حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

المصَادفة أو القصد والتصميم

بقلم خالص جلبي

كل ما في الكون ابتداء من بناء الذرة حتى أعقد أشكال الحياة يشير إلى التصميم والقصد في بناء الكون والحياة، ولكن مع هذا فهناك شبهة تدور في ذهن البعض وهي رد كل شيء إلى “الصدفة”!..

والحق يقال أن الصدفة بذاتها أو فكرة المصادفة أو الاحتمالات لها قانون قائم بذاته يدرسه طلاب الجامعات في كلية للعلوم وله بحث قائم بذاته فليس هناك مجال لخبط عشواء..

والآن ما هي فكرة المصادفة؟

هناك فرق بين خلق الشيء وترتيب الشيء أو تركيبه، حيث إن فكرة المصادفة لا يمكننا أن ندخلها لأن الوجود لا تحكمه قانون المصادفة بحال من الأحوال، وأما تركيب الأشياء فقد يبقى موضع بحث، كما أن حركة الشيء لا يمكن أن يرد إلى المصادفة، وهكذا تجد أن قانون المصادفة يبقى مشوهاً مبتوراً منذ الأساس، فإلقاء حجر النرد ذي الوجود السداسية قد تلعب الصدفة دورها فيتكرر رقم واحد خمس مرات أو ست مرات أو أكثر، ولكن احتمال هذا نادر جداً كما أن احتمال سحب أوراق مرقمة من 1-10 وموضوعة في كيس واحد بصورة مرتبة متدرجة (بحيث أن الرقم 1 يأتي في الأول ثم تتبعه الأرقام التالية بالترتيب) احتمال ضعيف ونادر ولكن أنّى لقانون المصادفة أن يلعب دوره في الوجود أصلاً أو في حركة المادة من الأساس؟!

وهناك ظاهرة الحياة حيث يبقى قانون المصادفة عاجزاً عند هذه العتبة. فترتيب المواد بكيفية ما قد يوضع في مدار البحث، ولكن انبثاق الحياة من الموات يبقى عاجزاً عن التفسير، كليلاً في البحث، وهذه نقطة أخرى جديرة بالنظر.

أولاً: أما قانون المصادفة فصيغته الحرفية: “إن حظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانيات المتكافئة المتزاحمة. وإليك مثلاً يوضح هذه الصيغة، وهو وضع عشرة أرقام مرقمة من واحد إلى عشرة في كيس واحد. فإن احتمال أن يكون الرقم واحد هو الأول احتمال واحد من عشرة، لأن كل رقم من الأرقام العشرة قد يكون هو المسحوب، فالمصادفة ليس لها وجدان ولا ذاكرة كما يقول الرياضي الكبير جوزيف برترند.

وثانياً: إن تطبيق هذا القانون إنما يتم على المادة غير الحية، فدراسة الاحتمال على ضغط غاز في وعاء أو خليط من غازات قد يصح ولكن على الخلية وباقي الحياة فإنه يقف، لأن الترابط في الخلية مع ظاهرة الحياة معجزة ومحيرة إلى حد يجعل هنا القانون غير ساري المفعول في هذا المجال..

وثالثاً: حتى يمكن فهم هذه المسألة المعقدة فسوف نضطر إلى ذكر بعض أمثلة تحدد هذا القانون ونبدأ بالبسيط حتى نصل إلى الصعب المعقد.

المثل الأول: هو دور المصادفة في المثل الأول الذي مرَّ معنا وسوف آخذه بالتفصيل الآن، لو كان معنا كيس فيه عشرة أرقام 1-10 وأردنا أن نسحب ورقة واحدة فإن احتمال أن يكون الرقم واحد هو الأول هو احتمال واحد من عشرة لأنه كما ذكرنا كل رقم قد يكون له الحظ في أن يكون هو المسحوب ولكن المثل يتعقد بشدة أكثر عندما نريد أن نسحب رقمين متتابعين فإن احتمال أن يكون الرقم واحد ثم يتبعه الرقم اثنان هو احتمال واحد ضد مائة لأننا لو فكرنا كيف سيتم الأمر فإن احتمال رقم واحد ثم نتبعه الأرقام الباقية بشكل غير محدد مثل واحد يتلوه سبعة أو واحد يتلوه ثلاثة حتى يكتمل نصاب عشرة مرات ثم بقية الأرقام بالطريقة نفسها فيكون المجموع مائة مرة وهي احتمال أن نسحب رقمين متتاليين ويكون الرقم الأول واحداً والثاني اثنين ثم ينعقد المثل أكثر عندما نريد أن نسحب ثلاثة أرقام متتالية بحيث تخرجُ الأرقام واحد، اثنان، ثلاثة متتابعة فيكون احتمال ذلك هو واحداً ضد ألف، وهكذا نتدرج في التعقيد والصعوبة حتى نصل إلى حد عجيب وهو إذا أردنا أن نسحب الأرقام العشرة مرتبة بعضها تلو بعض بحيث تخرج الأرقام من واحد إلى عشرة متتابعة فإن احتمال أن تخرج الأرقام مرتبة بعضها تلو بعض بشكل متدرج من (1-10) هو مرة واحدة، قد تكون المرة الأولى هي التي ستكون المطلوبة ولكننا لا ننتظر معجزة لأن الطبيعة شريفة غير مخادعة ولأن احتمال عشرة مليارات هو الذي يرد إلى الذهن قبل المرة الواحدة؟!.. وهذا مثل بسيط جداً وهو سحب أرقام وسننتقل إلى ضرب أمثلة معقدة أخرى بحيث أننا سنصل إلى أن نعطي للمصادفة الصفر وهي الاستحالة وستأتي معنا!!..

والآن إلى مثل آخر وهو من عالم الأدوية والصيدلة، لنفرض أن لدينا صيدلية مليئة بأنواع مختلفة من المعاجين والأحماض والأسس والمراهم المنوعة والأدوية العديدة، ثم فجأة حدث اهتزاز أرضي بحيث إن هذه الرفوف التي تحمل هذه الأدوية والمعاجين طرحت كل ما عليها وسالت الأدوية على الأرض واختلطت ببعضها وامتزجت المراهم والمعاجين والمساحيق والسوائل، ولما مضت الهزة الأرضية رجعنا إلى هذه الصيدلية فإذا بنا أمام خليط غير متجانس من الأدوية، إن هذا الفرض هو الأقرب للمعقول، ولكن كيف الحال لو وجدنا أن هذا الخليط قد حقق دواءً جديداً ليس في البال؟ بالطبع إن هذا مستغرب جداً لأن تركيب الدواء يحتاج إلى نسب معينة محددة وإلى تفاعلات معينة محددة، ولكن مع ذلك قد يصدق، ولكن كيف الحال لو أن اختلاط هذه الأدوية والمساحيق والسوائل والمراهم قد أوجدت دواءً جديداً فذاً يعالج مرضاً مستعصياً على الأطباء حتى الآن كما في الصدف أو الصلع وهما مرضان جلديان غير مميتين أو معديين (من العدوى). أو يشفي أمراضاً مخيفة كالسل والسرطان إن هذا في عالم المستحيل، لأن تكون الدواء بنسبة معينة وبكيفية معينة ليشفي مرضاً مخيفاً له حساب احتمالات فوق التصور.

بل كيف لو أن هذا المزيج ركب خلية أو كائناً حياً سواء أكان نباتاً أم حيواناً بالطبع إن هذا لا يدخل ولا يندرج في البحث أصلاً لأن إمكانيات المصادفة تقف عند هذه العتبة وهي انبثاق الحياة.

وثمة مثل آخر يلقي نوراً في هذا البحث وهو مثل المطبعة. لو فرضنا أنه لدينا مطبعة وفيها نصف مليون حرف ثم حدثت هزة أرضية ألقت الحروف بعضها فوق بعض حتى اختلطت إلى حد كبير وتراكمت فوق الأرض ثم عدنا بعد ذلك إلى المطبعة بعد أن انتهت الهزة الأرضية لنرى خليطاً غير متجانس من الحروف والكلمات أن هذا هو الأقرب للمعقول ولكن كيف الحال إذا رأينا جملة أو جملتين مفيدتين فيهما معنى جميل أو مثل عميق أو بيت من الشعر بالطبع إن هذا بعيد جداً، وحتى لو حدث فسوف يثير دهشة واستغراباً عميقين عند من يرى هذا الشيء، وبالطبع إن هذا يعود إلى قانون الاحتمالات وهو هنا تزاحم الحروف حتى تشكل الكلمات ولقد مر معنا أن سحب عشرة أرقام متتالية واحتمال خروجها مرتبة بعضها خلف بعض بالترتيب هو احتمال واحد ضد عشرة مليارات ولكن هنا المثل معقد جداً فهو ليس تزاحم عشرة أرقام بل خمسمائة ألف حرف؟! فالمثل يبلغ حداً من التعقيد بحيث أن قانون الاحتمالات يصل إلى درجة المستحيل فيما إذا رجعنا إلى المطبعة لنجد قصيدة مؤلفة من ألف بيت من الشعر الموزون الجميل ذي المعنى العميق والوزن المتناسق ولا يوجد فيها أي خلل لغوي. بالطبع إن هذا في عالم المستحيل لأنه في عالم الرياضيات – وهو عالم دقيق – توجد حسابات دقيقة محددة ومعلوم فيها أن أي عدد أو زاوية أو رقم تناهى في الصفر فإنه يصل إلى الصفر وهو يعتمد القانون المعروف ( أي لا نهاية).

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى