حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

حين تتحدث ليتوانيا بالدارجة المغربية  

كان ذلك يوم الخميس، وكنت مقيما في مدينة باريس الفرنسية آنذاك، وقد مرت ثلاثة أشهر دون أن أسافر، وكانت مدة طويلة لمدمن سفر. كان ذلك في نهاية العقد الأول من هذا القرن. عدت إلى البيت مساء من العمل، فتحت الحاسوب وقررت البحث عن أرخص تذكرة أجدها، بغض النظر عن الوجهة؛ فلست أملك مكانا مفضلا، فكل وجهات العالم تهمني وتغريني. فشعاري: كل الأماكن تستحق الزيارة.

وجدت تذكرة بسعر مناسب وتوقيت ملائم، حيث الانطلاق يوم الجمعة مساء والعودة بعد ظهر الأحد. نادرا ما تجد تذكرة بتوقيت مناسب لشركة منخفضة السعر. الوجهة كانت كاوناس في ليتوانيا. لم تكن لدي أي فكرة عن المدينة، لم أسمع عنها من قبل ولم أرغب في البحث عنها حتى لا أتردد في السفر.

كاوناس تقع في شمال أوروبا، وكان السفر إليها في دجنبر، حيث البرد يبلغ أقصى شدته، تحديا بحد ذاته. في اليوم التالي، صعدت الطائرة، وكانت شبه فارغة، نحو ثاني أكبر مدينة في ليتوانيا. في اليوم الأول اكتفيت بالأنشطة الداخلية، زيارة متحف فيتاوتاس الكبير للحرب، وكاتدرائية القديسين بطرس وبولس، أكبر كنيسة كاثوليكية قوطية في ليتوانيا، والمركز التجاري الكبير، حيث يمكنك أن تجد كل شيء من مطاعم وسينما ومسارح وأماكن للعب والتزحلق، كل ذلك في فضاء دافئ ومريح.

لكن المفاجأة الكبرى كانت ود السكان، لطفهم الظريف، ترحابهم، وحبهم للتعرف على الآخرين. لم يكونوا معتادين بعد على الزائر المختلف عن السائح الغربي، وبسحنتي الشمال إفريقية، كنت ملفتا للنظر. كان الجميع يحاول التقرب مني والتحية، ليملؤوا فضولهم حول أصلي وسبب زيارتي. حدثت تفاعلات ونقاشات سطحية كثيرة مع السكان، أجبت عن أسئلتهم، وأوضحت لهم أن وجودي هنا كان صدفة، لكنها صدفة حميدة. استوقفتني إحدى كاميرات قناتهم الإخبارية لأخذ رأيي في موضوع حول الغاز الروسي، وقد قرأت عنه صباحا في إحدى الجرائد الإنجليزية المتوفرة في الفندق. لكنني اعتذرت وقلت إنني غير مطلع على التفاصيل. أفضل تجنب المواضيع السياسية والدينية عندما أسافر، وأستمع لروايات مختلفة دون أن أعلق عليها.

خلال اليومين هناك، ما أثار دهشتي حقا كانت كلمة «لاباس» التي تتردد على كل لسان، حيث استقبلت بتحية حارة وطيبة، وكأنهم تنبأوا قدومي فتعلموا بضع كلمات لتحيتي. وإذا لم يكن هذا هو السبب، فلماذا يسألني الناس إن كنت «لاباس» وبخير، وكأنهم يعرفون من أين أنا؟

فهمت ذلك لاحقا بعد أن التقيت بطالبة ليتوانية مهتمة باللغات الشرقية، ومنها العربية، التي كانت تتعلمها عبر الإنترنت. كان مستواها لابأس به، وسعدت بلقائها، وشرحت لي أن «لاباس ريتاس» تعني صباح الخير، و«لاباس فاكاراس» تعني مساء الخير. دعتني إلى الغداء في اليوم التالي في بيت والديها، حيث استقبلت بحفاوة. حكى لي والدها عن تاريخ شعب لم يعرف استقلاله إلا حديثا في سنة 1990، وعن مرحلة الاتحاد السوفياتي وكيف تم ترحيل آلاف الليتوانيين إلى سيبيريا، وسؤال الهوية الذي يقسم الجيل القديم الذي ترعرع على قيم شرقية سوفيتية عن جيل جديد يتطلع لهوية غربية أوروبية، خاصة بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنطقة شينغن.

بعد الغداء رافقوني إلى المطار الذي كان يبعد حوالي خمسة عشر كيلومترا. قال لي والدها: «عليك بالعودة في فصل الربيع، حيث تزهر المدينة وتستيقظ الطبيعة، وتخضر جنبات نهري نيريس ونيمان، وحتى مزاج السكان يكون أفضل». أجبته بأنني سأعود قبل ذلك.

وعاد بي الطريق بعد شهر ونصف، لكن هذه المرة لم تكن إلى كاوناس، بل إلى العاصمة فيلنيوس، ومنها إلى ريغا في لاتفيا وطالين في إستونيا. في المرة الثانية تعلمت أن «لاباس» عندهم تعني صباح الخير، وتيقنت بأن أحدا لا يتوجه إلي بها بالدارجة المغربية كما ظننت في أول زيارة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى