
يونس جنوحي
النقاش السائد هذه الأيام في الأوساط الاقتصادية، يدور حول المكاسب الاقتصادية لنسخة كأس العالم، التي نظمتها الولايات المتحدة الأمريكية.
بمجرد ما أن انتهى حفل تتويج منتخب إسبانيا بطلا للعالم، وحتى قبل أن ينزل «ترامب» – مُكرها- من منصة الاحتفال، انبرى المتخصصون لجرد الأرباح التي يفترض أنها سوف تنتهي في خزينة الولايات المتحدة.
يعرف العالم، قبل الأمريكيين، أن الرئيس «ترامب» لا يدخل أبدا مبادرة خاسرة.. الرجل يُسير البيت الأبيض، والسياسة العالمية، بمنطق الربح والخسارة.
دفع الأمريكيون 11 مليار دولار، ليغطوا أكثر من ثلثي الكلفة الإجمالية لتنظيم الحدث العالمي الأكثر متابعة في هذا الكوكب. بالمقابل، توقع المتخصصون أن تجني الولايات المتحدة 30 مليار دولار ونصف المليار من الأرباح الصافية، من أصل 80 مليار دولار قُدرت كصاف للأرباح الإجمالية من وراء تنظيم كأس العالم لكرة القدم 2026. رغم أن منصة سياحية أمريكية، رصدت زيادة طفيفة في أعداد السياح الوافدين على الولايات المتحدة هذا العام، بما قدره 0،2 بالمئة فقط، مقارنة مع الفترة نفسه من العام الماضي.
الأمريكيون يقدمون أنفسهم دائما على أنهم قوة اقتصادية «جبارة» لا تنضب منابع تمويلها. ومن شأن هذه الأرقام الأولية أن تغذي هذا الشعور مستقبلا..
ولأن ترامب أحب دائما أن يحدث الأمريكيين عن توفير مناصب الشغل، فإن التظاهرة الكروية العالمية وفرت 185 ألف وظيفة ثابتة في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، أثناء الإعداد لاستضافة كأس العالم وأثناء التظاهرة.
الجمهوريون يؤمنون دائما بضرورة توفير مناصب الشغل للأمريكيين. والرئيس ترامب يُدرك هذا الأمر جيدا، واعتبره ورقة رابحة في أكثر من مناسبة، وراهن جيدا على مخاطبة الأمريكيين بلغة سوق الشغل وتوفير المناصب.
الرئيس رونالد ريغان، لم يكن رجل أعمال ناجحا بنفس نجاح «ترامب» وثرائه، لكنه جاء إلى البيت الأبيض من عالم التلفزيون والتمثيل، العالم الذي حلم «ترامب» بأن يُوفق فيه، لكنه لم يكن محظوظا. وما يشترك فيه الرجلان معا أنهما انتميا إلى الحزب الجمهوري المحافظ.
ريغان حكم الولايات المتحدة ما بين سنتي 1981 و1989، وظل الأمريكيون يخلطون بين شخصيته وهو يخاطبهم من مكتبه في البيت الأبيض، وبين أدواره في السينما.. غادر الرجل نقابة الممثلين وانخرط فورا في الحياة السياسية!
قرأ ريغان مرة مقالا ينتقده بشدة في الصحافة، ويعتبره متقاعسا في تبني سياسة تخلق مناصب الشغل. واتجه على الفور إلى مكتبه، واستدعى التلفزيون وسجل خطابا وجهه إلى الأمة. لم يخاطبهم بلغة السياسة، وإنما فضل أن يؤدي «دور» الرئيس وفق أداء سينمائي أمريكي، وحكى لهم حكاية «قبل النوم»..
يقول ريغان في خطابه إنه التقى فتاة صغيرة، جاءت لتحيته. وسألها عن حُلمها، فأجابت بأنها ترغب في العمل لجني المال. واقترحت أن تعمل في جز العشب وتنظيف واجهات منازل الأمريكيين، لتجمع مبلغا قدره خمسون دولارا، وتمنحها مباشرة لأحد المتشردين لكي يشتري بها طعامه.
لكن الرئيس ريغان، كما حكى بنفسه، طرح عليها سؤالا: لماذا لا يتجه هذا المتشرد بنفسه إلى العمل في جز العشب والبستنة، ويجني الخمسين دولارا بنفسه؟
وطبعا بدل أن ينتظر الرئيس إجابة من الفتاة المتحمسة، خاطبها مرحبا: مرحبا بك في الحزب الجمهوري.
مضت 38 سنة على هذا الخطاب، والرئيس «ترامب» الآن يتزعم الجمهوريين، ولا يزال الحزب يتبنى الفلسفة نفسها.. كأس العالم فرصة لتوفير مناصب الشغل وجني الضرائب. علماء الرياضيات يقولون إن الكرة لا وجه لها.. لكن الأمريكيين يعرفون جيدا كيف يركزون على «الوجه الآخر» للكرة، وقد يخرج رئيس «الفيفا»، بعد تقاعده بطبيعة الحال، ليحكي للعالم عن مفاوضاته «العسيرة» مع ترامب، لتحديد الأرباح!





