
شكل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 بداية التحول النوعي في العلاقة الإيرانية مع الطائفة الشيعية في لبنان. ففي كل المراحل التي سبقت هذا التاريخ، لم تكن الجمهورية الإسلامية الإيرانية خطت خطوات يظهر من خلالها أنها قررت الانخراط المباشر على الساحة اللبنانية سياسياً وعسكرياً، دون أن نقلل من أهمية أن الثورة الإسلامية كانت تلقى صدى في هذا البلد بين مؤيد ومعارض بين القوى السياسية. ولم يكن الاصطفاف المذهبي عنواناً للتأييد أو النبذ، سيما أن منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح تحديداً، وبحكم نفوذهما في لبنان في تلك المرحلة، كانتا من أشد المؤيدين لهذه الثورة، تأييدا ما لبث أن بدأ بالتراجع مع نشوب الحرب العراقية- الإيرانية أواخر العام 1980.
دخول الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان، عبر سورية، كان الرد المباشر على اجتياح إسرائيل للبنان، وعلى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت. أكثر من أربعة آلاف عنصر استقروا في محافظة البقاع، التي كانت تخضع في معظمها للنفوذ السوري، حيث بدأ الحرس الثوري في تأسيس البنية العسكرية والأمنية والدينية والثقافية لحزب الله، والذي استمر حتى العام 1985 تاريخ إعلان تأسيسه.
وكانت عبارة عن مجموعات أمنية وعسكرية مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري وينتمي أعضاؤها إلى المذهب الشيعي من المؤمنين بولاية الفقيه حصراً، وتعمل تحت إمرته وإدارته لتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية في أكثر من اتجاه، منها بدء المساهمة في عمليات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، عمليات ضمت في ذلك الحين أطيافاً واسعة من مختلف التيارات اللبنانية والفلسطينية.
لكن ترافق تمدد النفوذ الإيراني في تلك المرحلة بلبنان مع سلسلة عمليات انتحارية، أهمها في العام 1983، وهي التي استهدفت قوات المارينز التي كانت متمركزة في بيروت وقوة المظليين الفرنسيين والسفارة الأمريكية ببيروت. وأدت هذه العمليات إلى مقتل المئات من العسكريين والمدنيين والدبلوماسيين.
وبعد ذلك، انطلق ما عرف بـ«خطف الرهائن الغربيين في بيروت»، وهي عشرات العمليات التي نفذت في معظمها على إيقاع العلاقة بين إيران والغرب، وفي خضم الحرب العراقية- الإيرانية وجرى صرف إطلاقهم في ملف العلاقة الإيرانية مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.
وظلت السياسة الإيرانية تجاه لبنان تمر من خلال دمشق حتى بعد خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005. وإن شهدت هذه العلاقة تحت مظلة التحالف الثابت تراجعاً وتقدماً في نفوذ وقوة كل منهما في التحكم والإدارة. فيما شكل رحيل الرئيس السوري السابق حافظ الأسد بدء مرحلة جديدة عنوانها بدء تعاظم النفوذ الإيراني في لبنان وسورية أيضاً. وترافق ذلك مع إنجاز تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية في العام 2000، والتي كان لحزب الله الدور الأساس فيه. وهو دور توفر له من إصراره على تحرير الأرض من جهة ومن دعم سياسي رسمي وشعبي لبناني، ومن رعاية سورية – إيرانية له فرضت من خلالها على اللبنانيين حصرية المقاومة فيه، بعدما منعت، بالحرب وبالترهيب، وجففت مصادر دعم تيارات مقاومة تنتمي إلى فضاءات إسلامية وقومية ووطنية منذ العام 1990.
النفوذ الإيراني حالياً في لبنان
يستند النفوذ الإيراني اليوم في لبنان إلى جملة ركائز أساسية توفر له الغطاء والحضور والفاعلية في التحكم أو التأثير في العديد من القرارات الحكومية الاستراتيجية الأمنية والعسكرية، أبرزها:
1- حزب الله والمقاومة
تأسس حزب الله وفق أسس نظرية ولاية الفقيه، وهي النظرية التي تلزم المؤمنين بها بالولاء السياسي والفقهي لمرجعية الولي الفقيه في إيران. وهو يُعتبر (الولي الفقيه)، وفق هذه النظرية، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو بمثابة النبي أو الإمام المعصوم للمسلمين الشيعة المؤمنين بهذه النظرية اليوم. هذا إلى جانب الدعم المالي الإيراني الاستثنائي والوحيد، بحسب ما أكده الأمين العام (الراحل) لحزب الله السيد حسن نصر الله، حين قال: «كل ما لدينا من إيران». وإلى جانب تحقيق الإنجازات العسكرية والأمنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، أمكن لإيران، من خلال هذه الحزب، وما يمتلكه من مقدرات عسكرية وأمنية ومالية مستقلة، أن تمتد من خلاله إلى العديد من مفاصل الدولة وعلى امتداد لبنان، وصولا إلى الحدود مع فلسطين المحتلة. وذلك باستقلال تام عن الدولة اللبنانية، مع التمتع بحرية التحرك والمبادرة في قضايا سيادية.
2- النظام الطائفي في لبنان
عمدت إيران، من خلال حزب الله، إلى تغيير نوعي في البنية الدينية والثقافية في البيئة الشيعية، طيلة العقود الثلاثة الماضية. فهي، على سبيل المثال لا الحصر، نجحت في تهميش علاقة فئات واسعة من المواطنين الشيعة مع الدولة، مستفيدة من الانقسام الطائفي من جهة ومن فشل الحكومات المتوالية المشكلة بإرادة سورية في ترميم الشروخ الوطنية. ونجحت إيران في استمالة ولاء مئات رجال الدين اللبنانيين من خريجيها بمدينة قم الإيرانية، من خلال تنظيمهم في هيئات دينية تتبع للإشراف والتمويل الإيراني، سواء من خلال حزب الله أو عبر جمعيات دينية متصلة بإيران مباشرة. ونجحت إلى حد كبير في وضع اليد على جزء كبير من المؤسسات الدينية من مساجد وغيرها، من التي كانت تابعة للأوقاف الإسلامية الشيعية. وساهم في نجاح هذه الخطوة إلى حد كبير تهميش المؤسسة الشيعية الأم على هذا الصعيد، أي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. ولعل عدم إجراء انتخابات لهيئاته المنتخبة منذ العام 1975 يعطي إشارة عن التهميش وفقدان الفعالية لهذه المؤسسة.
3- البوابة المسيحية
استثمرت إيران قوة حزب الله الأمنية والعسكرية وعنوان المقاومة في اللعبة السياسية الداخلية، واستقطبت مجموعات لبنانية خائفة أو متحفزة لتتقوى بها داخلياً. فقد عمدت، خصوصاً بعد ومع الخروج السوري من لبنان، إلى تبني معظم حلفاء سورية في لبنان، من خلال توفير الدعم المادي من جهة، وتوفير الغطاء السياسي لهم، في لعبة التحالفات الطائفية. ونجحت في استقطاب جزء كبير من المسيحيين، أبرزهم التيار الوطني الحر، بزعامة العماد ميشال عون. فقد ساهمت علاقته مع إيران في توفير غطاء سياسي لا يستهان به لسياساتها الاستراتيجية في لبنان، سيما حماية خصوصية حزب الله الأمنية والعسكرية المنفصلة عن الدولة.
4- المخيمات الفلسطينية
لم تنجح السياسة الإيرانية تماماً في الإمساك بالمخيمات الفلسطينية، بسبب محاذير سورية كانت تمنع اليد الإيرانية من أن تستحوذ على هذه المخيمات من جهة، وبسبب عدم تخلي منظمة التحرير الفلسطينية عن مسؤولياتها السياسية والعسكرية من جهة ثانية. كما ساهم بروز تنظيمات إسلامية جهادية معادية لإيران في المخيمات، كعصبة الأنصار، في لجم التمدد الإيراني. فيما شكل التحالف مع حركة حماس والجهاد الإسلامي تعويضاً للسياسة الإيرانية. وهي تتغير اليوم مع الأزمة السورية، لكن ذلك لم يمنع من أن تعمد إلى استقطاب بعض المجموعات الفلسطينية الناشئة وبعض الشخصيات الدينية والاجتماعية وحتى الأمنية.
5- انكفاء مشروع الدولة
لم يعد خافياً في لبنان، ولأسباب يختلف عليها اللبنانيون، أن النفوذ الإيراني في بيروت، سيما في امتداده العسكري والأمني عبر حزب الله، تنامى بشكل مطرد مع تراجع سلطة الدولة. ولئن كانت الحكومة الحالية في لبنان تشكلت بقوة السلاح وسطوة الحزب، فذلك لا يعني أن الحزب بات أقرب إلى الانخراط في عملية تأسيس لاستراتيجية دفاعية تتيح للدولة اللبنانية استيعاب قدراته العسكرية تناغماً مع شرعية احتكار القوة من قبل الدولة.
ولا يمكن التسليم بمقولة أن خصوم حزب الله في لبنان هم من يمتلكون مشروعية الدولة، لكن من المؤكد أن الحزب، ومع مرور الوقت ووسط المشهد السوري اليوم، يبرز بوضوح كقوة إيرانية على شاطئ المتوسط وعلى حدود فلسطين المحتلة. وأكد أكثر من مسؤول في قيادة الحرس الثوري الإيراني هذا المعنى. بل إن الأمين العام لحزب الله لم يتخذ موقفاً حاسماً بشأن التدخل في سورية، ولم يعر انتباهاً إلى أن هذا أمر حسمته الحكومة اللبنانية عبر سياسة النأي بالنفس، وبالتالي أظهر انتسابه إلى ما تقرره إيران، عندما أعاد التذكير بأن ما يجري في سورية هو استهداف لمشروع المقاومة الذي يشكل والنظام السوري والقيادة الإيرانية قاعدته. وكل ذلك يؤكد أن حزب الله يبني استراتيجيته مستفيداً من تهميش الدولة اللبنانية وفي معزل عن مكوناتها ومستثمراً ضعفها ومرسخاً له.
هذه العناصر، التي شكلت ولا تزال أبرز مصادر وقواعد النفوذ الإيراني في لبنان، هي المثال والنموذج الذي تباهي به إيران، ويدرجه المسؤولون في الحكومة الإيرانية على أنه المثال الناجح، والذي يجب أن يحتذى في تطبيق سياساتها الخارجية. وإلا فما معنى أن تقدم إيران لحزب الله ما يقارب 30 مليار دولار منذ تأسيسه فعلياً قبل ثلاثة عقود.
هذا الرقم غير معلن، ولكن تتداوله أوساط دبلوماسية إيرانية وقيادات في حزب الله. ويجدر التذكير بأن المادة (152) من الدستور في إيران تنص على واجب الجمهورية الإسلامية «الدفاع عن حقوق جميع المسلمين»، والمادة (154) تنص على «دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة في العالم»، والمادة الثالثة من الفقرة الخامسة بالدستور تنص على: طرد الاستعمار ومكافحة الوجود الأجنبي. هذه المواد توضح الهوية الإسلامية لإيران، والمشروعية التي تتيح لها، بحسب دستورها، التدخل في شؤون الدول الإسلامية وغيرها.
سقوط المشروع الإيراني في سورية
في المآل الأخير يهوي المشروع الإسلامي الإيراني إلى حضيض المذهبية أكثر من قبل. هو الذي بدأ مذهبياً بثورة «الولي الفقيه» التي لا يوافق أكثرية شيعة كوكب الأرض عليها. النظام الذي طالما حرص على إظهار صورته على أنها صورة المشروع الإسلامي المتصدي للكيان الصهيوني والداعم لحركات المقاومة وإن بشرط التبعية. وهو نظام يستثمر هذا المسار بمزيد من ترسيخ نفوذه في لبنان وعلى ساحة المقاومة الفلسطينية.
يهوي هذا المشروع نحو مأزق أخلاقي ليس من سبيل لتبريره. فمع انتفاضة الشعب السوري منذ نحو عشرين شهراً انخرطت إيران في دعم النظام السوري بشكل سافر متجاوزة كل المعايير الدينية والإنسانية التي تظهر بوضوح حجماً استثنائياً لمستوى الإجرام الذي مارسه النظام السوري ضد شعبه.
نلاحظ أيضاً أن «حزب الله»، في هذا السياق، هو آخر المعترفين بالانخراط العسكري في سورية، بعد الإعلان الروسي عن دعم النظام السوري، وبعد إعلان أكثر من مسؤول عسكري إيراني عن وجود عسكري إيراني في المدن السورية. ما يسمح بالاستنتاج أن اعتراف الحزب أخيراً بقتل عناصره في سورية يستدرج منطقاً جديداً أقرب إلى إعلان سورية أرض جهاد شيعي – مقاومتي – ممانعاتي ملخصه الآتي:
«حماية المقاومة تبدأ بحماية خطوط إمدادها، وحماية خطوط الإمداد تبدأ بحماية النظام السوري، وحماية الطائفة الشيعية تبدأ بحماية النظام العلوي، وصولا إلى القول علناً: نحن نقاتل السلفيين أعداء المقاومة في سورية، وشهداؤنا في حماية ظهر المقاومة لا يقلون شهادة عن شهداء الدفاع عن الأرض في الجنوب أمام الأطماع الإسرائيلية».
نافذتان:
نجحت إيران في استمالة ولاء مئات رجال الدين اللبنانيين من خريجيها بمدينة قم الإيرانية من خلال تنظيمهم في هيئات دينية تتبع للإشراف والتمويل الإيراني.
يهوي المشروع الإسلامي الإيراني إلى حضيض المذهبية أكثر من قبل. هو الذي بدأ مذهبياً بثورة «الولي الفقيه» التي لا يوافق أكثرية الشيعة عليها.





