
تحول مشروع إصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالإفلاس إلى ما يشبه كرة لهب تتقاذفها الحكومات المتعاقبة، ففي الوقت الذي وعدت فيه وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، بإخراج هذا الإصلاح خلال هذه السنة، يبدو أن هذه المهمة أصبحت صعبة مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية التي لا تفصلنا عنها سوى أشهر قليلة.
وبذلك فمصير ملايين المتقاعدين ومعهم الموظفون وأجراء القطاع الخاص المقبلون على التقاعد مرتبط بحسابات الربح والخسارة في الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها شهر شتنبر المقبل، رغم صدور تقرير عن الهيئة الوطنية لمراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، المعروفة اختصارا بـ«أكابس»، يتضمن توقعات بأرقام دقيقة حول دخول أنظمة التقاعد مرحلة العجز ابتداء من سنة 2028، ويعني ذلك أنها مهددة بالإفلاس.
وسبق للمجلس الأعلى للحسابات، بدوره، أن دق ناقوس الخطر مؤكدا فشل وصفة إصلاح أنظمة التقاعد، التي مررتها الحكومة ما قبل السابقة، وشدد على أن إصلاح أنظمة التقاعد يستدعي تدخلا حاسما لتسريع وتيرته قصد تفادي نفاد الاحتياطيات.
وأوصى المجلس بضرورة الشروع، في أقرب الآجال، في عملية الإصلاح البنيوي عن طريق تسريع وتيرة الإصلاحات المعيارية بهدف تقريب الأنظمة القائمة من نظام مستهدف ومحدد مسبقا. ودعت التوصيات، كذلك، إلى تصميم هذا الإصلاح وفقا للمبادئ التوجيهية المرتبطة على وجه التحديد بالتضامن بين الأجيال، والحفاظ على الحقوق المكتسبة والتدرج في التنزيل بهدف ضمان استدامة نظام التقاعد، فضلا عن اعتماد مقاربة تقوم على إعادة توزيع شفافة وعادلة.
ولحدود الساعة لم تكشف الحكومة عن السيناريوهات المقترحة للخروج من هذه الأزمة، وضمان معاشات الشيخوخة للأجيال الحالية والمقبلة، ويتطلب الوضع إصلاحا شموليا، إذ ستظل المساهمات غير كافية لتغطية الالتزامات وسداد رواتب التقاعد، وسيظل العجز قائما، بل سيأخذ منحى تصاعديا خلال السنوات المقبلة.
لقد ظل هذا الملف لسنوات رهين مقاربات جزئية وإصلاحات ترقيعية، لم تلامس جوهر الأزمة بقدر ما أجّلت انفجارها. واليوم، ومع تسارع وتيرة الشيخوخة الديمغرافية وتراجع نسبة المساهمين مقابل المتقاعدين، لم يعد ممكنًا الاستمرار في سياسة تجاهل الوضع، في ظل غياب رؤية شمولية تضمن التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الأرقام، بل، أيضا، في الكلفة الاجتماعية والسياسية لأي إصلاح محتمل. فرفع سن التقاعد، أو مراجعة نسب الاقتطاع أو إعادة احتساب المعاشات، كلها إجراءات تصطدم مباشرة بانتظارات فئات واسعة من الشغيلة، التي تجد نفسها، مرة أخرى، مطالبة بتحمل عبء اختلالات لم تكن مسؤولة عنها.
إن أي إصلاح جدي لأنظمة التقاعد يجب أن ينطلق من مقاربة تشاركية حقيقية، وتقوم على الشفافية في عرض الأرقام والسيناريوهات الممكنة للإصلاح. ويتطلب الأمر، كذلك، شجاعة سياسية لاتخاذ قرارات قد تكون غير شعبية، لكنها ضرورية لضمان استمرارية هذه الأنظمة وحماية الأجيال القادمة من مستقبل غامض.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق إيجاد حل نهائي ومستدام لأنظمة التقاعد، إصلاح لا يقوم فقط على إجراءات محاسباتية ضيقة، بل، أيضا، على رؤية اجتماعية متكاملة تعيد الثقة في إحدى أهم ركائز الحماية الاجتماعية، لأن الرهان، في النهاية، ليس فقط إنقاذ صناديق، بل، كذلك، الحفاظ على عقد اجتماعي يضمن الكرامة بعد سنوات من العمل.





