
فادي شامية كاتب ومحلل سياسي
مختص في الشؤون اللبنانية والسورية والإيرانية
(جمهورية لبنان)
تحمل سياسة إيران الإقليمية ملامح مشروع واضح المعالم تريد فرضه على المنطقة العربية. ويتكون هذا المشروع من جملة مفردات، أهمها: مد النفوذ الإيراني على دول الجوار، والتعامل مع ملفاته كأوراق تفاوضية مع الدول الكبرى، وإلحاق الشيعة العرب بإيران، وتصدير قيم الثورة ونشر التشيع في المنطقة.
تتمثل خطورة هذا المشروع في مستويات عدة، أهمها: محاولة تقويض الشعور الوطني لدى الشيعة العرب على وجه الخصوص لصالح الشعور المذهبي، ومحاولة تحويلهم تالياً إلى أدوات لصالح إيران، إضافة إلى إثارة الاضطرابات والانقسامات في المنطقة العربية، ومحاولة «غزو» الواقع العربي ثقافياً ومذهبياً، وخلق صورة نمطية إيجابية عن سياسات إيران، خلافاً للواقع.
ولا يخفى أن لهذا المشروع عوائقه الداخلية والخارجية، فإيران بلد قوي عسكرياً لكنه ضعيف اقتصادياً (14 مليون إيراني يعيشون دون خط الفقر)، وهو يعاني من انقسامات إثنية ومذهبية، كما يعاني من خلافات سياسية تبدت بوضوح بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فضلاً عن أن البعد المذهبي في الثقافة الإيرانية غير مقبول في المنطقة العربية… لكن النظام الإيراني يتخطى ذلك كله من خلال «استثماره» في القضية الفلسطينية، وفي الصراع مع «إسرائيل»، ومن خلال هذا «الاستثمار» يعبر إلى قلب العالم العربي عبر حلفاء وأدوات من قلب هذا العالم.
ثلاثة أنماط
نمط استراتيجي يهدف إلى مد النفوذ، ومنع قيام «جبهة» عربية ضد إيران، وركائزه تقوم على أسس التحالف مع سوريا، ومع حركات المقاومة العربية. كما يعتمد أيضاً على دعم التنظيمات الشيعية في العراق لتأمين دوام السيطرة عليه، وعلى تقاطع المصالح مع «القاعدة» في استهداف الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من التباين الواضح بين فكر «القاعدة» والثقافة الإيرانية.
نمط إيديولوجي يهدف إلى نشر التشيع بالمنطقة، ومحاولة سحب المذاهب الشيعية الأخرى، الزيدية والعلوية تحديداً، إلى المذهب الإثني عشري المتبع في إيران، ودعم الشيعة العرب وربطهم بولاية الفقيه، ومحاولة إقامة «هلال شيعي» في المنطقة العربية، يبدأ من العراق وينتهي في جنوب لبنان. إضافة إلى تطويق المملكة العربية السعودية بحزام من الأزمات ذات الطابع المذهبي، سيما في العراق، واليمن والبحرين.
نمط اقتصادي يقوم على أساس تحويل إيران إلى قوة اقتصادية، من خلال استفادة أكبر من مصادر الطاقة وبناء أحلاف اقتصادية كبرى في المنطقة. وهذا النمط هو الأقل أهمية في السياسات الإيرانية، رغم أنه مشروع (من المشروعية) بالكامل، خلافاً للنمطين السابقين.
ورغم أن المشروع الإيراني يهتم بشدة بالنمطين الاستراتيجي والإيديولوجي، فإنه يفضل النمط الاستراتيجي عند التعارض، بعيداً عن المبادئ والقيم التي يتغنى بها النظام. وثمة نماذج مذهلة للدلالة على ذلك.
شكلت صرخة بائع الخضر محمد بو عزيزي؛ القشة التي فاض معها كأس صبر الشعوب العربية، بعد عقود من الظلم. أسقط التونسيون نظام زين العابدين بن علي، فيما عُرف بـ«ثورة الياسمين». قبل ذلك بست سنوات -تقريباً- أحرقت النيران في بيروت رفيق الحريري، فاندلعت «ثورة الأرز» التي أسقطت النظام الأمني السوري-اللبناني، وأخرجت الجيش والمخابرات السورية من لبنان، فكانت نموذجاً اقتدت به ثورات العرب في ما بعد. توالت عدوى الثورات، ووصلت إلى مصر ثم إلى ليبيا واليمن… وأخيراً وصلت إلى سوريا. بهذه الثورات بدا أن جدار الخوف سقط، حتى لدى الشعوب التي لم تثر. كيف قاربت إيران هذه الثورات، وعلى أي أسس؟ هذا ما سنتعرف عليه في الفقرات الآتية.
المقاربة الإيرانية للثورات العربية
يمكن التعرف على الموقف الإيراني من الثورات العربية، من خلال تصريحات وأفعال القادة الإيرانيين، كما من خلال حلفاء إيران وأدواتها في المنطقة.
في 19/3/2011 أطل أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصر الله متضامناً مع «شعوبنا العربية؛ وثوراتها وانتفاضاتها وتضحياتها، خصوصاً في كل من تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن». في خطابه التضامني هذا؛ أقحم نصر الله الفتنة المذهبية في البحرين في عداد الثورات، وتجاهل بشكل كلي الحراك الشعبي الجاري بوتيرة متصاعدة في سوريا، فضلاً عن إغفاله الثورة الخضراء في إيران، من خلال «تخريجة» ذكية تمثلت بحصر التضامن بـ«الثورات العربية».
والواقع أن المواقف الإيرانية كلها لا تختلف عن التصنيف أعلاه؛ وهي تفتقر إلى ثلاثة شروط ضرورية لاعتبار تضامنها مع الثورات العربية تضامناً صادقاً، وهي: الشمولية، والموضوعية والصحة.
أولاً: الشمولية: إذ لا يصح بحال من الأحوال، لأي متضامن -فضلاً عن أية جماعة تدعي التضامن من منطلقات أخلاقية – أن تنظر إلى الثورات بمعايير مختلفة، فتتحدث -بحق- عن ثورة مجيدة في تونس ومصر وليبيا واليمن، ثم تغفل ما يجري في سوريا، لأن الاعتبار السياسي يفرض ذلك.
ثانياً: الموضوعية: حيث لا تجوز إقامة رابط غير موضوعي بين الثورات العربية وعلاقة الأنظمة بالولايات المتحدة الأمريكية، كما لا يجوز تكييف الثورات العربية على أنها ثورات دينية أو صحوات إسلامية إذا لم تكن كذلك. عدم الموضوعية مرده هنا إلى أن الشعوب الثائرة إنما تثور على الظلم والقهر وسلبها حقوقها قبل أي شيء آخر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن التبعية لأمريكا والغرب هو عامل إضافي في تسعير الثورة وزيادة سخط الشعب، وليس عاملاً وجودياً كما يحاول المستثمرون في الثورات العربية أن يوحوا لجمهورهم. الدليل القاطع على ذلك أن الثورات لم تبق حبيسة الأنظمة المسماة أنظمة «اعتدال»، وإنما شملت الأنظمة «الثورية»، كالنظام الليبي، ووصلت إلى نظام «الممانعة» الأول في المنطقة أي النظام السوري.
ثالثاً: الصحة: إذ بدا لافتاً جداً إقحام إيران دولة البحرين في عداد الدول التي تشهد ثورات تغييرية. النظام في البحرين بحاجة إلى إصلاحات يقيناً، لكن الأصح أنه لا تمكن مساواة تونس ومصر بالبحرين، لسبب ظاهر وبسيط، وهو أن الانقسام المذهبي في البحرين، ليس بين أقلية وأكثرية، وإنما بين فئتين شبه متساويتين من الشعب.
احتفاء بثورة الياسمين
حسم الجيش التونسي الموقف وأجبر الرئيس زين العابدين بن علي على الفرار في 14/1/2011. وفي اليوم التالي تولى رئيس مجلس النواب محمد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت، وأصبح الباجي قائد السبسي في 27/2/2011 رئيساً للحكومة المؤقتة، ثم جرت انتخابات المجلس التأسيسي في 23/10/2011.
وظف النظام الإيراني الثورة في تونس في خدمة أهدافه، فادعى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن «ثورة الياسمين» هي نتيجة الثورة الإيرانية، فيما الواقع أن الثوار، سيما الشباب الذين حركوا الاحتجاجات، لا علاقة لهم بفكر الإمام الخميني، ولا يعتبرونه قدوة لهم، ولم يفكروا أبداً بقيام نظام شبيه بالنظام الذي أنتجته الثورة الإيرانية، فضلاً عن أنهم جميعهم لا يؤمنون بالعقيدة الشيعية.
ركوب موجة الثورة المصرية
أبى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن تمر الثورة المصرية دون أن يركب موجتها، فأعلن أن الثورات التي تجري في المنطقة -ومن ضمنها ثورة 25 يناير- «يقودها الإمام المهدي»، وأنها نتيجة «الثورة الإيرانية» (1979)، وأن «صحوة ضخمة تحصل ويمكن رؤية يد الإمام المهدي فيها»، وأن «الإمام المهدي يدير العالم ونحن نرى يده المدبرة في شؤون البلاد كافة».
من المفارقات اللافتة التي تجعل كلام نجاد مدهشاً حقاً، أنه في الوقت الذي كان يربط فيه الثورة المصرية بثورة الإمام الخميني، كان ميدان التحرير في مصر يعلن عبر خطيب الجمعة الآتي: «نقول لأمريكا وإيران وحزب الله دعوا ثورة مصر لشباب مصر، وكفوا نصائحكم عنا». كما كان يعلن الثوار في الميدان إهداء ثورتهم إلى «الثورة الخضراء» في إيران!
ومع ذلك؛ أصرت إيران على إلباس الثورة المصرية لبوساً ليس لها، حيث وصف السيد علي خامنئي ثورة مصر بأنها ثورة إسلامية، وبداية لـ«شرق أوسط إسلامي جديد». هذه المرة جاء الرد من جماعة «الإخوان المسلمين»، أكبر الجماعات المصرية، إذ اعتبرت أن الثورة في مصر «لا تعتبر ثورة إسلامية» (بالمفهوم الإيراني)، في رد غير مباشر على السيد خامنئي (صادف يوم انتصار الثورة في مصر مع يوم استشهاد مؤسس الجماعة حسن البنا).
وفي ما بعد تبين وجود بعض المجموعات الصغيرة، أكثر هؤلاء شيعة غير مصريين، دخلوا إلى ميدان التحرير، تحت حجة مناصرة الثورة، لكن شباب الميدان تبرؤوا منهم تحت عنوان أن «لهم مطالب فئوية»، وطالبوا الجيش بـ«إخراجهم من ميدان التحرير بالقوة!». واستناداً إلى مواقف الولي الفقيه، قامت بعض القنوات الفضائية في بغداد وبيروت بربط غير موضوعي بين ثورة الإمام الخميني وثورة 25 يناير، أو بين حرب يوليوز 2006 والثورتين التونسية والمصرية.
والواقع أن تصريحات القادة الإيرانيين وحلفائهم في المنطقة لاقت استياءً في الشارع المصري، عبّر عنه المواطن البسيط، كما عبّر عنه الإعلام المصري، حتى أن المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم- الذي دأب الإعلام العربي التابع لإيران- على اتخاذه مؤشراً على النبض المصري الرافض للصلح مع «إسرائيل» (أغنيته الشهيرة: أنا أكره إسرائيل)، قرر تسجيل أغنية لتمجيد الثورة ورفض مواقف خامنئي ونصر الله تحت عنوان: محروسة يا مصر.
ما سبق يعني أن المحاكاة الحقيقية لما جرى في مصر يتمثل بما جرى يوم الاثنين 14/2/2011 ويوم الأربعاء 16/2/2011 في إيران، حيث انتقلت روح الثورة من مصر إلى طهران وليس العكس، فأعاد «الإصلاحيون» شبابهم وخرجوا بمظاهرات تطالب بالإصلاح!
الثورة تسقط عميد الطغاة العرب
فعلياً، فإن الثورتين اللتين سبقتا بالنجاح في كل من تونس ومصر، أصابتا بلدين مصنفين في ما يسمى «اعتدالاً» عربياً، لكن ما هو أدق في هذا المجال أن هذه الثورات خرجت من رحم الظلم والقهر قبل أي شيء آخر، خلافاً لمحاولات تحميلها أبعاداً قومية أكثر مما تحتمل. الدليل على ذلك أن الثورة انتقلت إلى ليبيا لإسقاط عميد الطغاة معمر القذافي، والأخير لا يمكن بحال اعتباره معتدلاً، أو وصف نظام جماهيريته بصفة الاعتدال والتبعية لأمريكا، وهي الدولة التي حاربته وقصفت بيته وقتلت ابنته، وظلت على عدائها له، رغم تخليه الطوعي عن برنامجه النووي المثير للجدل، ودفعه تعويضات كبيرة لمتضرري جريمة لوكربي. فضلاً عن أن الخارجين على نظامه هم، لا سواهم، من طالب العالم – وهو مطلب حق- بالتدخل لصالحهم فيما بدا القذافي – عن غير حق- كمن يقاتل الاستعمار الجديد! وهذا ما أعلنه بالضبط الرئيس الكوبي فيدل كاسترو والفنزويلي هوغو شافيز الموصوفين بعدائهما لأمريكا والغرب، حيث رأى كاسترو أن أمريكا هي التي تحرّك الثوار الليبيين، بينما اعتبر الرئيس الثوري هوغو شافيز أن لا وجود لثورة في ليبيا، وإنما يواجه «القذافي حرباً أهلية»!
الطريف أن الثورة في ليبيا أربكت بعض حلفاء إيران (سيما في لبنان)، ممن كانوا يتقاضون أموالاً من القذافي منذ سنوات طويلة، مع أن هؤلاء كانوا يحجزون مقاعد أمامية لأنفسهم في محور «المقاومة والممانعة»!
نافذتان:
المواقف الإيرانية كلها تفتقر إلى ثلاثة شروط ضرورية لاعتبار تضامنها مع الثورات العربية تضامناً صادقاً، وهي: الشمولية، والموضوعية والصحة.
استناداً إلى مواقف الولي الفقيه قامت بعض القنوات الفضائية في بغداد وبيروت بربط غير موضوعي بين ثورة الإمام الخميني وثورة 25 يناير.





