
عبد الكريم جويطي
تتكثف روح المدينة في الزمن السريع، الجارف، والمدوخ، لهذا تسرق أنفس الناس، وتدخلهم في دوامة القلق، والأرق، والاكتئاب. ولأن الأفراد شهدوا تهاوي السرديات الكبرى التي كانت تمنح لوجودهم معاني متسقة، وتهبهم ما سماه فالتر بنيامين “وعد السعادة”، ويوتوبيا العدالة، والمساواة، والفرح، فقد كانوا يصبرون ويتحملون لأن هناك أحلاما بالقرب من الباب تنتظر أن يُفتح.
هناك أرض ستسترد، هناك كرامة ستستعاد، هناك خبز سيمنح للجميع بلا منة من أحد، وهناك عِرْضٌ سيصان، وهناك حرية ستحلق بأجنجة، لكن لا شيء من هذا حدث، ولعل أبلغ صورة للانهيار الدرامي للسردية الكبرى هو إخراج بطل قومي من حفرة بلحية طويلة ووجه معفر بالتراب وعينين زائغتين. كل النكبات والهزائم خلفت أثرا، كل الجراح، كل الطعنات، كل ذلك اللعب بالشعارات البراقة وعنتريات الخطاب، ولا شيء بقي سوى الرماد، سوى القبور الفردية والجماعية، سوى أنين الجرحى، سوى السجون والمنافي، سوى خراب المدن والمشاريع السياسية والاقتصادية والمجتمعية، سوى أن يكون الأمس، في سلم الكوارث المتتالية، أفضل بكثير من اليوم والغد.
حين تنطفئ السردية الجامعة، ينطفئ معها نور المدينة، وتتفكك معها اللحمة التي تخلق الجماعات، ولا يعود الناس كتلة واعية وطامحة، وإنما أشتاتا ضائعة تنفخ في خصوصية مُتَوَهَّمة، أو تتطرف منكرة الزمن الذي تعيش فيه، أو تدفن نفسها في رمال الفرجة والاستهلاك والتفاهة. لا يمكن أن يعيش الإنسان بدون سردية ترتب كل ما حوله، بالقدر الذي ترتب فيه شياطين نفسه، وإن لم يجد نفسه في سردية موحدة ابتكر واحدة خاصة به.
الحاجة إلى السرديات الخاصة
لا يمكن فهم هذا “الانفجار الروائي” إلا بحاجة كل واحد منا، الأستاذ والطبيب والمهندس والصحافي والتقني والمؤرخ ورجل القانون والموظف والطالب والمخرج السينمائي والممثل والممرض والشرطي… لأن يقول شيئا خاصا وفريدا. لقد حرر انهيار السردية الكبرى (يمكن الرجوع لكتاب جان فرنسوا ليوتار: شرط ما بعد الحداثة 1979 الذي استعمل المفهوم أول مرة) السرديات الصغيرة والخاصة والفريدة، وأخرج من عقالها هذه الحاجة الكامنة بداخل كل واحد منا لأن يحكي، وحين يفعل ذلك فهو يحاول أن يهيكل وجوده، وأن يعطي معنى للعالم المحيط به، وأن يُجَمِّعَ في وحدة سردية المِزَق المتطايرة من حوله، وأن ينظم جري الزمن المحموم الذي يعصف به. ماتت السردية الكبرى، وولد يتمها هذه الحاجة لأن يكون لكل واحد روايته، شهادته، كلامه الذي لا يجد منبرا في المدينة يمنحه فرصة قوله.
ولأن القول لم يعد خطيرا، كما كان في الماضي، وإمساك القلم لم يعد مخاطرة قد تخرب حياة الكاتب تماما، فإن السلط القائمة لم تعد تتشدد حياله، لم تعد حريصة على تنذير الذوات المتكلمة، ومحاصرة القائل وتهديده، والحجر على القول، لقد كثر الضجيج بما يكفي لأن يجعلها على يقين بأن أنقى الأصوات وأخطرها، وأكثرها تقويضا لما هو قائم، سيضيع في الزحمة، ولن يسمعه سوى كمشة من المهتمين.
إننا على وشك الدخول في واقع جديد سمته الأساس هي أن الكُتَّاب سيصيرون أكثر من القراء. لم تفقد المدينة مع تفكك السرديات الكبرى روحها ، بل فقدت معها قدرتها على التقويم، والتنسيب، والتشكيك، والهدم، وبناء المسافة مع الأثر كيفما كان، وكل هذه الأشياء لازمة لتفكيك القائم وبناء شيء جديد فوق أنقاضه، كان يقوم بها النقد.
لم تعد الثقافة القائمة تتحمل الوساطة، ولا تلك القدرة على ترويض النص، المتوحش بطبعه، وإعادته للنسق، وفضحه إن لزم الأمر. إنها تريد أتباعا، أولئك الذين يستهلكون النصوص كما يستهلكون وجباتهم السريعة، بكثير من الشراهة وقليل من الهضم.
يراد للنصوص الأدبية، وهذا ما عملت عليه الجوائز، أن تتشابه علينا كما يتشابه البقر. كثرت الجوائز في وقت غاب أو غُيّب فيه النقد الذي لم يعد ينتج رموزا كبرى، ولم يعد فاعلا رئيسيا في بناء الذوق والرأي الأدبيين.
ولّى زمن طه حسين والعقاد ومحمد مندور، ومن جاء بعدهم في كل الأقطار العربية، جابر عصفور وكمال أبوديب وخالدة سعيد… حتى من بقي فاعلا ومتفاعلا مع الأدب العربي بالتحليل والدرس، قديمه وحديثه، من أعلام النقد الكبار، ترك عدته ومنهجه ومفاهيمه، وتوكل على الله هو أيضا، وبدأ يكتب نصوصا سردية، فلا كرامة لفاعل ثقافي فيما نعيشه من خراب دون أن يكون له نص سردي.
“زكاة البترول”
حين توارى النقد وحوصر وفقد هيبته لفائدة حفلات المجاملة والنفخ في الرماد، وقلل من شأنه، عوضه نقد صفحات التواصل الاجتماعي بكل ما فيه من ذاتية وأعطاب، ولم يعد معظم من يشكلون لجن الجوائز يدققون في بروفايلات أعضائها، كأن يترأس نكرة لجنة منح جائزة كبرى في الرواية، وتترأس كاتبة خواطر متهافتة لجنة منح جائزة مرموقة، وتسمع من لم يسمع له صوت ولا رأي أدبي راجح وليس وراءه إرث رمزي ثمين، يتحول إلى سلطة فرز تمسك بمفاتيح جنة الأدب.
لهذا فمعظم جوائز الأدب العربي لم تعمل على تطويره، ولا ساهمت بصورة فاعلة في الصناعات الثقافية، ولا شجعت بشكل فعال على القراءة. كل ما حققته هو ذلك الضجيج العابر الذي يرافق إعلان نتائجها، وتلك التربية السيئة التي أفسدت بها أرواح شباب مبدعين موهوبين حقا، صاروا يفكرون في الجائزة أكثر مما يفكرون في تطوير تجربتهم الإبداعية، مهما كلفهم ذلك من عزلة وبؤس وألم، وخلقت بها عَصَائِبَ كُتّاب، يطوفون على كل الموائد، ويتصيدون كل شيك لوح به في الأفق، كتاب تقرأ سيرهم الذاتية، وتقارنها بسنهم، فتندهش لكونهم فازوا بكل الجوائز العربية المرموقة والمعروفة، لكنهم منسيين خارج حلبات المنافسة التي يتقنون شروطها، ولن يصمدوا أبدا لامتحان الزمن، الذي هو أقوى وأشد من امتحان كل جائزة، بما فيها نوبل نفسها.
علّق صديق لي ساخرا على فوزه بإحدى الجوائز بأنه نال نصيبه فقط من زكاة البترول. أخفت تلك السخرية المرة التي تحدث بها، واقع كون معظم الجوائز العربية ولدت بهاجس الوجاهة الثقافية والمنافسة القُطْرِيَّة، وليس وراءها رهان ثقافي وأدبي حقيقي، وهي تعطى في الغالب بمنطق الصدقة، وكثيرا ما منحت لكتاب معينين من باب الشفقة والتقدير لظروفهم الاجتماعية أو الصحية، والأمثلة كثيرة ومعروفة.
يولد الأدب العربي اليوم وهو محاط بالارتياب، وبازدهار مدهش لنظرية المؤامرة، فالمواطن العربي الذي لا يهتم بمعرفة شؤون بلده، ولا يتساءل أين تذهب ثرواتها، ولا يعرف كيف تتخذ القرارات الكبرى التي تتحكم في خبزه وحريته وسعادته، يأنس في نفسه القدرة على أن يحدثك على ما يحاك في مكاتب الدول العظمى ومختبراتها، قادر على أن يحلل دوافع الدول وأحابيلها، في كتابه: السردية الكبيرة: مقدمة لتاريخ زمننا، ربط المؤرخ يوهان شابوتو بين نهاية السرديات الكبرى وصعود نظرية المؤامرة.
لم تكن البشرية محاطة بالمعرفة، وسهولة الولوج إليها مثلما هو الحال اليوم، لكنها لم تكن هشة، وخائفة، ومُتَوَهِّمَة مثلما هي اليوم. تحتاج الأمم في هذه الحالة لمن يزرع فيها روح النقد والسؤال. تحتاج لأفراد واعين، لا تغريهم المظاهر، ولا ينطلي عليهم الكذب الرقمي، ينشدون الحقيقة وراء البهرجة، ولا يرتاحون في كذب الشعارات، ولا يستهلكون العواطف واليقينيات الممنوحة لهم بسخاء.
في رهانات عالم يسير بجنون في بحر تقني ورقمي متلاطم، لا تحتاج الثقافة العربية التي تسير ببطء سلحفاة لجوائز تشربت مظاهر تخلف مجتمعاتنا، بقدر ما تحتاج لمشاريع ثقافية تواجه التحديات الكبرى. تحتاج لجامعات حقيقية تعلم أسس العقل النقدي، وتحتاج لمدرسة تربي على قيم المواطنة والانفتاح الخلاق على العالم.





