حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةسياسيةملف التاريخ

حقائق منسية وأحداث غير معروفة بين الرباط ودكار

عمرها أكثر من 4 قرون وميزها ولاء التيجانيين والقادريين لفاس

«أبريل 1960.. حصلت السينغال على الاستقلال. احتفالات في دكار، وأخرى في الرباط. كان ملف العلاقات المغربية الموريتانية السينغالية يحظى باهتمام كبير من طرف الملك الراحل محمد الخامس، سنوات قبل استقلال البلدين عن فرنسا.

أول سفير مغربي في السينغال كان هو الصحافي والمثقف، قاسم الزهيري.. وصل هذا الأخير إلى دكار، أسابيع قليلة بعد استقلالها، وعمل لأشهر على ربط الاتصال بين الفرقاء السينغاليين والقصر الملكي في الرباط، وعندما جرى إعلان الاستقلال، تعيّن سفيرا رسميا في دكار.. الزهيري، الشاهد على العلاقات المغربية السينغالية، قدم قيد حياته، قبل وفاته سنة 2004، واحدة من الشهادات النادرة على الحقيقة التاريخية التي تقول إن حدود المغرب حُددت خلال زمن مضى في نهر السينغال».

 

يونس جنوحي

 

+++

 

حملات 1679.. قادها المولى إسماعيل وتجاوز بها نهر السينغال

عندما وصل المولى إسماعيل إلى الحكم سنة 1672، لم يرث فقط مغربا على هاوية الانقسامات، بل ورث أيضا مسؤولية حملة عسكرية كان مخططا أن تنطلق، قبل وصوله إلى العرش بسنتين.. كان يجري الإعداد لها منذ 1670. وهذه العملية تتعلق باستعادة حدود الدولة المغربية التي تعود إلى زمن المرابطين. وهذه الحدود تمتد من شمال المغرب في طنجة -هي الأخرى كان تركيز المولى إسماعيل منصبا على استعادتها وتحريرها من الاحتلال الأوروبي- وصولا إلى ما وراء نهر السينغال.

لا يمكن الجزم بأن مهمة المولى إسماعيل كانت سهلة. فحتى مع تأمينه جيش «البخارى»، وحشده للقوات المغربية من مختلف القبائل المغربية المشهود لرجالها بالبأس والخبرة الطويلة في القتال، إلا أن استعادة حدود الدولة المغربية وتصحيح ما فُقد منها على امتداد أزيد من خمسة قرون، هي المدة الفاصلة بين تأسيس الدولة المغربية ومرحلة حكم المولى إسماعيل، لم يكن ليتحقق عسكريا فقط، دون استثمار العلاقات التاريخية.

كان المولى إسماعيل، وهو الذي يجالس العلماء ويقربهم منه ويستشيرهم في الأمور العسكرية والدينية، قد أدرك مبكرا أن الوصول إلى قلوب قبائل الصحراء أسهل بكثير من حصارهم عسكريا. المشروعية التاريخية التي كان المولى إسماعيل يتوفر عليها، على اعتبار أنه سليل الشرفاء، ساهمت في تقوية الحملة «الروحية» التي أطلقها من قصره في مكناس، ووصل مداها إلى السينغال.

ساهمت الحملة العسكرية الأولى التي أطلقها المولى إسماعيل، في استعادة الدولة المغربية لهيبتها، وتأمين حدودها السابقة. لكن المولى إسماعيل، الذي كان منهمكا في بناء قصر عاصمة حكمه، مكناس، لم يكتف بهذا القدر، وعمل على توسيع حدود الدولة المغربية.

في السينغال، كانت البلاد مقسمة إلى فريقين عندما يتعلق الأمر بالولاء للزوايا والطرق الصوفية. فالسينغاليون كانوا إما قادريين أو تيجانيين. وقد عرف عن المولى إسماعيل تقديره للطائفتين معا، بل وإكرامه للمشرفين على الطريقتين.

وهكذا فإن المغرب لم يشن حربا عسكرية على قبائل الصحراء التي تحول بينه وبين السينغال، أي قبائل موريتانيا.. فهؤلاء ما إن رأوا قوات المولى إسماعيل وقبائل الصحراء الأخرى التي بايعته، حتى انخرطوا رأسا في صف المبايعين للمولى إسماعيل.. وهم بذلك، كما وصفهم المؤرخون، «يعودون إلى ما كان بايع به أجدادهم ملوك الدولة المغربية».

هناك مصادر تاريخية تؤكد أن قبائل الصحراء في موريتانيا والسينغال شكلت وفدا زار السلطان المولى إسماعيل في قصره في مكناس، سنوات قبل وفاته عام 1727، وقدم له أفراد الوفد آيات الولاء قبل توجههم إلى موسم الحج، وذكروا له ما كان يقوم به بعض زعماء قبائل الصحراء من إقصاء لبعض العلماء الذين رغبوا في مراسلة المولى إسماعيل، ولقائه، فما كان منه إلا أن أعلن أمام أفراد الوفد أن أبواب قصره مفتوحة أمام كل علماء المغرب الذي كانت حدوده تمتد إلى نهر السينغال، مؤكدا أنه سيتخذ المتعين.. وفعلا فقد أطلق المولى إسماعيل في السنوات الأخيرة من حكمه حملة لتطهير البلاد من رجال القبائل المستغلين لسلطهم، وكثيرا ما ردد المولى إسماعيل أمام وزرائه وكتابه وحتى أبنائه الذين كانوا خلفاء للسلطان على المناطق، أنه لن يتردد في عقاب المسؤولين إن حالوا بينه وبين رعاياه.. وكان ينبههم – حسب ما نصحه به العالم اليوسي في رسائله الشهيرة- إلى أن الدولة تتقلص حدودها إن أغلق السلطان بابه على القبائل.

 

قصة شارع محمد الخامس في دكار

 

جرت أحداث كثيرة ما بين فترة السلطان المولى إسماعيل، وصولا إلى أيام الملك الراحل محمد الخامس. فهذا الأخير، كان شاهدا على أزمة موريتانيا والسينغال، وكان يتعامل معهما منذ 1955 على أنهما بلدان صديقان، يعيشان تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، رغم محاولات فرنسا الاستثمار في عداوة كبيرة مع البلدين من خلال اختلاق مشكل الحدود.

كان المغرب يتوفر على وثائق تؤكد أن حدود الدولة المغربية تصل إلى نهر السينغال، لكن الواقع الحاضر وسياق 1955 لم يكونا يسمحان بإشهار معطى تاريخي يعود إلى أربعة قرون خلت، وسط متغيرات إقليمية وجغرافية، كان الهدف منها إعادة رسم معالم المنطقة.

ولهذا السبب لم يغامر الملك الراحل محمد الخامس بالعلاقات بين المغرب وقبائل السينغال، من أتباع الزاويتين القادرية والتيجانية، ولم يغامر بالروابط التاريخية مع موريتانيا، وكان مرنا أثناء التفاوض على مستقبل المنطقة، بعد مغادرة فرنسا.

ولهذا السبب تحديدا بقيت مكانة المغرب محفوظة في كل من موريتانيا والسينغال، بعد استقلالهما على التوالي. وكان منتصف سنة 1960 موعدا لكي تبدأ علاقة البلدين مع المغرب صفحة أخرى.

حل وفد سينغالي بعد استقلال البلاد مباشرة، في الرباط، وحظي باستقبال وتشريف من طرف الملك الراحل محمد الخامس. كان أغلب أعضاء الوفد من أنصار الزاوية التيجانية.. وبعد تبادل عبارات الود واستحضار روابط البيعة بينهم وبين العرش العلوي، قبل قرون خلت، فاجأ الضيوف الملك الراحل محمد الخامس بوثيقة تاريخية عبارة عن مخطوط نادر يؤكد ولاء رمز الزاوية التيجانية للعرش.

وعندما غادر الوفد قاعة الاستقبال في القصر الملكي بالرباط، كانوا قد قرروا العمل على إطلاق اسم الملك الراحل محمد الخامس على أهم شارع في العاصمة السينغالية دكار. وهو ما تم فعلا، تقديرا للحفاوة والدفء الذي وجده الوفد السينغالي فور وصوله إلى المغرب.

كان أيضا مخططا أن يتم اقتراح زيارة رسمية للملك الراحل محمد الخامس إلى السينغال، بعد استقلالها، لكن الوضع الصحي للملك الراحل حال دون برمجتها في سنة 1961، خصوصا وأن الفترة الفاصلة بين استقلال السينغال -حصلت البلاد على الاستقلال في أبريل 1960- ووفاة الملك الراحل محمد الخامس في فبراير 1961 كانت قصيرة للغاية، بل إن وفاة الملك محمد الخامس جاءت بعد أقل من شهر من افتتاح السفارة المغربية في دكار.

لكن الملك الراحل الحسن الثاني حل في السينغال في فترة مبكرة جدا بعد اعتلائه العرش، وهي إشارة رمزية إلى تنفيذ رغبة ملكية حَدَت والده قبله، وكان لها وقع كبير على مسار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.. فقد كانت زيارة الملك الراحل الحسن الثاني إلى السينغال محط اهتمام الصحافة الفرنسية، ولم تخف فرنسا «قلقها» من التقارب الكبير بين الرباط ودكار.

 

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

مذكرات أول سفير مغربي بالسينغال.. لحظات التعيين قبل أول رحلة رسمية إلى «دكار»

رغم أن الأجيال الحالية لا يحضرها اسم «قاسم الزهيري»، إلا أن الرجل كان أول دبلوماسي مغربي يُعين سفيرا للمغرب في السينغال، مباشرة بعد استقلال البلاد.

الجيل الذي ينتمي إليه الزهيري، مارس النضال في إطار الحركة الوطنية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، والتحق بصحيفة «العَلم» لسان حزب الاستقلال، و«تخرج» منها مثقفا من الصف الأول للمثقفين الذين اكتسح بهم الحزب المناصب المهمة بعد استقلال البلاد.

كان الزهيري محط ثقة ملكية كبيرة، فقد أوكل إليه الملك الراحل محمد الخامس مهمة تدبير المفاوضات مع الموريتانيين، وتُوج مجهوده بتعيينه سفيرا للمغرب لدى موريتانيا بعد إعلان استقلالها. وفي أبريل سنة  1960، حصلت السينغال على استقلالها، فكان السفير قاسم الزهيري أول من عينه الملك الراحل محمد الخامس ليكون على رأس سفارة المغرب في السينغال في يناير 1961، بل إن المغرب كان من الدول الأوائل التي أعلنت افتتاح سفارة لها في دكار.

وبحكم أن قاسم الزهيري كان صحافي التكوين، فقد تفرغ للكتابة، وخط مذكراته بنفسه، وذكر جوانب مهمة من مرحلة العلاقات المغربية السينغالية. وفي هذا المقطع، يتحدث الزهيري عن ذكرياته مع السينغال:

«تم تعييني سفيرا في السينغال في بداية سنة 1961، وكنت من الجماعة التي وقع اختيار جلالة المرحوم محمد الخامس طيب الله ثراه عليها، قبل وفاته ببضعة أسابيع، لتمثيل المغرب في بعض الأقطار الإفريقية، ومن هذه الجماعة الشيخ المكي الناصري والسيد الداي ولد سيدي بابا، وقد أخذنا أوراق الاعتماد في يوم واحد، 25 رجب 1380 هـ الموافق 19 يناير 1961، وبعد بضعة أيام جاء دور الصديق الدكتور عبد السلام الحراقي الذي عينه جلالته في جمهورية مالي.
ولا أنسى يوم سلمنا العاهل المنعم أوراق الاعتماد، فقد سلمها لنا رحمه الله في ردهة صغيرة من القصر الملكي بالرباط بعد صلاة المغرب، دخلنا على جلالته فاستقبلنا واحدا واحدا، وكان أشعث تعلو رأسه فيصلية بدت من تحتها وفرة خاطها المشيب، ولحية أهمل حلقها من بضعة أيام على عادته كلما أحزنه أمر، وكان يرتدي جلبابا بسيطا يميل إلى الزرقة، وكان بادي التعب والإنهاك من الألم الممض الذي كان يلازمه في آخر حياته. ومع ذلك كان متجلدا. استقلبنا وتوجه إلينا بكلمات أبرز فيها مكانة إفريقيا في الحاضر وما تتطلع إليه في المستقبل ومكان المغرب منها، وبين لنا ما ينتظره من كل واحد في مواصلة الرسالة التي قامت بها بلادنا في هذه القارة على مر العصور: رسالة سلام وإخاء وتضامن إسلامي، وشرح صدر كل واحد منا بكلمات في منتهى الرقة واللطف. ثم أدينا اليمين بين يدي جلالته وانصرفنا بعدما وشحنا بوسام العرش، ولم أكن أتصور أننا كنا في لقاء وداع جلالته تغمده الله بواسع رحمته».

 

قصة «ساليگان».. مأساة استعمال فرنسا لجنود سينغاليين لقمع المغاربة

حتى لو أنكرت فرنسا مسؤوليتها عن جرائم قمع المتظاهرين المغاربة، إلا أن هناك حوادث موثقة -أغلبها وثقت لها الصحافة الفرنسية الصادرة في المغرب- تثبت تورط البوليس والجيش الفرنسي في قمع المظاهرات، حتى لو حاولت فرنسا إبعاد سُمعتها وقواتها، باستعمال قوات أجنبية تابعة لها.. وهذا ما حدث مع الجنود السينغاليين الذين جلبتهم فرنسا إلى الدار البيضاء، بعد الحرب العالمية الثانية، واستعملتهم لقمع المغاربة.

ورغم الروابط التاريخية بين المغاربة والسينغاليين، وانتماء هؤلاء إلى أنصار أعرق الزوايا الشهيرة في التاريخ المغربي واعتناقهم الصوفية، إلا أن هذا كله لم يساهم في التقليل من موجة العداء بين الفئتين، إلا قليلا.

وأمام تهرب فرنسا من تحمل مسؤولية الأحداث التي راح ضحيتها مئات الشهداء المغاربة – مصادر فرنسية تحدثت عن الآلاف- في فترات متفرقة ما بين 1953 و1955، إلا أن بعض مسؤولي الجيش الفرنسي كتبوا مذكراتهم بعد إحالتهم على التقاعد، وتطرقوا إلى موضوع الجنود السينغاليين الملحقين بالجيش الفرنسي، وهو ما يمكن اعتباره دليلا أمام التاريخ عن مسؤولية فرنسا عما وقع.

أحد هؤلاء المسؤولين، هو النقيب «كورني» الذي شارك في حملة احتلال مراكش ما بين 1912 و1913. وأكد في مذكراته التي ترجمها إلى العربية، الباحث المغربي محمد ناجي بن عمر، أن فرنسا استعملت الجنود السينغاليين في ذلك الوقت -أي أن المخطط لجأت إليه فرنسا مبكرا وليس في الخمسينيات فقط- في حربها ضد القبائل المغربية الممانعة.

يقول: «دوى البوق الفرنسي في عاصمة الجنوب بنغماته المعتادة معلنا وصول الكتائب المرتقبة إلى المدينة، وكانت علامات التعب والإنهاك بادية على وجوههم، نظرا لشح الماء وطول السهر، وشدة الحر. دخلوا يتقدمهم القائد خلفه السبايسية والقناصة الأفارقة، والگوميون، والرماة الجزائريون على صهوات خيول ضامرة، لكنها أنيقة. وكان معظم الجنود الفرنسيين في سن العشرين، ثم ظهر السينغاليون السود الأشداء الذين كان المغاربة يتطلعون إليهم باستغراب كيف سولت لهم نفوسهم أن يكونوا حلفاء النصارى الكفرة. تجولت الكتائب بين الدروب الضيقة والعَرَصَات، لكن الأسوار العالية حجبت عنهم رؤية القصور الكبرى، بدوا فرحين وسعداء لتمكنهم من إخضاع هذه العاصمة. تابعهم الأهالي بتحفظ وترقب، وكنت ترى نفرا منهم يتعقبون آثارنا بحذر شديد أسفل أسوار المدينة. وحده الحي اليهودي عمه فرح عارم، فقد ملؤوا الشرفات يصرخون ويهتفون، والنساء يزغردن، واعتلى الآلاف من بؤسائهم الأسوار، ليتمكنوا من متابعة وصول كتائبنا الذي صادف اليوم الذي كان السلطان «الهيبة»، قد حدده موعدا لقتلهم، وتحرروا وأسرعوا إلى فتح حيهم الذي بقي مغلقا لأسبوع كامل».

خطاب الكراهية، وتأجيج المغاربة ضد السينغاليين أو العكس، غذته الآلة الإعلامية الفرنسية، ممثلة في الصحف الصادرة بالفرنسية في المغرب، باستثمار صور الجنود السينغاليين أثناء التدخل، سيما في أحداث قمع مظاهرات «الكاريان سنطرال»، بعد نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف سنة 1953، وهو ما كان له وقع كبير في نفوس المتظاهرين في مظاهرات لاحقة، إذ بمجرد ما يظهر المجندون السينغاليون، حتى تتأزم الأوضاع في الشارع. في حين أن فرنسا كانت تستعمل أيضا «الكوم» -المحاربون المغاربة في صفوف الجيش الفرنسي المشاركون في الحربين العالميتين الأولى والثانية- وهؤلاء لم يكونوا موضوع كراهية من طرف المتظاهرين، بقدر ما نال السينغاليون النصيب الأوفر منها.

 

هكذا كان يعيش المغاربة الأوائل الذين التحقوا بالسينغال قبل 1960

عندما وصل السفير المغربي قاسم الزهيري إلى السينغال، كان يتعين عليه أن يبحث عن المغاربة المستقرين هناك، وينشر خبر افتتاح سفارة للمغرب. كان الزهيري في الحقيقة ينفذ تعليمات الملك الراحل محمد الخامس، والتي كانت تقضي بأن يفتح السفير باب التواصل مع المغاربة الذين اختاروا الاستقرار في السينغال، ورفع لائحة إلى القصر الملكي بأسمائهم، وتفقد أحوالهم ومعرفة حاجتهم والمشاكل التي يعيشونها بعيدا عن وطنهم.

اكتشف الزهيري منذ البداية أن كل هؤلاء المغاربة المستقرين في السينغال جاؤوا لممارسة التجارة، ووجد بعض الحالات لمغاربة جاؤوا قبل سنة 1900 وأنجبوا أبناءهم هناك. ومنهم من ازدهرت تجارته، ومنهم من «دارت به الدوائر» وعاش في المحنة بعيدا عن بلاده.

ومع وفاة الملك الراحل محمد الخامس، بعد أقل من شهرين على وصول السفير الزهيري إلى السينغال، واصل مهمته مع الملك الحسن الثاني، حيث أرسلت سفارة المغرب في دكار عشرات الرسائل الموجهة إلى عناية الملك الحسن الثاني، فيها تفاصيل مهمة عن حياة مغاربة السينغال وجرد بأسمائهم، والمشاكل التي يعانونها، بل وحتى حالتهم الصحية والاجتماعية.

وقد حكى الزهيري عن هذه التفاصيل في مذكراته. يقول: «العلاقات بين المغرب والسينغال تعود إلى أقدم العهود، وقد ترسخت بالخصوص منذ ألف سنة في عهد الدولة المرابطية، التي نشأت في صحراء موريتانيا وصادت في إفريقيا الشمالية والأندلس، بينما غزا أحد قادتها إفريقيا الغربية ونشر الإسلام في السينغال ومالي وغيرهما، ولم تنقطع حركة التنقل عبر الصحراء منذ ذلك التاريخ، فكان التجار والدعاة والمعلمون يقطعونها جيئة وإيابا، ولعبت الإبل دورا مهما في هذه الحركة، ومن هؤلاء من كانوا يروحون ويغدون، بينما كان يستقر آخرون ويتأهلون من البلاد وينشئون عائلات أو يأتون بأهلهم طلبا للرزق، وكثير من هؤلاء يقضون شبابهم في الكد والعمل، ثم يعودون إلى بلادهم بعد ما يحصلون على بعض الكسب أو تتقدم بهم السن. وكل هذه الأوصاف موجودة إلى الآن، وإن كانت آخذة في الانحسار، بسبب ضيق أسباب الرزق في السينغال، مما اضطر الكثير إلى الرحيل إلى بلاد أخرى كساحل العاج أو العودة إلى الوطن.
وقد أدركنا الكثير من هؤلاء المواطنين في السينغال وغامبيا، وكانوا منتشرين في أهم المدن ويتعاطون بالخصوص تجارة القماش والحذاء المغربي (البلغة) والطربوش والمصنوعات التقليدية. وكان يبلغ عددهم أزيد من مائتين وخمسين عائلة، كل عائلة يزيد أعضاؤها على خمسة أفراد ومنها من تبلغ العشرين، وإذا كانت قلة من هؤلاء المهاجرين تصحبهم أزواجهم من المغرب، فإن الأغلبية اتخذوا زوجات إفريقيات وأنجبوا منهن. ومنهم من كان لهم مثنى وأكثر. وأبناؤهم لا يختلفون عن السينغاليين في شيء: لون وأسلوب حياة، ولغة، وكان التفاهم تاما بين المغاربة المهاجرين وأبناء البلاد. يثقون في بعضهم البعض، وتتوثق صلات المودة والمحبة بينهم أكثر من غيره.
كان بدكار عشرات التجار المغاربة، كان لهم متاجر حافلة بالضائع من جميع الأنواع على حافتي الزقاق المسمى بزقاق فانسان في وسط المدينة والذي سمي في ما بعد بزنقة محمد الخامس، وكان يقصدهم أهل البلاد لشراء ما يحتاجون من ثياب وأثاث وغيرهما، وكان أبرز هؤلاء التجار ممن عرفناهم السيد محمد الداودي والسيد محمد الشاوي والسيد بنسالم السقاط والسيد عبد الكريم الجابري والسيد إبراهيم بوغالب. ومنهم من كانوا يشتركون في متجر واحد. ورجل الصناعة المغربي الوحيد الذي كان إذ ذاك في دكار هو السيد محمد مكوار. وكان له معمل كبير لصنع الأقمشة التي كان يصدرها إلى موريتانيا وجميع أقطار إفريقيا الغربية، وكان معروفا في الأوساط الرسمية، وله صدقات وطيدة، كما كانت له تجارة واسعة في الدار البيضاء، وهذا ما أهله لأن يصبح سفيرا في دكار سنة 1981».

 

بناه الحسن الثاني ودشنه سنة 1964.. قصة مسجد «دكار» الشاهد على تألق الحرفيين المغاربة
في وقت كانت تكابد فيه السينغال للحصول على اعتراف من الدول الإسلامية والعربية، كان المغرب قد أمن خط اتصال متين بين دكار والرباط.. بل إن العلاقات بين البلدين كانت في قمتها، في وقت لم تبادر دول عربية أخرى إلى العمل على مد جسر التواصل مع الحكومة السينغالية المعينة حديثا بعد استقلال البلاد في أبريل 1960.

كانت السينغال من أولى الدول التي زارها الملك الراحل الحسن الثاني، مباشرة بعد اعتلائه العرش في مارس 1961.

ولأن الروابط التاريخية بين البلدين تعود إلى أيام الدولة المرابطية، أي قبل ألف سنة، فإن رمزية الإسلام، وارتباط السينغاليين بالزاوية التيجانية أو القادرية، جعلت الملك الراحل الحسن الثاني يفكر في تشييد مسجد كبير في العاصمة دكار، على الطراز المغربي، لكي يكون رمزا للصداقة بين المغرب والسينغال.

وقد تحدث السفير المغربي، قاسم الزهيري، عن لحظات هذا التدشين، بكثير من الاعتزاز:

«ويستحسن كذلك أن نشير بهذه المناسبة إلى دور المغرب في إنجاز المسجد الجامع بدكار. فقد فاتحنا السيد مامادو دجا، رئيس الحكومة السينغالية إذ ذاك، في وضع تصميم هذا المسجد وبنائه على أيدي مهندسين وعمال مغاربة، وتشييد منار مرتفع يرى من بعيد وبناء مركز ثقافي ومدرسة لتعليم مبادئ الدين واللغة العربية. وسبق أن أسست لجنة للقيام بهذا المشروع، تتألف كلها من المواطنين السينغاليين وجمعت تبرعات كافية للإنفاق، وقد تفضل جلالة الملك فلبى طلب الحكومة السينغالية وأوفد السيد المكي بادو رحمه الله، وكان إذ ذاك قائما بشؤون الأوقاف بالمغرب ومعه وفد من المهندسين وكبار النحاتين والعمال، برئاسة المقاول السيد ابن عمر من سلا. وأسهم جلالة الملك بقدر مهم من ماله الخاص لإنجاز المشروع، وقد تم وفق المرام بعد سنتين، وأصر جلالة الحسن الثاني بنفسه على تدشين المسجد في يوم مشهود ما زالت ذكراه عالقة بأذهان السينغاليين إلى يومنا هذا».

كان مسجد دكار الكبير رمزا لخدمة المغرب للإسلام في دكار، فقد كانت السفارة المغربية في دكار مركزا يتردد عليه مشايخ السينغال وعلماؤها، لوضع طلبات إلى الملك الراحل الحسن الثاني مباشرة، طالبين منه رعاية المدارس العتيقة وترميم المكتبات.

يقول الزهيري في هذا الباب: «ومن الجمعيات السينغالية التي كنا متصلين بها جمعية الاتحاد الثقافي الإسلامي، وهي من أنشط الجمعيات الإسلامية في السينغال، ولها عدة مدارس لتلقين مبادئ الإسلام والعربية، وفي كل سنة كانت توجه المتخرجين من هذه المدارس إلى تونس والقاهرة ويعدون بالعشرات، وقد بدأت السفارة بطلب منح لعشرة من هؤلاء الطلبة لمتابعة دروسهم في المعاهد الإسلامية بالمغرب.
ونشير بالمناسبة إلى أن أحد حفدة الشيخ أحمد التيجاني واسمه السيد محمد الحبيب كان يسكن بدكار، وكان محل اعتبار وتقدير من جميع الأوساط، وخاصة من لدن أتباع جده وكنا نزوره في المسجد الذي ابتناه لا يفرغ من المؤمنين، وبعد استقلال السينغال أخذ السيد محمد الحبيب ينظم زيارات سنوية إلى ضريح الشيخ أحمد التيجاني بفاس وإلى أهم معالم المغرب يشارك فيها عشرات السينغاليين، وقد تفضل جلالة الملك فأوقف بيتا كبيرا في مدينة فاس لإيواء هؤلاء الزوار، وكان لذلك وقعه الطيب في نفوس السينغاليين، ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كثيرا من الحجاج السينغاليين كانوا يفدون على المغرب لزيارة ضريح الشيخ أحمد التيجاني في طريق العودة من بيت الله الحرام وزيارة الكعبة المشرفة».

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى