
عبر امتداد تاريخ العلاقات بين المغرب وإسبانيا، والذي يزيد على ثلاثة عشر قرنا، عاش الجاران العديد من الأحداث والمعارك والحروب والفتوحات والغزوات والاستعمار والتحرر والتداخل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتوتر والهدوء، وكثيرا ما جنح البلدان إلى التعايش والتساكن.
شاءت الأقدار أن يكون البلدان تحت رحمة التاريخ والجغرافيا، وأن يعيش الشعبان بين مد الاطمئنان وجزر القلق، لا يفصل بعضهما عن بعض سوى مضيق يحمل اسم قائد عربي.
من هذا المنطلق شكلت إسبانيا جزءا من مرويات سياسيين وأدباء مغاربة، كما كان للمغرب جزء في مساحة السير الذاتية التي كتبها الإسبانيون. ولأن مذكرات أناس كانوا شهودا على العصر لا تخلو من أسرار وحقائق، رغم أنها تنشر بأثر رجعي، فإن مجرد صدورها عن رؤساء وقادة من صناع التاريخ يكفي لجعلها وثيقة تاريخية تستحق الوقوف عندها.
الفرق بين مادة تاريخية وسيرة ذاتية كالفرق بين مدرس للتاريخ يقدم درسا للتلاميذ، وزعيم يقص على التلاميذ تفاصيل واقعة تاريخية شهد عليها، أو كان من صناعها، ومن خلال روايته سيتعرف المرء على وجهة نظر الحاكم في الوقائع وسيقف على مبررات ما اتخذ حينها من قرارات سياسية، حتى وإن كنت غير متحمس للقرار فقد تعثر في المذكرات على أسباب النزول، وتعرف مدى تأثير الإيديولوجيا في التاريخ والسياسة.
المذكرات ليست «نميمة سياسية أو اغتيابا فكريا»، كما يرى بعض الكتاب، بل هي شهادات تستحق أن نتوقف عندها لإعادة ترتيب الوقائع.
في هذا الملف الأسبوعي، سنعيد قراءة مذكرات شهود على العصر، في علاقتهم بالمغرب.
حسن البصري
خوان كارلوس يشيد بالحسن الثاني في «المصالحة»
في منتصف شهر نونبر 2015، صدرت مذكرات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول بعنوان «المصالحة»، والذي كان حدثا استثنائيا في المغرب قبل إسبانيا، حيث سلط الضوء على تفاصيل غير مسبوقة حول علاقاته بالمغرب، خلال فترة حكمه.
اختار خوان كارلوس لهذه المذكرات اسم «المصالحة»، وكتبها بالاشتراك مع الكاتب الفرنسي لوران دوبراي، بل إنها صدرت في باريس قبل أن تصدر في إسبانيا.
تناولت المذكرات مسيرة الملك خوان كارلوس في «قيادة التحول الديمقراطي» في إسبانيا، إلى جانب تفاصيل عن حياته الشخصية، بما في ذلك علاقاته العائلية المضطربة، كما أفرد مساحة لعلاقته مع الملك الحسن الثاني، وهي العلاقة الشخصية التي وصفها بـ«الوثيقة»، والتي لعبت دورا محوريا في حل أزمات متعددة والحفاظ على الاستقرار بين البلدين.
«أولى اتصالاتي بالحسن الثاني تعود إلى عام 1975 في سياق المسيرة الخضراء، أما قضية سبتة ومليلية فقد كانت دائما موضوع حوار طويل الأمد، حيث كان الحسن الثاني يعتقد أن الأجيال القادمة هي التي ستحل هذه المسألة».
ويبرز الكتاب أن العلاقات الشخصية المباشرة بين الملكين، بما فيها الاتصالات الهاتفية العاجلة، ساعدت على تهدئة التوترات الحكومية وتعزيز التعاون الثنائي في مجالات استراتيجية، مثل الاقتصاد والأمن وإدارة الحدود. كما يروي خوان كارلوس ذكرياته عن أول زيارة رسمية له إلى المغرب عام 1979، وآخر لقاء له مع الحسن الثاني في يونيو 1999، معتبرا فقدانه خسارة لصديق مقرب.
«إن صداقتنا جلبت الاستقرار للعلاقات الثنائية، فالتوترات بين إدارتينا لم تؤثر على علاقاتنا الودية. أحيانا، كنت أتصل به مباشرة لمحاولة تسوية أو حل مشكلة ما. كان المغرب شريكنا الاقتصادي الرئيسي، أما بالنسبة إلى المدينتين الإسبانيتين على الساحل المغربي، سبتة ومليلية، فكان الحسن الثاني يقول لي: سيتعين على الجيل القادم حل هذه المسألة».
وحسب صحيفة «المساء»، فإن اللحظات الأخيرة من حياة الحسن الثاني أثرت بقوة في وجدان ملك إسبانيا.
عندما احتفل الملك الراحل الحسن الثاني ببلوغه السبعين من عمره في الرباط في يوليوز 1999، كان ضعيفا بالفعل بسبب المرض، وأراد أن يرافقه فقط عدد قليل من المقربين، من بينهم خوان كارلوس الأول. وبعد أسبوعين، توفي الملك. وفي الجنازة، بكى الملك الإسباني السابق أمام العاهل الجديد محمد السادس، وأصبحت الصورة رمزا للصداقة «الحميمة»، كما وصفها خوان كارلوس.
في هذه السيرة الذاتية، خصص فصلا مثيرا للجدل للرئيس السابق الجنرال فرانكو، خاصة حين وصفه لفرانكو، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد لمدة أربعة عقود، بعبارات تنم عن الاحترام، إذ قال: «كنت أحترمه كثيرا، وأقدر ذكاءه وحسه السياسي. لم أسمح قط لأي إنسان بانتقاده أمامي».
حاول خوان كارلوس أن يجعل من مذكراته نوعا من النقد الذاتي، من خلال الكشف عن أخطاء شخصية، بينما يرى منتقدوه أنها محاولة لتلميع صورته، خاصة مع فرنسا.
من الطبيعي أن تكون لمذكرات ملك ردود فعل قوية، إذ وصف وزير الثقافة الإسباني إرنست أوتاسون دفاع الملك السابق عن فرانكو بأنه «مقزز»، مؤكدا أن من غير المقبول تزكية وتبرير حكم استبدادي. كما حاول وزير الثقافة اليساري تصحيح الطرح الكارلوسي، حين قال إن الفضل الحقيقي يعود إلى «آلاف المناضلين الذين واجهوا نظام فرانكو، وسجنوا وعذبوا».
خوصي ماريا أثنار: الحسن الثاني لوح بخيار الحرب
خصصت الصحافة الإسبانية حيزا مهما لمذكرات خوصي ماريا أثنار، الرئيس الأسبق للحكومة المركزية بمدريد، وأكدت على اللقاءات التي جمعته بالملك الراحل الحسن الثاني، منذ أول زيارة مباشرة بعد توليه الحكم سنة 1996. ونشرت صحف إسبانية وفرنسية مذكرات رئيس الحكومة الإسبانية، التي اختار لها كعنوان: «التزام».
في المجلد الثاني، يروي المسؤول السياسي الإسباني ما جرى له مع الحسن الثاني في أول زيارة رسمية يقوم بها خارج بلده، وهو في المسؤولية، وهمت الحفاظ على العلاقات المتميزة بين البلدين وخلالها التقى بالملك لأزيد من ثلاث ساعات، تخللتها رسائل مشفرة من الحسن الثاني.
خلال زيارته الرسمية الثانية إلى المغرب في أبريل 1998، تم استقبال خوصي من طرف الملك الحسن الثاني، ثلاثة أشهر فقط قبل وفاته، وعاود الملك مطالبته بحق المغرب في استرجاع سبتة ومليلية، ووصف أثنار محادثته مع الحسن الثاني بأنها كانت أكثر حدة من سابقتها.
«في لحظة من اللحظات، تفوه الحسن بكلمة حرب، بالطبع ليقول إن بلاده لن تعلن الحرب بخصوص هذه المسألة. لكن كلامه كان خارجا عن الموضوع مما دفعني إلى الرد: «موقفك جيد، ولكن إذا أعلن المغرب الحرب على إسبانيا فسيخسرها». لم يذكر أثنار رد فعل الملك الحسن الثاني، لكن العارفين بملك المغرب الراحل يستبعدون أن يكون قد سكت أمام غرور أثنار وغطرسته، حتى لو كان الملك مريضا يعيش الشهور الأخيرة من حياته. ولكن الشيء المؤكد هو أن أثنار عاد إلى مدريد حاملا معه قناعة راسخة، وهي أنه لا بد لإسبانيا أن تمارس سياسة الردع ضد المغرب، حتى لا يفكر في القيام بأي تحرك لاسترجاع ثغوره السليبة.
في مذكراته، لحظات مغرقة في الإنسانية، خاصة بعد الإعلان عن وفاة الملك الحسن الثاني في ذلك اليوم الصيفي، حيث قرر خوصي ماريا أثنار عدم التخلف عن الركب، وانضم إلى قافلة رؤساء الدول والحكومات الذين حجوا إلى الرباط، من أجل تشييع جنازة الحسن الثاني. ويصف لحظات الجنازة في الكتاب نفسه بقوله: «لقد حضرت مراسيم دفن الملك الحسن الثاني، فالأهمية الدولية التي كان يحظى بها كانت جلية في الحضور المكثف لزعماء الدول، لقد كان على طائرتنا الانتظار لمدة معينة لكي تحط، بسبب كثافة الحركة الجوية.. شخصية الحسن الثاني كانت حاسمة في الحياة السياسية المغربية، وظهرت بجلاء يوم الجنازة».
مؤرخ إسباني: خوان كارلوس كان مستعدا لتسليم مليلية
في كتاب المؤرخ الإسباني/ البريطاني، تشارلز باول، «الملك خوان كارلوس والإسقاط الخارجي لإسبانيا»، يسلط مدير المعهد الملكي إلكانو، الضوء على السياسة الخارجية للعاهل الإسباني السابق خوان كارلوس، الذي تنازل عن العرش لابنه فيليبي.
ويرصد باول جوانب من تدبير قضية الصحراء المغربية، قائلا إن خوان كارلوس اعترف في وقت لاحق بأن أزمة الصحراء كانت التجربة الأكثر مرارة التي واجهها كأمير لإسبانيا، ولكنها ساعدت أيضا في تعزيز شعبيته في نظر مواطنيه، الذين قدروا جهوده لتجنب حرب مستحيلة الفوز أمام المغرب، في الدفاع عن إقليم قررت إسبانيا بالفعل التخلي عنه أمام إصرار المغرب على استرجاعه.
ويورد الكتاب اعترافا للملك خوان كارلوس يقول فيه: «من الواضح أنه كان يمكن القيام بالأمور بشكل أفضل في المستوى السياسي، ولكن السياسيين هم الذين يتعاملون مع السياسة، وليس أنا المؤرخ، وهذا كان تقييما صحيحا وواقعيا».
في مذكرات خوان كارلوس الأول المكتوبة بواسطة لورانس ديبري، التي نشرت في إسبانيا، يتفاخر الملك خوان كارلوس بأنه رتب خروج إسبانيا من الصحراء، بعد زيارة إلى العيون، في بداية نونبر 1975.
«في 2 نونبر 1975، سافر خوان كارلوس إلى العيون. وأمام القوات الإسبانية، ألقى خطابا ما زال يذكر حتى اليوم: «إسبانيا لن تتراجع، ستفي بالتزاماتها. وقائدكم الأعلى سيكون هنا بمجرد إطلاق الرصاصة الأولى». لكن الخطاب لم يغير شيئا في الواقع، لأن المفاوضات للانسحاب كانت قد انتهت بالفعل، والمغرب كان قد كسب استرجاع الصحراء.
ويعترف الملك السابق بأن تلك الأزمة قربته من الرباط، حيث وجد «أخا»، كما كان يسمي الحسن الثاني.
وفي أول محادثة لهما في نونبر 1975، قال الملك الحسن الثاني لخوان كارلوس:
«أهنئك على ذهابك إلى هناك مع جنودك».
وأجاب خوان كارلوس: «الآن يمكننا مناقشة موضوع الصحراء بهدوء ونتكلم عن العلاقة بين بلدينا».
وقال خوان كارلوس إن صداقته مع الحسن الثاني أضافت استقرارا للعلاقات الثنائية، وساهمت في تذويب التوترات بين البلدين ولم تفسد علاقاتنا الحميمة..
وحسب المؤرخ الإسباني، فقد كان الحسن الثاني يعتبر إسبانيا بلدا أقرب إلى المغرب منه إلى الدول الأوروبية الأخرى مثل بلجيكا أو فرنسا، حتى أنه قال لوزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، إن الإسبان «عرب مع بيرييه» (في ذلك الوقت، كان البيرييه شائعا بين الفلاحين في المناطق الريفية الإسبانية).
في 2017، تم الكشف عن برقية دبلوماسية أمريكية يعود تاريخها إلى سنة 1979. وفيها، يقول خوان كارلوس للسيناتور إد موسكي، المبعوث الشخصي للرئيس كارتر، إن مليلية يمكن التنازل عنها للمغرب في فترة زمنية قصيرة نسبيا، لأن «هناك فقط عشرة آلاف إسباني يعيشون هناك».
أما بالنسبة إلى سبتة، فاقترح دراسة صيغة دولية مشابهة لصيغة مدينة طنجة، التي خضعت للنظام الدولي، الذي كان مرضيا للجميع.
ملف الأسبوع الجزء الثاني
خوان غويتيسولو.. أديب إسباني قال لكارلوس أنا مراكشي
لم يكن الروائي الإسباني خوان غويتسولو يظن أن هروبه من سلطات كتالونيا بسبب انتقاداته اللاذعة للنظام ستحوله إلى لاجئ أدبي في المغرب. فبعد توقف في باريس نصحه أحد زملائه بزيارة المغرب والبحث في سيرة الروائي جان جيني، والغوص في الحضارة العربية والإسلامية.
وبعدما عاش لفترة في مدينة العرائش، اختار خوان مراكش مستقرا له، حيث تابع دراساته وكتاباته عن الحضارة العربية والإسلامية، مفضلا الاستقرار في عمق المدينة الحمراء التي سيقضي بها حوالي خمس وثلاثين سنة، في مسكنه بدرب سيدي بولفضايل بالقنارية.
قال الكاتب والسياسي عبد الحق عندليب، في حفل تأبين غويتيسولو إن الفقيد عشق مراكش وأحب أهلها وتعلق بحضارتها وثقافتها العريقة، «كأنه بهذا التعلق يريد العودة بثقافته الأم الإسبانية إلى مهدها وروافدها الضاربة في عمق الحضارة والتراث المغربي». تجلى اهتمام غويتيسولو بالمغرب والحضارة العربية والإسلامية في كتب أبرزها «مشكلة الصحراء»، و«إسطنبول العثمانية»، ورواية «مقبرة» وكتاب «من دار السكة إلى مكة».
نال خوان غويتيسولو العديد من الجوائز الإسبانية والعالمية، بينها جائزة «خوان رولفو» لآداب أمريكا اللاتينية والكاريبي، والجائزة الوطنية للآداب الإسبانية، لكنه رفض جائزة مالية بقيمة مليون دولار من معمر القذافي بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في جماهيرية العقيد. وأطلق اسمه على مكتبة «معهد سيرفانتس» في طنجة تكريما له، وسط مطالب بوضع تذكار له في جامع لفنا الذي كان فضاءه المفضل.
في الرابع من يونيو 2017، رحل الكاتب العالمي خوان غويتيسولو إلى دار البقاء في صمت، وبناء على وصيته، تقرر دفن جثمانه في مدينة مراكش التي وصفها بـ«مسقط قلبه»، حيث قال، في أيامه الأخيرة، إنه سيموت سعيدا بانتزاع مكانة لجامع لفنا بوصفه فضاء للتراث الإنساني، بعد مرافعاته لدى منظمة اليونسكو.
من الأعمال التي لا يمكن أن ينساها المغاربة والعرب والمسلمون لغويتيسولو دفاعه المستميت عن مغربية صحرائنا من خلال ما كتبه في هذا المجال، حيث تعد من المراجع المهمة التي يجب الاستدلال بها، وكذلك دفاعه عن المطالب العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني.
وحسب رواية الأديب محمد الضويوي، فإن الفقيد كان يفضل أن ينادى عليه باسم «خوان المراكشي»، ولحبه لمدينة مراكش وسكانها أعلن أمام ملك إسبانيا، وهو يتسلم جائزة «سيرفانتيس»، أنه يتشرف بإهداء هذه الجائزة إلى سكان مراكش الذين احتضنوه بحنوهم ومودتهم ورحبوا بشيخوخته المتعبة.
ظلت مقاهي ماطيش والستيام وفرنسا، بساحة جامع الفنا، حاضرة في كتابات غويتيسولو، بل إنه أصر على إهداء العديد من أعماله لمكتبة ابن يوسف بالداوديات في الحي المحمدي بمراكش، ما دفع اتحاد كتاب المغرب إلى منح خوان العضوية الشرفية سنة 2003، خاصة وأنه مؤسس جمعية «ساحة جامع الفنا تراث شفوي»، حيث أصر خوان على حضور 11 حلايقيا للجمع التأسيسي.
طالب رفاق للراحل بأن توضع له مجموعة من الكتابات في ساحة جامع الفنا، وأن يسمى فضاء تراثي باسمه سواء في جامع الفنا أو في غيره من فضاءات مراكش.
مذكرات الرحالة خوصي ماريا دي مورغا
قام محمد العربي المساري بترجمة مذكرات الرحالة الإسباني خوصي ماريا دي مورغا، إلى العربية، وتحمل عنوان «ذكريات مغربية» نشرت لأول مرة في إسبانيا سنة 1868. والحقيقة أن الإسبان، عندما تم نشر هذا الكتاب، تعاملوا معه بجدية، واعتبروه مرجعا مهما للتعرف على جغرافية المغرب وبنيته الاجتماعية، وليس مجرد مذكرات ترفيهية تندرج في أدب الرحلة، أو كتب المغامرات.
السياق الذي نشرت فيه هذه المذكرات كان مشحونا، في ظل التسابق الأوروبي على الفوز بالمغرب، خلال الفترة التي وصلت فيها فرنسا إلى أقصى بلاد الجزائر، ووقفت عند حدود النفوذ العثماني واستعصى عليها التوغل داخل المغرب.
أهمية هذه المذكرات تتمثل في أن الإسبان توفر لهم مرجع مهم عن المغرب، في وقت كان الفرنسيون يحاولون جمع معطيات وتقارير عن مناطق المغرب، محاولين التسلل عبر فكيك وبوعرفة والمنطقة الشرقية للمغرب عموما.
هكذا فإن تجربة «دي مورغا» جعلت منه أشهر رحالة إسباني توغل داخل المغرب، بعد اجتيازه بنجاح مضيق جبل طارق سنة 1863، والمغرب وقتها تحت حكم المولى محمد الرابع، الشهير بإبرام الاتفاق الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية، فضلا عن نجاحه في جعل الجهاد البحري مصدا ناجعا ضد هجمات الإسبان.
وفي الوقت الذي كان فيه التجار الإسبان، وحتى الدبلوماسيون يتجنبون إثارة المشاكل مع المغرب، خوفا من قراصنة سلا وأسطول الجيش المغربي، قرر هذا الإسباني، الذي لقب في المغرب بالحاج البغدادي، بحكم أنه ارتدى ملابس المغاربة وخالطهم، وفي إسبانيا لقب بــ«المورو بيسكاينو».
ولد خوصي ماريا دي مورغا، عام 1827 في بلباو. وهو ينتمي إلى أسرة نبيلة، وكان قائدا في سلاح الفرسان، وشارك في الحروب الكارلية.
عندما وصل مورغا إلى المغرب عام 1863، عاش بصفته «مرتدا»، وهي الطبقة الأكثر احتقارا في الإمبراطورية المغربية، واندمج في الحياة اليومية والممارسات الدينية للبلاد، إلى درجة أنه قرر ارتداء الجلباب والعمامة، متخذا اسما إسلاميا مثلما فعل دومينكو باديا، حيث سمى نفسه «الحاج محمد البغدادي».
في المغرب، وبصحبة خادم ودليل وحمار أجرب، عمل معالجا وقلاع أسنان، وقابلة توليد النساء اليهوديات، وطارد أرواح شريرة، وبائعا متجولا ووليا. كان هدفه فهم روح الشعب المغربي ونجح في تلك الغاية.
في عام 1866، بعد ثلاث سنوات من التجوال المستمر في مدن المغرب الشمالية، عاد دي مورغا إلى إقليم الباسك، حيث كتب ذكريات مغربية للمورو بيسكاينو، وهو نص لاذع وساخر مليء بالملاحظات والأوصاف حول العادات والأوضاع السياسية بالمغرب، وكذا الجوانب التاريخية والجغرافية لهذا البلد المغاربي العظيم.
تم إعداد طبعة من قبل المؤرخ والكاتب فيديريكو فيراستيغي، الذي كرس عقدين من الزمن لدراسة حياة وأعمال المورو بيسكاينو بلا كلل.
لقي دي مورغا بعد وفاته اهتماما واسعا، فقد صدر مؤلف جماعي عام 1969 اهتم بمسار حياة هذا الرحالة الاستثنائي، وهو بعنوان المورو بيسكاينو: الأصل، الموطن. والعمل في الأصل هو ثلاث محاضرات قدمت في بلباو.
ألف دي مورغا كتابه وهو في بلده وبين أهله وعشيرته، وذلك بعد أن تحلل من القناع الذي تخفى تحته ما يقارب الثلاث سنوات وهو يطوف بأزقة مدن المغرب ويعاشر الناس في البوادي.
وبالرغم من الصورة القاتمة التي يقدمها دي مورغا عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية بالمغرب، في أحد فصول الكتاب، إلا أنه يعبر قائلا: «لقد قضيت أجمل أيام حياتي بين العرب. ولو قدر لي، لأسباب سياسية أو لانتكاسات الحظ، أن أختار منفى خارج وطني، فلا شك ستجدونني بينهم. لأنني لن أجد صعوبة في التأقلم مع نمط عيشهم الذي أعرفه جيدا، لأنني اليوم، وأنا أحيا مستريحا وسط ما توفره الحضارة، تنتابني حرقة ويستولي علي الحنين إلى سكون بوادي أرض البربر وكرم حصير الدواوير».
ليوبولدو تيبايوس.. الروائي الذي يطل على المغرب من شرفة طنجة
استأثر المغرب، وطنجة بالخصوص، باهتمام الرواية الإسبانية، لقرب المدينة من إسبانيا ولما عرفته من تحولات كبرى، وهذا ما تمثله تجارب روائية لأسماء نوعية في المشهد الأدبي الإسباني، سيما حين تتحول طنجة إلى منفى سوداوي لكثير من الأدباء الإسبان، حسب الكاتب إسماعيل غزالي.
بين الأعمال البارزة، يقول الكاتب، «رواية «طنجة، طنجة»، للكاتب ليوبولدو ثيبايوس، التي تسمق فيها طنجة كفضاء أسطوري، في تقاطع استثنائي للثقافات وتعدد اللغات والديانات والأعراق، كمحفل متناغم للحرية والغموض والمغامرة»، ما يعيد تشكيل ذاكرة طنجة من منظور سيرذاتي لشاب إسباني عاش في خمسينات القرن الماضي، في مهب صخب الجنسيات المتعددة، وجماعات الكتاب العالميين والفنانين التشكيليين والموسيقيين، وكمرتع أيضا للدبلوماسيين والجواسيس والمهربين والمصرفيين واللاجئين، والذين تعايشوا في لحظة تاريخية بالغة الفرادة، إنها سيرة طنجة، من المجد إلى الانحدار.
تناولت الرواية مدينة طنجة من زاوية إنسانية حميمة، «حيث تمتزج الذاكرة الفردية بالتاريخ الجماعي في سرد يأخذ القارئ إلى عمق التجربة الطنجاوية، خصوصا خلال فترات التحول السياسي والاجتماعي التي عاشتها المدينة».
الكتاب ليس مجرد حكاية عائلية، بل هو سيرة مدينة تروى من خلال تفاصيل الحياة اليومية، العلاقات الإنسانية، والتحولات التي عرفتها طنجة في زمنها الدولي وما بعده. يستحضر المؤلف أجواء التعايش بين الثقافات واللغات، ويغوص في ملامح طنجة التي كانت فضاء مفتوحا للأوروبيين والمغاربة واليهود والمسلمين والمسيحيين، حيث كانت المدينة مختبرا حيا للتنوع والتعدد.
وحسب الكاتب عبد الرحمان التوزاني، فإن الكاتب الإسباني كان يزاوج بين الحنين والنقد، بين التوثيق والوجدان، ليقدم صورة لطنجة كما عاشها وكما انطبعت في ذاكرته. فالمدينة هنا ليست خلفية للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها: تتنفس، تتغير وتقاوم النسيان.
كليمنت سيرديرا.. خادم الاستعمار جاسوس في عباءة كاتب
يقول الباحث محمد العمراني، في دراسته حول الاستعراب والاستعمار، إن كليمنت سيرديرا يستحق أن يكون نموذجا نتوقف عنده، فقد اشتهر بنشاطه الكبير أثناء عمله ضمن أجهزة السلطة الاستعمارية لبلده في منطقة الشمال المغربي، جامعا بين المعرفة النظرية متمثلة في إتقانه للغة العربية، ومعها انفتاحه على الثقافتين العربية والإسلامية، هذا مع أدوار ومسؤوليات عدة اضطلع بها خلال وجوده في المغرب.
«تنوعت تلك المسؤوليات التي أوكلت للرجل وتنوعت، مبديا في أدائها إخلاصا وتفانيا منقطعي النظير لإدارة بلده، مستفيدا في ذلك مما أتاحته له معرفته بلغة أهل المغرب وثقافتهم ودينهم. لكن، وبالرغم من هذا، فإن حظوة الرجل عند أهل بلده من المؤرخين لن تكون كبيرة، فقد جرى تغييبه عن هذا التاريخ، كما أن المؤسّسة الاستعرابية الإسبانية الرسمية لم تسجل لنا اسمه ضمن قائمة المنتسبين إليها. ويرجع هذا التهميش إلى موقفه إبان الحرب الأهلية الإسبانية».
وحين اقتضت الحاجة أن يتولى سيرديرا دور الوسيط والمترجم مع الشريف الريسوني، أنجز المهمة، خاصة بعد موت مجموعة من المترجمين قبله، أهمّهم زوكاسلكن، فبوفاة هذا الأخير حاز سيرديرا صفة المخاطب الأساسي والوحيد للشريف الريسوني، إلى درجة جعلت المؤرخين يتحدّثون عن نشوء علاقة صداقة متينة بينهما، ممّا جلب عليه نقمة وحقد الكثيرين من زملائه في الإدارة الإسبانية.
تغيّرت أوضاع سيرديرا بعد انتهاء حرب الريف، ودخول المناطق الجبلية والريفية في ما يعرف بـ«حالة التهدئة»، فتمت ترقيته إلى منصب مراقب مدني من الدرجة الأولى. وبعد تعيين كوميز خوردانا مفوضا ساميا في المغرب، تمت ترقيته مرة أخرى ليشغل منصب نائب مدير الأحوال المدنية للسكّان المغاربة.
أتقن كليمنت سيرديرا لعبة تغيير المواقع، إذ أقبل على ما يسند إليه من مهمات بكل حماس وشغف، وهكذا، قضى الكثير من أوقاته في الثلاثينيات خارج المغرب، متنقلا بين الجزائر ومدريد، وخصوصا القاهرة التي سافر إليها قبل اندلاع الحرب الأهلية ليتجسس على الطلبة المغاربة هناك، حيث بداية تشكل الحركة الوطنية.
في هذا السياق، سعى سيرديرا وإدارته الإسبانية إلى عزل المغرب عن محيطه العربي في الشرق الأوسط، فكلف بمهمة أخرى تتصل بـ«مراقبة التحركات التي يقوم بها أحد أعداء فرنسا، ويقصد بذلك الأمير شكيب أرسلان.
وضمن المهام الجاسوسيّة الأخرى، تولى المسؤول الإسباني مراقبة أنشطة الوطنيين المغاربة، خصوصا حول ما ينشرونه من مقالات وكتب، فانكبّ على قراءتها وترجمتها ومن ثم نقلها إلى رؤسائه.
ضاق الخناق على سيرديرا، ليضطر إلى مغادرة المغرب بشكل نهائي، وذلك بعد أن اقتربت قوّات المتمردين الوطنيين الإسبان من حسم المعركة لصالحها، فسافر إلى إنجلترا، حيث عين قنصلا». لتنتهي حياته وحيدًا بعد معاناة طويلة مع مرض القلب سنة 1942.





