تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على الاقتصاد الوطني
تحديات تواجه المخزون الاستراتيجي للطاقة بإغلاق مضيق «هرمز»

مع تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يزداد القلق داخل عدد من الاقتصادات المرتبطة بالأسواق العالمية للطاقة والتجارة، ومن بينها المغرب الذي قد يتأثر بشكل غير مباشر بتداعيات هذا الصراع، رغم بعده الجغرافي عن مسرح الأحداث، وترتبط أول التأثيرات المحتملة بارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق الدولية، خاصة إذا تأثرت حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء مهم من صادرات النفط العالمية. وبالنظر إلى اعتماد المغرب الكبير على استيراد المواد الطاقية، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز سيؤدي إلى زيادة فاتورة الاستيراد الطاقي، وهو ما قد ينعكس مباشرة على التوازنات المالية وعلى تكلفة الإنتاج في قطاعات النقل والصناعة والفلاحة. وفي هذا السياق، تتجلى الأهمية الاستراتيجية للمشروع الطموح الذي أطلقه الملك محمد السادس، لإنشاء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بما يشمل المواد الغذائية والصحية والطاقة، في خطوة تهدف إلى ضمان الأمن الاستراتيجي للمملكة، ويأتي هذا المشروع في وقت حساس، حيث أصبح من الضروري تحصين البلاد ضد أي صدمات مستقبلية، قد تؤثر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
منصة المخزون والاحتياطات.. مشروع ملكي ببعد استراتيجي وطني
في خطاب ملكي هام خلال افتتاح الدورة البرلمانية، قبل ثلاث سنوات، أكد الملك محمد السادس على ضرورة تعزيز السيادة الوطنية في مختلف المجالات، خاصة في ظل الأزمات العالمية التي أظهرت هشاشة الأنظمة الاقتصادية العالمية أمام التحديات الكبرى، مثل الأوبئة والكوارث الطبيعية. وقال الملك إن «الأزمة الوبائية أبانت عن عودة قضايا السيادة إلى الواجهة»، مشيرا إلى أن المغرب نجح في تأمين احتياجاته من المواد الأساسية خلال الأزمة، بينما عانت العديد من الدول من اختلالات كبيرة في هذا المجال.
وفي هذا السياق، أطلق الملك محمد السادس مشروعا طموحا لإنشاء منظومة وطنية متكاملة للمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، بما يشمل المواد الغذائية والصحية والطاقة، في خطوة تهدف إلى ضمان الأمن الاستراتيجي للمملكة. هذا المشروع يأتي في وقت حساس، حيث أصبح من الضروري تحصين البلاد ضد أي صدمات مستقبلية، قد تؤثر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ظل عالم مليء بالتقلبات الاقتصادية والسياسية، سواء بسبب الأزمات الصحية أو الجيوسياسية، لم يعد مجرد تأمين السلع الأساسية أمرا كافيا. بل أصبح من الضروري أن تكون لدى الدول قدرة استباقية على مواجهة أي نقص في هذه المواد، خاصة تلك التي تتعلق بالصحة والطاقة والغذاء. بناء على ذلك، يهدف مشروع المخزون الاستراتيجي إلى إنشاء بنية تحتية قادرة على تخزين المواد الأساسية بشكل دوري، مما يضمن توفيرها بكميات كافية وفي أوقات الحاجة القصوى.
من خلال هذا المشروع، يسعى المغرب إلى إنشاء منظومة وطنية شاملة تهتم بتخزين المواد الغذائية والصحية والطاقة، بحيث يتم تأمين احتياجات البلاد في الأوقات العصيبة. وتتضمن المنظومة المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية وفقا لاحتياجات الدولة، بالإضافة إلى تحديث مستمر لهذه المخزونات بما يتماشى مع التقلبات في الاستهلاك المحلي.
أحد الأهداف الرئيسية لهذا المشروع هو تعزيز السيادة الوطنية للمغرب في مختلف القطاعات. ففيما كان يتعين على العديد من الدول التوجه إلى الأسواق العالمية، خلال الأزمة الوبائية، لتلبية احتياجاتها الأساسية، نجح المغرب في تزويد أسواقه بالمواد الأساسية دون أي اختلالات ملحوظة، بفضل الجهود المبذولة في هذا الإطار. المشروع يهدف إلى بناء قدرة داخلية من خلال التخزين المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما يعد خطوة استراتيجية نحو الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات الحيوية.
يعتبر هذا المشروع جزءا من توجه عام نحو تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، حيث يتم التعاون بين القطاعين العام والخاص، لضمان توفير المواد الأساسية في جميع الظروف. وسيشمل هذا التعاون إنشاء منشآت لتخزين هذه المواد في مختلف أنحاء المملكة، مما يعزز توزيعها بشكل متوازن بين المناطق ويوفر دعما للمواطنين في الحالات الطارئة.
تعتبر هذه المبادرة جزءا من الرؤية الشاملة للمملكة في التعامل مع التحولات المناخية والاقتصادية المستقبلية. ففي وقت يتزايد فيه حدوث الأزمات الصحية مثل جائحة كورونا، والأزمات البيئية مثل التغير المناخي، تصبح قدرة الدول على التكيف مع هذه الظروف أولوية استراتيجية. بفضل هذا المشروع، سيكون المغرب قادرا على الاستجابة السريعة لمختلف الأزمات المستقبلية.
من خلال إطلاق مشروع المخزون الاستراتيجي، يبعث المغرب برسالة قوية تؤكد التزامه بتعزيز السيادة الوطنية وتوفير الحماية لشعبه في كل الأوقات. المشروع يشكل خطوة مهمة نحو بناء دولة ذات قدرة استباقية في مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية، ويعزز من أمن المواطن المغربي في ظل التغيرات العالمية السريعة.
إعلان «القوة القاهرة» رسالة تحذيرية لأسواق الطاقة العالمية
في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، والاعتداءات الإيرانية التي باتت تستهدف المنشآت الحيوية في المنطقة وتعطيل الملاحة في ممرات استراتيجية على غرار مضيق هرمز، أجبرت عدد من شركات الطاقة الكبرى الخليجية على إعلان حالة «القوة القاهرة».
تفعيل القوة القاهرة
في مواجهة المخاطر، يؤكد الخبراء أن اللجوء إلى تفعيل «القوة القاهرة» في مثل هذه الحالات يعد أداة قانونية لحماية الشركات من الالتزامات التعاقدية التي يصبح تنفيذها مستحيلا بسبب ظروف خارجة عن السيطرة، خاصة في القطاعات الحساسة، مثل النفط والغاز والتجارة الدولية.
برز ذلك أخيرا عندما أعلنت شركة (قطر للطاقة) حالة القوة القاهرة بعد قرارها وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به، وذلك بسبب هجوم عسكري إيراني على مرافقها التشغيلية في مدينتي راس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
وقالت الشركة، في بيان يوم 4 مارس الجاري، إن ذلك يأتي عطفا على وقفها إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة (اليوريا والبوليمرات والميثانول والألمنيوم وغيرها)، مشيرة إلى أنها أخطرت عملاء المشتريات المتضررين بإعلان حالة القوة القاهرة.
ومع تطور الأوضاع توالت الإعلانات عن تفعيل حالة «القوة القاهرة»، حيث أفادت مؤسسة البترول الكويتية، في 7 مارس الجاري، تفعيل حالة القوة القاهرة في ظل التطورات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، وذلك بعد أن أعلنت، في وقت سابق، خفضا احترازيا في إنتاج النفط وعمليات التكرير، على خلفية الاعتداءات الإيرانية والتصعيد العسكري في المنطقة.
وفي 9 مارس الجاري أعلنت شركة «بابكو إنرجيز» البحرينية للطاقة، بدورها، حالة القوة القاهرة على عمليات المجموعة المتأثرة بالأوضاع الراهنة نتيجة الاعتداءات الإيرانية المستمرة على المنطقة، والهجوم الغاشم الأخير الذي استهدف إحدى وحدات مصفاة شركة بابكو للتكرير التابعة للمجموعة.
وأوضحت الشركة، في بيان لها، أن احتياجات السوق المحلي كافة مؤمنة بالكامل وفقا للخطط الاستباقية الموضوعة، بما يضمن استمرارية الإمدادات وتلبية الطلب المحلي دون تأثر.
وتتوافق هذه الإعلانات مع تحذيرات كان أطلقها الوزير القطري لشؤون الطاقة سعد شريدة الكعبي، الذي قال إن الحرب في الشرق الأوسط قد «تؤدي إلى انهيار اقتصادات العالم»، متوقعا أن تضطر جميع الدول الخليجية المصدرة للطاقة إلى وقف الإنتاج خلال أسابيع، بما قد يدفع سعر النفط إلى 150 دولارا للبرميل.
وتابع الكعبي قائلا لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية: «نتوقع ممن لم يعلن القوة القاهرة أن يفعل ذلك في الأيام القليلة المقبلة إذا استمر هذا الوضع، فكل المصدرين في منطقة الخليج سيضطرون إلى إعلان القوة القاهرة، وإذا لم يفعلوا سيجدون أنفسهم في مرحلة ما أمام مسؤولية قانونية عن ذلك».
ما القوة القاهرة ومتى يحق إعلانها؟
تعد القوة القاهرة من المفاهيم القانونية والاقتصادية المهمة في العقود، إذ تشير إلى حدوث ظروف استثنائية خارجة عن إرادة الأطراف المتعاقدة تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلا بشكل كامل أو مؤقت، وفي هذه الحالة يعفى الطرف أو الأطراف من المسؤولية القانونية عن عدم تنفيذ بنود العقد، دون التعرض لغرامات أو تعويضات.
ويعرف قانون القوة القاهرة بأنه حدث غير متوقع، وخارجي ولا يمكن دفعه أو تجنب آثاره حتى مع اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة. وإذا تحققت هذه الشروط، يمكن تعليق تنفيذ العقد أو إنهاؤه، بحسب طبيعة الحدث ومدى تأثيره.
وحسب خبراء القانون، فإن اللجوء إلى هذا البند يتم عادة في حال توفرت عدد من الشروط، أهمها: عدم التوقع: أن يكون الحدث (مثل الحرب أو إغلاق الممرات الملاحية) غير متوقع وقت توقيع العقود، واستحالة التنفيذ: أن يكون الحدث عائقا فعليا لا يمكن تجاوزه، مثل استهداف الموانئ أو إغلاق الممرات البحرية الحيوية، وخارج الإرادة: أن يكون الحدث ناتجا عن عوامل خارجية لا علاقة للشركة بها، من قبيل النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية.
القوة القاهرة رسالة تحذيرية لأسواق الطاقة العالمية
حسب تقارير إعلامية متخصصة، فإن إعلان القوة القاهرة يصبح أداة قانونية ضرورية تسمح للدول والشركات بتجميد التزاماتها مؤقتا إلى حين استقرار الأوضاع، لكنه، في الوقت نفسه، يرسل إشارة قوية للأسواق العالمية بأن الأزمة لم تعد سياسية أو عسكرية فقط، بل تحولت إلى «أزمة طاقة محتملة» قد تعيد تشكيل التجارة العالمية وأسعار النفط والغاز.
وعليه لا يقتصر التأثير القانوني للقوة القاهرة على تعليق الالتزامات التعاقدية فحسب؛ بل يمتد ليشكل محركا أساسيا لعدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، تتصاعد المخاوف في الأسواق العالمية من احتمال إعلان شركات طاقة أخرى في دول الخليج حالة «القوة القاهرة»، في ظل استمرار التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى توقف جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية خلال فترة قصيرة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تمثل دول الخليج العربي أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، إذ تمتلك نحو 32.7 بالمائة من الاحتياطي النفطي العالمي، وتنتج مجتمعة قرابة 18 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 19 بالمائة من الطلب العالمي الذي يقترب من 99 مليون برميل يوميا.
وتعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تستحوذ على نحو 20 بالمائة من تجارة الغاز المسال العالمية، ما يجعل أي اضطراب في صادراتها عاملا مؤثرا بقوة في أسواق الطاقة الدولية.
ويبدو أن الأفق يشوبه عدم اليقين في ظل الظروف الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، والتي أثرت على حركة الشحن وسلاسل الإمداد وتكاليف الطاقة.
أهمية توفير المخزون الاستراتيجي الطاقي في ظل التحولات الدولية
المخاطر العالمية وتأثيرها على المغرب
يعتبر الشرق الأوسط قلب صناعة النفط العالمية، حيث تتركز فيه أهم احتياطيات النفط والغاز. أي نزاع مسلح أو توتر سياسي في هذه المنطقة يؤثر مباشرة على الأسعار العالمية للطاقة، ومن ثم على الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل المغرب. الحرب أو التوترات بين أمريكا وإيران يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، وبالتالي تؤثر على ميزانيات الدول، مستوى التضخم، والقدرة الشرائية للمواطنين. المغرب يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته من الطاقة، إذ تصل نسبة الاعتماد على النفط المستورد إلى أكثر من 90 في المائة، وهو ما يجعله شديد التأثر بأي تقلبات خارجية.
لقد أثبتت الأزمات السابقة، مثل الحرب العراقية-الإيرانية وأزمات الخليج، أن الأسواق العالمية للنفط حساسة لأي اضطراب في الإنتاج أو الشحن. هذه التجارب تظهر أن أي ارتفاع في أسعار النفط يؤدي إلى زيادة التكاليف على مختلف القطاعات الاقتصادية المحلية، بما في ذلك النقل، الصناعة، والزراعة، وهو ما ينقل الضغوط إلى المواطن العادي. علاوة على ذلك، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما ينعكس بدوره على الأسعار المحلية للسلع الأساسية، وبالتالي يزيد من معدلات التضخم.
لذلك، فإن المغرب يحتاج إلى آليات حماية فعالة لمواجهة هذه التحديات. المخزون الاستراتيجي للطاقة يعد أحد أهم الأدوات التي تمنح الدولة مرونة أكبر للتعامل مع تقلبات السوق العالمية. كما أن تطوير الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الاستيراد يمكن أن يقلل من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية، ويضمن استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين في أوقات الأزمات.
المخزون الاستراتيجي وأهميته
يعد المخزون الاستراتيجي للمواد الطاقية خط الدفاع الأول لأي دولة تعتمد على واردات الطاقة. ويوفر للدولة الوقت الكافي للتعامل مع ارتفاع الأسعار المفاجئ أو توقف الإمدادات، ويتيح لها اتخاذ القرارات المالية والتنظيمية اللازمة للتخفيف من آثار الصدمات الاقتصادية. في المغرب، يُوصى بأن يغطي المخزون الاستراتيجي على الأقل ستين يومًا من الاستهلاك الوطني، بينما الواقع يظهر أن المخزون غالبًا ما يغطي ما بين 22 و30 يومًا فقط، وهو ما يجعل البلاد عرضة لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار.
النقص في المخزون الاستراتيجي يؤدي إلى زيادة سريعة في أسعار المحروقات المحلية، ما يضع ضغطًا على صندوق المقاصة ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين. الحكومة مضطرة في هذه الحالة إلى التدخل لتخفيف العبء عن الأسر والفئات الهشة، وقد تشمل التدخلات دعم الناقلين وكافة المتضررين في سلسلة النقل لضمان استمرار النشاط الاقتصادي بشكل طبيعي. كما أن المخزون الاستراتيجي يمنح الدولة القدرة على التفاوض مع الموردين الدوليين، وتأمين شراء النفط بأسعار أقل، وبالتالي الحد من الضغط المالي على ميزانية الدولة.
تعزيز المخزون الاستراتيجي ليس مجرد مسألة كمية من الوقود، بل يشمل أيضًا تطوير البنية التحتية للتخزين، تجهيز خزانات حديثة تسمح بالتخزين الآمن، وتحديث نظم المراقبة لضمان استخدام المخزون بشكل فعال عند الضرورة. من هنا، يصبح المخزون الاستراتيجي جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية للطاقة، ويعكس قدرة الدولة على حماية اقتصادها ومواطنيها من أي صدمات خارجية.
دور الحكومة والمؤسسات الاقتصادية
تمتلك الحكومة المغربية أدوات متعددة لمواجهة تقلبات السوق الدولية، منها صندوق المقاصة، تدخلات وزارة المالية، وإصدار توجيهات للمقاولات لضبط الأسعار. لكن فعالية هذه الأدوات تعتمد بشكل رئيسي على توفر مخزون استراتيجي كافٍ. المخزون يتيح للحكومة التدخل بسرعة قبل وصول الأسعار إلى مستويات حرجة، ويمنحها الوقت لتطبيق سياسات مالية ونقدية مناسبة لتقليل التأثيرات على المواطنين.
بالإضافة إلى ذلك، تطوير “الطاقات المتجددة” يشكل عنصرًا مهمًا في الاستراتيجية الوطنية. الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، ويزيد من مرونة الاقتصاد أمام الصدمات الدولية. المغرب بدأ بالفعل تنفيذ مشاريع كبيرة في هذا المجال، مثل محطة نور للطاقة الشمسية في ورزازات، والتي تعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، ولكن هناك حاجة ملحة لتسريع هذه الاستثمارات وزيادة القدرة الإنتاجية المحلية لتغطية الطلب المستقبلي.
كما يجب أن يكون هناك تنسيق بين الحكومة والفاعلين الاقتصاديين في قطاع الطاقة لضمان أن أي ارتفاع في الأسعار العالمية يمكن استيعابه دون تأثير كبير على السوق المحلية. هذه السياسات تشمل تخطيطًا استراتيجيًا للمخزون، إدارة سلسلة الإمداد، وتوفير بدائل للطاقة لتقليل الأثر على القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات الأساسية. هذا بدوره يرفع معدلات التضخم ويضع ضغطًا إضافيًا على الأسر، خصوصًا الفئات محدودة الدخل. المخزون الاستراتيجي هنا يعمل كوسيلة لامتصاص هذه الصدمات وتأخير تأثيرها على الاقتصاد المحلي، مما يمنح الحكومة هامشًا أكبر للتخطيط والتنفيذ.
وجود مخزون استراتيجي كافٍ يعزز أيضًا “ثقة المستثمرين المحليين والأجانب” في الاقتصاد المغربي، ويحفز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. فالمستثمرون يفضلون الأسواق المستقرة التي تتمتع بحماية ضد تقلبات الطاقة، وهذا يعزز التنمية الاقتصادية ويحفز التشغيل. علاوة على ذلك، المخزون الاستراتيجي يسهم في استقرار الأسعار ويقلل من المخاطر المرتبطة بالتذبذب الكبير في الأسواق العالمية.
التجربة الدولية والممارسات المثلى
تعتمد العديد من الدول على المخزون الاستراتيجي كجزء من سياساتها الوطنية للطاقة. الولايات المتحدة تحتفظ بمخزون استراتيجي يغطي عدة أشهر من الاستهلاك الوطني، وتستخدمه للتدخل في الأسواق عند الضرورة. اليابان وكوريا الجنوبية أيضًا تعتمدان على مخزونات استراتيجية ضخمة لضمان استقرار الاقتصاد وحماية المواطنين من أي تقلبات مفاجئة. المغرب يمكن أن يستفيد من هذه التجارب لتطوير نظام فعال يضمن استمرارية الإمدادات الطاقية في جميع الظروف.
إغلاق مضيق “هرمز” يهدد واردات المغرب من المنتجات البترولية
يستورد المغرب حوالي 90 في المائة إلى 96 في المائة من احتياجاته من الطاقة الأولية، لا سيما النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي والفحم، نظراً لغياب الإنتاج المحلي الكافي، يمثل الديزل وزيت الوقود الجزء الأكبر من الاستيراد لتغطية الحاجيات المحلية في ظل غياب التكرير المحلي، مع استمرار ارتفاع الطلب، حيث ارتفعت واردات المنتجات النفطية (ديزل، وقود) لتسجل مستويات قياسية في 2025 بمتوسط 249 ألف برميل يومياً.
التوتر العسكري يهدد المضيق
يعد مضيق هرمز أحد أبرز الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث يشكل الرابط الحيوي بين مياه الخليج العربي وخليج عمان والمحيط الهندي، ويعتبر المنفذ البحري الأساسي لصادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الدولية. وقد اكتسب هذا المضيق أهمية خاصة منذ اكتشاف النفط في المنطقة خلال القرن العشرين، ليصبح عنصرا محوريا في معادلة أمن الطاقة العالمي.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية يمر عبر هذا المضيق يوميا، ما يعني أن أي اضطراب في الملاحة البحرية فيه ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.
وفي ظل تصاعد التوتر العسكري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وتأجج الوضع في الشرق الأوسط، عاد الاهتمام الدولي إلى مضيق هرمز بوصفه نقطة محورية في استراتيجية الردع الإقليمي. وتلعب الولايات المتحدة دورا بارزا من خلال تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، بما يشمل الأساطيل البحرية وقواعد المراقبة، لضمان حرية الملاحة.
ورغم استمرار حركة الملاحة، أدى تصاعد الخطاب السياسي والعسكري وزيادة التحركات البحرية الاحترازية إلى رفع مستوى القلق لدى الأسواق العالمية للطاقة والشحن البحري، ما دفع بعض شركات النقل الدولية إلى إعادة تقييم مساراتها التشغيلية ورفع تكاليف التأمين على السفن العابرة للمضيق.
شريان رئيسي للطاقة بالعالم
يمتد مضيق “هرمز” بعرض يصل إلى حوالي 33 كيلومترا في أضيق نقاطه، بينما تبقى الممرات الملاحية المخصصة لعبور السفن محدودة نسبيا، ما يزيد من حساسيتها الاستراتيجية. ويقع المضيق بين السواحل الجنوبية لإيران والشمالية لسلطنة عمان، ما يمنحه بعدا جيوسياسيا بالغ التعقيد ويجعله مركزا للتوازنات الإقليمية.
وبرز المضيق كمنطقة حرجة خلال ثمانينيات القرن الماضي، في أعقاب اندلاع الحرب الإيرانية–العراقية، عندما شهد ما عرف بـ”حرب الناقلات”. تعرضت السفن التجارية وناقلات النفط لهجمات متبادلة، ما استدعى تعزيز الوجود البحري الدولي لضمان حرية الملاحة وتأمين إمدادات الطاقة. ومنذ ذلك الحين ظل المضيق في صلب الدراسات المتعلقة بالأمن الإقليمي، رغم عدم تسجيل أي إغلاق كامل طويل الأمد.
ويكتسي مضيق “هرمز” أهمية اقتصادية بالغة باعتباره أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية، خصوصا في مجال نقل موارد الطاقة من منطقة الخليج العربي. ويمر عبر هذا المضيق نحو 11 في المائة من التجارة العالمية، بما يشمل حوالي 34 في المائة من صادرات النفط المنقولة بحرا و30 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وفق معطيات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2025.
كما يسجل المضيق حركة ملاحية كثيفة، إذ بلغ متوسط مرور السفن فيه حوالي 144 سفينة يوميا بحلول منتصف يونيو 2025، تتوزع بين 37 في المائة ناقلات نفط و17 في المائة سفن حاويات و13 في المائة سفن شحن سائب. وإلى جانب نقل الطاقة، تشكل الموانئ المجاورة للمضيق مركزا لوجستيا مهما، حيث تتم مناولة أكثر من 30 مليون حاوية نمطية سنويا.
مخاطر إغلاق مضيق “هرمز”
يعد إغلاق مضيق “هرمز” من أكثر السيناريوهات التي تحظى باهتمام واسع في التحليلات الجيوسياسية والاقتصادية، نظرا لما قد يترتب عليه من اضطراب واسع في تدفقات الطاقة العالمية. ففي حال تعطل الملاحة في هذا الممر البحري، ستواجه الدول المستوردة للنفط والغاز صعوبات فورية في تأمين الإمدادات بالسرعة الكافية، خاصة أن البدائل المتاحة لنقل الطاقة من الخليج العربي تبقى محدودة مقارنة بحجم الكميات التي تعبر المضيق يوميا. وقد يدفع ذلك عددا من الدول الصناعية إلى الاعتماد بشكل أكبر على مخزوناتها الاستراتيجية من النفط، في محاولة لتخفيف آثار أي نقص محتمل في الإمدادات خلال المراحل الأولى من الأزمة.
كما قد تتجه الدول المنتجة في المنطقة إلى تكثيف استخدام خطوط الأنابيب البرية التي تربط بعض الحقول النفطية بموانئ تقع خارج الخليج العربي، غير أن القدرة الاستيعابية لهذه الخطوط لا تكفي لتعويض كامل الكميات المنقولة بحرا عبر المضيق. وفي الوقت ذاته، قد يؤدي أي اضطراب طويل الأمد إلى إعادة ترتيب مسارات التجارة الدولية للطاقة، ويدفع شركات الشحن والتأمين إلى اتخاذ إجراءات احترازية إضافية، الأمر الذي قد ينعكس على تكاليف النقل البحري وعلى سلاسل الإمداد المرتبطة بالطاقة والمواد الأولية في الأسواق العالمية.
الحكومة تتابع تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد الوطني
قال مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، إن الحكومة تتابع عن كثب تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد الوطني، وأن هذا الموضوع سيظل حاضرا ضمن اهتماماتها وأجندتها.
وشدد بايتاس، يوم الخميس الماضي، خلال الندوة الأسبوعية التي تلت أشغال المجلس الحكومي، على أن الحكومة ستتخذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على المكتسبات التي تحققت، وضمان استمرار صلابة الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن رئيس الحكومة، خلال تدخله في مجلس الحكومة، أكد أن التوجيهات الملكية السامية، سيما في مجال الاقتصاد الوطني والدولة الاجتماعية، التي تبنتها الحكومة وطبقتها من خلال إجراءات ملموسة، مكنت الاقتصاد الوطني من تحقيق نتائج إيجابية ومتواصلة، رغم السياقات الصعبة التي واجهتها البلاد في السنوات الماضية.
وأضاف بايتاس أن المؤشرات الاقتصادية لعام 2025 تؤكد فاعلية سياسات التدخل، مشيرا إلى انخفاض عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة، وانخفاض معدلات التضخم من 6.6 في المائة، أو 0.8 في المائة، وخفض ديون الخزينة إلى 67.2 في المائة، وتسجيل استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 56 مليار درهم، وهو رقم قياسي لم يتحقق منذ 29 سنة.
وأكد بايتاس أن «هذه الأرقام تحققت بفضل الإجراءت الحكومية والسياسات العمومية، بعضها تم اتخاذه خلال الأزمات، وبعضها كان نتيجة عمل مستمر، مما مكن من تحقيق نمو اقتصادي مرتفع بلغ 4.8 في المائة».
ومن جهتها، أفادت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، في تصريحات لقناة «BFM Business» الفرنسية، بأن المغرب يتابع تطورات الأزمة بكثير من اليقظة، معبرا عن أسفه لما يجري وتضامنه مع البلدان الشقيقة والسكان المدنيين الذين «يدفعون دائما الثمن».
وأوضحت المسؤولة المغربية أن المملكة، بحكم اندماجها في سلاسل الاقتصاد العالمية واعتمادها على استيراد المحروقات، تبقى معرضة للتأثر بالتقلبات الدولية، غير أنها شددت على أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة أدوات للحماية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا لفائدة الفئات الهشة.
وأبرزت في هذا السياق توفر البلاد على احتياطات مهمة من العملة الصعبة، إلى جانب مزيج طاقي يتجه بشكل متزايد نحو الطاقات المتجددة، واقتصاد «أثبت قدرته على الصمود» في مواجهة الصدمات المتتالية.
وفي ما يتعلق باحتمال ارتفاع أسعار النفط والغاز، في حال استمرار النزاع لأسابيع، كما لمح إلى ذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أوضحت نادية فتاح أن مشروع قانون المالية بُني على فرضية سعر 65 دولارا للبرميل، في حين بلغ السعر حاليا نحو 85 دولارا، وأقرت بوجود تأثير محتمل، خاصة على مستوى كلفة الطاقة، لكنها اعتبرت أن استهلاك الغاز في المغرب يظل موجها أساسا للاستخدام المنزلي، وأن تدبير انعكاساته «يبقى تحت السيطرة» في إطار التوازنات المالية العمومية، معربة عن أملها في ألا تطول أمد الأزمة.
وبدورها، أفادت وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بأن المملكة المغربية تتابع باهتمام المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والمتمثلة في استهداف سيادة عدد من الدول العربية الشقيقة وسلامة أراضيها، وما ترتب عليه من تداعيات طالت عددا من القطاعات الحيوية، خاصة النقل والبنيات التحتية المدنية والعسكرية والبنيات التحتية الرقمية ومراكز البيانات، إلى جانب مؤسسات القطاع البنكي وقطاع التأمين، وذلك في سياق يحمل أبعادا دولية بالنظر إلى الترابط الوثيق بين الأنظمة الاقتصادية والمالية على الصعيد العالمي.
وذكرت الوزارة، في بلاغ لها، أنها تتابع عن كثب سلاسل الإمداد الطاقي في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية، مشيرة إلى أن المؤشرات المتاحة تفيد بأن النظام الطاقي العالمي يتوفر، على المدى القصير، على المقومات اللازمة لامتصاص الصدمات والتذبذبات الحادة للأسعار وما قد ينجم عنها من انعكاسات محتملة على مستويات التضخم، وذلك بدعم من آليات التنسيق الدولي بين مختلف الفاعلين في القطاع الطاقي.
وأكدت أنها تواصل، بشكل يومي، مراقبة وضعية المخزونات الوطنية بدقة، بما يضمن تأمين الحاجيات الوطنية في أفضل الظروف، مع الحرص على مواكبة تطورات الظرفية الدولية، وإطلاع الرأي العام على مختلف المستجدات ذات الصلة وفق المعطيات المتوفرة.
كما دعت الوزارة كافة الفاعلين إلى التحلي بروح المسؤولية واستحضار المصلحة الوطنية، والعمل على ضمان استقرار السوق، مع تفادي أي ممارسات من شأنها التأثير سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، أو على التوازنات الاقتصادية.
ثلاثة أسئلة لمحمد جدري*: «الاقتصاد الوطني قادر على مواجهة تقلبات السوق والفاعلون في المحروقات فشلوا في تكوين مخزون استراتيجي»
1- ما مدى صلابة الاقتصاد الوطني في مواجهة تقلبات السوق العالمية، خصوصًا في مادة البترول؟
الاقتصاد الوطني المغربي أظهر، على مر السنوات، قدرة نسبية على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، لكنه ليس بمنأى عن الصدمات الخارجية، سيما في الموارد الأساسية، مثل النفط والغاز. إذا أخذنا مؤشر التضخم، مثلا، سنجد أن المغرب شهد، خلال العقد الأخير، فترات متفاوتة من التضخم، ارتفع فيها مؤشر أسعار الاستهلاك نتيجة أزمات عالمية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة في 2008 والأزمة المالية العالمية سنة 2009، وصولًا إلى أزمة كورونا التي أثرت على سلاسل التوريد وأسعار المواد الأساسية.
ارتفاع أسعار المحروقات كان دائمًا أحد العوامل الرئيسية لزيادة التضخم، نظرًا لاعتماد الاقتصاد المغربي على الاستيراد بشكل كبير في قطاع الطاقة، إذ تصل نسبة الاستيراد من النفط والغاز إلى أكثر من 90 في المائة من الاستهلاك الوطني. الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط تزيد من احتمالات تقلب أسعار النفط بشكل حاد، ما يطرح تحديًا إضافيًا على الاقتصاد الوطني.
معطيات وزارة الاقتصاد والمالية تشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط العالمي بنسبة 10 في المائة يؤدي عادة إلى زيادة التضخم المحلي بنسبة تتراوح بين 0.2 و0.3 في المائة، ما يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين. فضلا عن أن أي صدمات خارجية تتعلق بسلاسل التوريد يمكن أن تضغط على ميزان المدفوعات، سيما إذا واصلت الأزمة رفع أسعار الشحن البحري والطاقة.
لدى المغرب سجل طويل في التعامل مع الأزمات الخارجية، إذ أظهرت الحكومة مرونة في التعامل مع الأزمات السابقة من خلال أدوات مالية ونقدية مختلفة، مثل صندوق المقاصة وتدخلات وزارة المالية لضبط الأسعار، إضافة إلى سياسات التحفيز الاقتصادي لدعم القطاعات الأكثر تضررًا. ومع ذلك تعتمد فعالية هذه الأدوات على القدرة على التنبؤ بالأسواق العالمية والتحكم في التكاليف، وهو أمر ليس دائمًا ممكنًا في ظل الأزمات الجيوسياسية غير المتوقعة.
2- ما أهمية توفر المغرب على مخزون استراتيجي من المواد البترولية؟
المخزون الاستراتيجي للمواد البترولية يلعب دورًا حيويًا في استقرار السوق المحلية وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. الأساس هنا هو أن وجود مخزون يغطي الاستهلاك الوطني لفترة زمنية محددة يمنح الدولة هامش مناورة في مواجهة أي صدمات خارجية. لكن الواقع الحالي في المغرب يوضح تحديًا كبيرًا. فالفاعلون في قطاع المحروقات لا يوفرون المخزون الاستراتيجي المطلوب الذي يجب ألا يقل عن ستين يومًا من الاستهلاك الوطني، بينما الواقع الفعلي يشير إلى أن المخزون الاستراتيجي لا يتعدى، في كثير من الأحيان، 22 إلى 30 يومًا فقط. وهذا النقص يجعل المغرب أكثر حساسية لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار العالمية.
عندما يحدث ارتفاع في أسعار النفط، كما قد يحصل مع الحرب الحالية في الشرق الأوسط، ترتفع الأسعار المحلية للمحروقات بسرعة، ما قد يضغط على الحكومة للتدخل من خلال صندوق المقاصة لتخفيف أثر هذا الارتفاع على القدرة الشرائية للمواطنين. أحيانًا قد تشمل التدخلات دعم الناقلين وكافة المتضررين في سلسلة النقل لضمان استمرار النشاط الاقتصادي دون تأثيرات مفرطة على المواطنين.
وجود مخزون استراتيجي كافٍ لا يحمي الاقتصاد فقط من ارتفاع الأسعار المفاجئ، بل يمنح الدولة أيضًا الوقت الكافي للتفاوض مع الموردين الدوليين، وشراء النفط بأسعار أقل، أو توجيه الموارد المالية لسياسات دعم محددة دون التأثير على الميزانية العامة بشكل كبير. ولهذا السبب يوصي الخبراء دائمًا بزيادة المخزون الاستراتيجي إلى مستويات تغطي على الأقل 60 يومًا من الاستهلاك الوطني.
3- ما آثار تقلبات أسعار النفط دوليًا على الاقتصاد الوطني؟
تقلبات أسعار النفط لها تأثير مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المغربي. أولًا، على مستوى الأسعار المحلية، أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس بسرعة على أسعار البنزين والديزل، ويؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ثانيًا، التأثير على ميزانية الدولة، المغرب مستورد صاف للنفط، أي أن أي ارتفاع كبير في الأسعار يؤدي إلى زيادة فاتورة الاستيراد، وهو ما يضغط على ميزان المدفوعات واحتياطات العملة الصعبة. الحكومة قد تضطر إلى زيادة الاعتماد على صندوق المقاصة لتخفيف الأعباء على المواطنين، وهذا يشكل ضغطًا ماليًا على الميزانية.
ثالثًا، على مستوى الاقتصاد الكلي، تؤثر تقلبات أسعار النفط على الاستثمار وإنتاج الطاقة البديلة، وعلى تكاليف النقل والتشغيل، وهو ما قد يقلل من القدرة التنافسية للمقاولات المغربية. ارتفاع الأسعار لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم، ما يفرض على السلطات تبني سياسات مالية ونقدية مرنة لمواجهة الصدمات.
هناك، أيضًا، تأثيرات غير مباشرة على القطاعات المرتبطة بالنقل والخدمات واللوجستيك، حيث ترتفع تكاليف تشغيل النقل البري والبحري والجوي. هذا بدوره يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلك النهائي ويضع ضغوطًا إضافية على الأسر، خصوصًا الفئات محدودة الدخل.
في ظل الحرب الحالية في الشرق الأوسط، من المرجح أن تشهد أسواق النفط تقلبات كبيرة، وهو ما يزيد من المخاطر على الاقتصاد الوطني إذا لم تتخذ الحكومة خطوات استباقية. هذه الخطوات تشمل تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
المحصلة أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط عالميًا يشكلان عامل قلق اقتصادي، سيما إذا استمر الوضع فترة طويلة دون وجود مخزون استراتيجي كافٍ أو أدوات حكومية فعالة للتدخل المبكر. المغرب يحتاج إلى تعزيز قدرته على التكيف مع الصدمات الخارجية من خلال استراتيجيات استباقية تشمل المخزون الاستراتيجي، تنويع مصادر الطاقة وتشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة لضمان استقرار الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
*باحث متخصص في الاقتصاد





