصد مناصرة هؤلاء لسياسة المخزن الجديدة في طرفاية. تم تنظيم الإدارة المحلية، قبل أن يسافر المولى الحسن الأول عائدا إلى مراكش. وكانت هذه الإصلاحات الإدارية موضوع تقارير بريطانية كثيرة. وفهم الإنجليز فورا أن رحلة السلطان إلى الجنوب المغربي، كانت رسالة مباشرة إلى لندن، لكي ترفع يدها عن المنطقة.

 

 

صحافي بريطاني تجند لمرافقة السلطان في رحلته إلى الصحراء

كان الصحافي والمغامر البريطاني «والتر هاريس» قد تجند سنة 1893، لكي يلحق بالسلطان المولى الحسن الأول في رحلته الشهيرة والتي استمرت لأشهر طويلة إلى الصحراء الشرقية، وكان السلطان وقتها قد وصل إلى مشارف منطقة «تافيلالت». والهدف، بالنسبة إلى هاريس، كان أن يرافق السلطان جنوبا لكي يصل معه إلى تخوم الصحراء.

هل كان «والتر هاريس» في مهمة استخباراتية، أم أنه كان يلبي نداءه الداخلي المتمثل في إغراء تغطية صحافية لسفر ملكي إلى الصحراء، كان يعلم يقينا أنه سوف يحظى بمتابعة واسعة في بريطانيا، إن هو كتب عنه لصحيفة «التايمز».

لقد كان والتر هاريس متابعا جيدا للأحداث، ويملك خلفية تؤهله لكي يدرك أهمية رحلة المولى الحسن الأول إلى طرفاية، بالنسبة إلى الحكومة البريطانية.

لذلك، لا تهم نظرية المؤامرة التي تلمح إلى إمكانية اشتغال هاريس كجاسوس على «المخزن».. فالرجل على كل حال، لم يحقق هدفه بالكامل، لكنه على الأقل لحق بالسلطان، وكان يأمل أن يلتقي الموكب السلطاني في الطريق، ويرافقه إلى الصحراء.

هذه المغامرة، سجلها «والتر هاريس»، في كتاب مثير صدر سنة 1896، أي في الوقت نفسه الذي كان فيه السلطان قد وصل إلى طرفاية.. واختار له عنوان «تافيلالت».

فقد كان هاريس يدرك أن الكتاب سوف يباع في بريطانيا، ما دام موضوعه يتعلق برحلة السلطان الأولى إلى الصحراء الشرقية، قبل أن يتسع نطاق الرحلة نحو الجنوب.

وما يؤكد احتياط المخزن وحساسية الرحلة، أنهم لم يمنحوا والتر هاريس امتياز لقاء السلطان. وهنا بالضبط تكمن أهمية هذه التجربة أو الرحلة، من الناحية التاريخية. إذ إن السلطان المولى الحسن الأول لم يلتق هاريس، رغم أن هذا الأخير غامر بحياته وقطع سلسلة جبال الأطلس، ووظف «زطاط» لكي يقطع به الطريق مختصرا، ويصل إلى الشرق بالتزامن مع وصول السلطان إلى هناك. ورغم هذا كله، فإن السلطان أبقى مخطط الرحلة، في أولى مراحلها سرا، بعيدا عن البريطانيين قبل سفره إلى طرفاية بقرابة عامين ونصف العام. ولا شك أن هذا العامل يبقى أحد أهم أسباب نجاح مهمة السلطان لاحقا.

وصف والتر هاريس في كتابه، أجواء «محلة» السلطان، وهي نفسها المحلة التي سافر على رأسها إلى طرفاية.

يقول هاريس إن الجميع كانوا ينتظرون أن يخرج السلطان الحسن الأول من خيمته الخاصة، حيث كان يقضي الوقت ليرتاح، وبمجرد ما أن يغادر تلك الخيمة، سوف يُعرف مصير رغبة والتر هاريس.

يقول هاريس إنه قضى خمسة أيام كاملة في الانتظار، وتعرف فيها عن قرب على واقع عمل جنود الحراسة. وبما أن هاريس معروف بقلمه الحاد واللاذع، فإنه لم يُعدم كلمات وجملا للنيل من حياة المخازنية الذين تكلفوا بحراسة خيمته والحرص على ألا يغادرها نهائيا.

يقول هاريس إنه بدأ يشعر بعض مضي الأيام الخمسة بالملل، وكاتب القائد ماكلين يسأله عن مصيره. هذا الأخير طلب منه أن يبقى حيث هو، في انتظار قرار السلطان. لكن هاريس كتب إلى وزير الخارجية وطلب منه أن يخصص له خيمة نظيفة، له ولرجاله، وبعض المؤونة، خلال فترة انتظار رد السلطان. وفي نفس المساء الذي راسل فيه وزير الخارجية، جاءه الرد ليلا: «وصلني الرد ليلا. لقد تم إخبار السلطان بمجيئي، وقد عبر عن عدم رضاه عن وجودي هناك، ورفض بطبيعة الحال أن يمنحني خيمة أو أي شيء آخر، وقيل لي أن ألزم المكان الذي كنت فيه وألا أتحرك منه إلى حين وصول أوامر أخرى».

ولكي يُبهر والتر هاريس قراءه، الإنجليز خصوصا، فقد انتقل إلى الحديث عن الظروف التي مكث فيها هناك وحيدا، في انتظار السماح له بالمغادرة. بدا واضحا أن المخزن توجس من وجود هذا المغامر والصحافي الأجنبي على بعد أمتار من خيمة السلطان الذي كان يزور تافيلالت لإنهاء مشاكل المنطقة وتقوية حضور الدولة فوق ترابها، والأكيد أن بعض التفاصيل لم يكن مرغوبا في أن تصل إلى الصحافة الدولية.

قدم والتر هاريس لاحقا وصفا دقيقا لـ«مْحلة» السلطان الحسن الأول، وتحدث عن وجود 40.000 شخص يرافقونه، ما بين الوزراء والخدم والعمال والمكلفين بمهام الطبخ وتحضير الشاي واستقبال الضيوف ونصب الخيام وجمعها وحراسة الخيول وإطعامها. لقد كان الأمر أشبه بمدينة متنقلة.

هذه المعلومات، عندما نشرها هاريس في كتابه، وكان وقتها قد مضى عليها قرابة ثلاث سنوات، زادت من أهمية رحلة السلطان إلى طرفاية، وجعلت الإنجليز يولون اهتماما أكبر لتنقلات المولى الحسن الأول.. فقد كان واضحا أن سفرا من هذا النوع، مع طاقم بهذا الحجم، لا يمكن أن يكون الهدف منه التجوال أو السياحة، وإنما بعث الرسائل إلى الخصوم.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى