
عشنا لعقود والمغرب يستقطب فيه المدربين الأجانب، بحثا عن إنجاز تاريخي إما بالتأهل أو المرور إلى الدور الثاني من المونديال، وفي أحسن الأحوال نحقق إنجاز دورة 1986. اليوم، انقلبت المعادلة رأسا على عقب، أصبح المغرب مصنعا للمدربين والأطر التقنية، يصدر كفاءاته إلى منتخبات العالم، ويثبت أن الاستثمار في العقول المغربية أثمر ثمارا تاريخية في كأس العالم 2026.
يقود محمد وهبي (49 سنة) المنتخب المغربي لكرة القدم، بعد إنجازه الأسطوري مع المنتخب الوطني للشباب بتتويجه بكأس العالم تحت 20 سنة بالشيلي سنة 2025. مغربي الهوية، تحول من معلم تربية بدنية إلى قائد «أسود الأطلس»، يعتمد على كرة هجومية منظمة وتطوير الشباب، وقبله نجح وليد الركراكي في قيادة المنتخب المغربي لإنجاز تاريخي ببلوغ المربع الذهبي لمونديال 2022 بقطر.
لكن بعدا عن المنتخب الوطني يشرف الإطار المغربي جمال السلامي (مواليد الدار البيضاء سنة 1970) على المنتخب الأردني، وهو لاعب سابق شارك في مونديال 1998. أصبح السلامي أول مدرب إفريقي يقود منتخبا آسيويا في كأس العالم، وقاد «النشامى» إلى أول مشاركة مونديالية في تاريخهم.
ولا تقتصر البصمة المغربية على هذين الاسمين. خالد سينوح، الحارس الدولي المغربي السابق، لعب دورا حاسما كمدير تقني لمنتخب كوراساو. عين في يناير 2024، وبفضل علاقاته في هولندا نجح في استقطاب المدرب المخضرم ديك أدفوكات، ووضع أسس مشروع متكامل أدى إلى تأهل تاريخي لأصغر دولة في البطولة (185 ألف نسمة فقط). رغم مغادرته المنصب قبل أشهر من المونديال، بقى سينوح أحد مهندسي هذا الإنجاز الذي سجل فيه كوراساو اسمه، وقد حصد نقطته الأولى المونديالية عندما تعادل مع الإكوادور.
أطر وطاقات مغربية يتم الاعتماد عليها بشكل كبير في منتخبات مشاركة في كأس العالم إما عربية، أو أوروبية، من أطر في المجال التقني أو النظام الغذائي أو تحليل الفيديو أو حتى الأجهزة الطبية، نعم اليوم أصبح المغرب يصدر ولا يستورد، هذا التحول ليس صدفة، بل هو نتاج أكاديمية محمد السادس، برامج التكوين المستمر، والتجربة المتراكمة في أوروبا، حولت المغرب من بلد يستورد المدربين (مثل وحيد خاليلوزيتش أو هيرفي رونار، وقبلهما المهدي فاريا وإيريك غيريست وهنري ميشيل واللائحة طويلة) إلى مصدر للكفاءات. اليوم، تجد منتخبات صغيرة ومتوسطة في المغاربة الحل الأمثل: خبرة، احترافية، وروح قتالية.
في زمن يبحث فيه العالم عن تنوع تدريبي، يقدم المغرب نموذجا ملهما، ولعل التهافت الكبير على الأطر المغربية إما في القارة الإفريقية، أو في الخليج العربي، والآن بصمة في أندية أوروبية، يعد قصة فخر مغربي تؤكد أن مستقبل الكرة المغربية ليس في الأقدام فقط، بل في العقول التي تقودها أيضا.





