
بقلم: خالص جلبي
نتابع النقاش مع ملحد حول العقلانية في معضلة الوحي والتنزيل والنبوات في التاريخ، كما بدأناه في النصف الثاني من رمضان 2026 ـ 1447، ومن الضروري للقارئ متابعة مسلسل النقاش.
الملحد: هذا هو موقفي من وجود الله.. ليس إنكارا يا دكتور. ولا مانع عندي من التسليم في هذا الأمر بلا نفاق، أو تسطيح. وأسئلتي الثلاثة لا تتعرض أبدا لهذه النقطة. (نبوة محمد (ص)، وصحة القرآن، والدليل العقلي).
جلبي: أنت تدور وتفقد صبرك لتكرر ترهاتك، لتتقدم نصف خطوة ليس إلى الأمام بل للخلف. أنت في ورطة وجودية كبيرة، وأنا لست حريصا على كسبك، كما يصر صديقك السويدي وهو يبكي عليك. عليك أن تهيء نفسك لعلاج الصدمة، كما يحصل في المصحات للمرضى العقليين، حتى تستفيق من أوهامك.
علينا أن نتابع المشوار خطوة خطوة. لا بد لنا أن نرجع إلى كفار قريش في رجعة زمنية آلاف السنوات إلى الخلف، لنصل إلى مستوى تفكيرهم (غير العلمي)، حين ناقشهم القرآن بطرح السؤال المحوري، ما هذا الوجود؟ وما تقولون في دورة الشمس وبزوغ القمر ومن خلقكم؟ كان جوابهم أفضل من سبحاتك الفكرية المضطربة، ليقولن الله. فهذه هي نقطة البداية.
المكرم التائه اصغي بدقة لما أكتب: حين ننطلق من فهم نقطة البداية بأن هذا الوجود خلقه عقل لا نحيط به، فلا يمكن للعدد أمام اللانهاية إلا أن يكون صفرا. وهو أمر ربما تعرفه من علم الرياضيات، كونك تخرجت من جامعة دمشق المقرودة خارج العلم (ر.ف.ك)، أي الفيزياء وعلم الرياضيات.
أقول نحن إذن أمام عقل لا نهائي يمتلك صفات القدرة والحكمة والعلم والعدل والرحمة في كل تضاعيف الكون. أقول هذا العقل اللانهائي دفع الكون إلى الوجود المادي قبل 13.7 مليار سنة، حسب أحدث نظرية. أكرر الوجود المادي وليس هو كل شيء، فنحن لا نحيط بالوجود، ولكن الانفجار العظيم (Big Bang Theory) سوف يتطور لانبثاق الحياة، بعد ولادة المجموعة الشمسية قبل 8 ملايير سنة، ثم الأرض قبل 4.6 ملايير سنة، ثم الحياة في الانفجار البيولوجي العظيم قبل 530 مليون سنة. ليصل قبل ربما 200 إلى 800 ألف سنة إلى وجود كائن من نوع الإنسانيات من أمثالنا.
دقاق: موافق أن أبدأ من نقطة كفار قريش، أشهد أن هناك إله، كلام جميل جدا.. وأقر به.
صديقي المضطرب: ثم تأتي أنواع جديدة من الإنسانيات، لعل أقربها لنا إنسان نياندرتال، الذي ظهر قبل 150 ألف سنة، ثم انقرض قبل 35 ألف سنة. وهناك اضطراب في تفسير اختفائه، هل نسبة المحافظة 2.3 (Maintenance Rate) كما يعرفها علماء الديموغرافيا وهو ما يهدد وجودنا مع نهاية القرن، أم أن أجدادنا الأولون الإنسان القاتل من قضى عليه؟
دقاق: كلام جميل وعلى العين والرأس أيضا.
جلبي: كما ترى ما زال الطريق طويلا أمام النبوات ولماذا جاءت. ليس محمدا (ص)، بل أصلا هل نحن في حاجة إلى نبوات، وما جدواها مع هذا الفصيل المسمى الإنسان، أو ما يطلق عليه جماعتك السابقون من الفرافير والقرضاوي والنورسي: آدم؟
دقاق: اتفق معك تماما.
جلبي: نحن إذن ممتدون في الزمن مئات الآلاف من السنوات، وهذا الإنسان الشقي يكدح أن لا يموت جوعا، كما جاء في كتاب «بنو الإنسان» لـ(بيتر فارب ـ عالم المعرفة).. مئات الآلاف من السنوات يقضيها في الصيد وجمع الثمار.
جلبي: لا أريد تصفيقك، وإشارات الإعجاب خبئها لنفسك. وأعد القراءة مرات ومرات. كونك كما زعمت لنفسك أنك اطلعت على علوم الأولين والآخرين، لتصل إلى كهف مظلم من الحيرة والضياع بدون نور تبصر به أين أنت.
الملحد: حاضر يا دكتور.. لن أضع إشارات بعد الآن.
جلبي: نتابع، ثم حصل التطور قبل حوالي ثلاثين ألف سنة، وليس ثمة كتابة إلا رسومات باهتات تافهات على جدران الكهوف، من غزال وخرتيت وكهف بخرطوم طويل.
جلبي: إنسان الكهوف لا يعرف بعد الكتابة، بل كان يعتمد النطق البدائي، وهكذا بدأ (خلق) الكتابة بالرسومات. أو كما يقسم بها الله (فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنتم تنطقون). الناكر أنت له، وأنه خزعبلات وتفاهات وأساطير للضحك على المغفلين، لأغراض سياسية وجنسية وما قرب إليها من قول وعمل. لا تنس المال الذي طلبه سحرة فرعون، كما جاء في القرآن الذي تنكره أنت جملة وتفصيلا، حين يقص علينا خبر الأولين كيف فعل بهم فرعون ما فعل الأسد مع أستاذك البوطي، صاحب اليقينيات، كذا. قال لهم فرعون يا مغفلين: النفوذ.. النفوذ.. كما كان يدخل شيخك البوطي من فقهاء السلطة على الأسد، بدون موعد واستئذان.
جلبي: حتى الآن ليس من قرآن ولا زبور ولا إنجيل، بل إنسان مقرود، منتوف، بالكاد يصمد أمام الجوع.
جلبي: ثم يحدث التحول الخطير الذي تقوده المرأة بالثورة الزراعية، قبل 9000 سنة… وهكذا يتخلص الإنسان من الجوع للمرة الأولى في تاريخه. كله بفضل المرأة التي حبسها شيخك الفرفور، مثل العصفور الفرفور، أو الشحرور الثاني. كان ذلك باكتشاف بركة الزراعة. هنا بدا كدح الإنسان ليقفز وللمرة الأولى ومنذ العصر الجليدي الأخير والحجري الأول إلى زيادة الطعام… ليولد مجتمع المدينة.. لتنشأ التخصصات، ليقع البشر في مصيدة الدولة التي صنعوها بأيديهم، مثل قصة البدوي مع القربة ليغرق فيها (يداك أوكتا وفوك نفخ)، لتفرخ الدولة ومعها ظلمات الحكم الاستبدادي، كون الحاكم يحتكر العنف من أجل توفير الأمن للأفراد، كما شرح ذلك ابن خلدون في المقدمة… وما زال الطريق أمامنا طويلا لولادة الحضارة.
جلبي: هنا يقفز شيوخك الأفاضل ليشرحوا لنا كيف هبط آدم من الجنة بـ«باراشوت» الصوفية من عدن، أو يقينيات صاحبك أبو بوط الطاغية.. ومن أين جاءت قصة آدم وعدن والشيطان والهبوط، ورب غاضب مزمجر ليطرد حواء قبل آدم، بسبب تفاحة الشيطان…
جلبي: هنا أقف لصلاتي قبل المتابعة، أما أنت فول وجهك شطر شيء تعبده، أما أنا فأعبد ربي وأتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون… استيقظ من ضباب الأوهام.
دقاق: ليس لي سوى الاحترام والتقدير لما ستفعله.
نافذة:
حين ننطلق من فهم نقطة البداية بأن هذا الوجود خلقه عقل لا نحيط به فلا يمكن للعدد أمام اللانهاية إلا أن يكون صفرا





