
محمد اليوبي
علمت «الأخبار»، من مصادرها، أن مصالح وزارة الداخلية تشتغل على إخراج مشروع قانون يتعلق بافتحاص جمعيات المجتمع المدني التي تستفيد من دعم الدولة، وذلك بعدما رصدت تقارير أنجزتها المصالح المختصة تلاعبات واختلاسات تشوب المال العام الموجه لدعم الجمعيات المدنية.
ثغرات ونقائص بالقانون المنظم
تستغل جمعيات وجود ثغرات ونقائص بالقانون المنظم للجمعيات، من أجل اختلاس وتبديد أموال الدعم العمومي، وفي هذا الصدد، فإن تعديل الإطار القانوني أصبح مطلبا ملحا لضبط تمويل الجمعيات وتنظيم عمليات استفادتها من الدعم العمومي، ومراقبة صرف هذا الدعم، بالإضافة إلى وضع آليات لافتحاص الجمعيات التي تستفيد من المال العام من طرف المفتشية العامة للمالية والمجالس الجهوية للحسابات، وإدخال تعديلات على مسطرة تأسيس وحل الجمعيات وكذلك آليات تمويلها.
وحسب تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، بلغ إجمالي الدعم العمومي الموجه لفائدة هيئات المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية خلال الفترة 2023-2024 ما مجموعه 3,53 مليارات درهم، أي بمعدل سنوي يناهز 1,57 مليار درهم، واستفادت من هذا الدعم 984 جمعية ومؤسسة، مع وجود تفاوت في مستويات التأطير والقدرات التدبيرية لهذه الهيئات.
ويُظهر توزيع هذا التمويل تركيزا على القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية، وعلى رأسها التعليم الأولي ومدارس الفرصة الثانية، التي استفادت من دعم مالي بلغ 529,64 مليون درهم، في إطار المجهودات الرامية إلى توسيع التمدرس المبكر، وتقليص ظاهرة الهدر المدرسي وتوفير بدائل تربوية موجهة للفئات الهشة، كما تم تخصيص دعم مهم للجمعيات المهنية النشيطة في القطاع الفلاحي، بلغ حوالي 506 ملايين درهم، ما يعكس الدور المتزايد للجمعيات البيمهنية والفلاحية في مواكبة تنفيذ استراتيجية «الجيل الأخضر»، خاصة في ما يتعلق بتنمية السلاسل الإنتاجية وتعزيز التنظيمات المهنية.
وأفادت التقارير بأنه، رغم أهمية هذه المخصصات، فإنها لا تُـمكن، في صيغتها الحالية، من قياس دقيق لأثر الدعم العمومي على التنمية المجالية والمردودية المجتمعية للمشاريع المنجزة، وذلك بسبب غياب منظومة لتتبع وقياس النتائج والأثر. وفي هذا الصدد، سجل المجلس الأعلى للحسابات تأخر صدور الإطار القانوني المنظم للدعم العمومي الموجه للجمعيات، الذي يهدف إلى إرساء حكامة جيدة في منح هذا الدعم، وتعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية في هذا المجال فضلاً عن تتبع وتقييم أثره.
وأظهرت نتائج المهمات الرقابية المنجزة من طرف المجلس الأعلى للحسابات في عدد من المجالات ذات الصلة (التعليم الأولي، محاربة الأمية، دور الطالب والطالبة وغيرها) أن عددًا من الجمعيات لا تستوفي المتطلبات الدنيا للحكامة المالية والتنظيمية، مما يحدّ من نجاعة تدخلاتها ومن أثر الدعم الموجه لها. وسجل المجلس كذلك، في عدة حالات، غياب مؤشرات لقياس الأداء، وتفاوتا ملحوظا في جودة المشاريع، فضلا عن ضعف آليات الانتقاء، والتأطير والتتبع الإداري للمستفيدين.
ثلاث فئات «للمخاطر»
أفادت المصادر بأن وزارة الداخلية توصلت بمعلومات دقيقة حول الأنشطة المالية للجمعيات، خلال السنوات الأخيرة، وقامت بتصنيف الجمعيات إلى ثلاث فئات «عالية المخاطر»، و«متوسطة المخاطر» و«ضعيفة المخاطر»، فيما تحتفظ الهيئة الوطنية للمعلومات المالية بقائمة تضم أسماء الجمعيات المصنفة في فئة «عالية المخاطر»، وتم تضمينها في نظام المعلومات الخاص بها (goAML) لمتابعة ومراقبة أي معاملات مالية مشبوهة. وبالإضافة إلى ذلك تتوفر وزارة الداخلية على قاعدة معطيات مفصلة تتضمن البيانات والمعطيات الكاملة عن جميع الجمعيات، ويتم تحديثها بشكل مستمر، حيث هناك تنسيق وثيق بين الو ازرة ومختلف الوحدات الإدارية التابعة لها، كما أن هناك تنسيقاً بين المتدخلين، وعلى رأسهم الهيئة الوطنية للمعلومات المالية، التي تقوم بدور المنسق الرئيسي لدى السلطات الوطنية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتتولى جمع ومعالجة وطلب المعلومات المرتبطة بأفعال يشتبه في أن لها علاقة بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، واتخاذ القرار بشأن مآل القضايا المعروضة عليها، بما في ذلك أي حالات تتعلق بالأموال التي تتصرف فيها الجمعيات المدنية.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار التزامات المغرب الدولية، وتنفيذا للتوصيات الواردة في تقرير التقييم المتبادل الصادر عن مجموعة العمل المالي الدولي. ورصد التقرير مجموعة من الثغرات والنقائص في آليات الرقابة والإشراف المطبقة على الجمعيات المدنية، وسجل أن السلطات لم تتبن المنهج القائم على المخاطر، ولم تحدد المجموعة الفرعية للمنظمات وفقاً لتعريف مجموعة العمل المالي، كما لم تحدد سمات هذه المنظمات وأنواعها والتهديدات التي تشكلها المجموعات الإرهابية عليها، كما لا تتم مراجعة كافة الإجراءات بما يشمل القوانين لمواجهة مخاطر استغلال هذا الجمعيات من الإرهابيين أو المجموعات الإرهابية، ولم يتم تقييم مخاطر هذا القطاع لتحديد نقاط ضعفه. وتطرق التقرير إلى غياب سياسات تعزيز النزاهة لإدارة هذه المنظمات، وغياب برامج التوعية حول مخاطر تمويل الإرهاب للمنظمات وللمانحين، والعمل معها لتطوير أفضل الممارسات وتشجيعها على استخدام القنوات المنظمة في تعاملاتها المالية، كما لا تتم الرقابة والإشراف على هذا القطاع استناداً لمخاطر تمويل الإهاب، ولا توجد نصوص قانونية لفرض عقوبات على المنظمات المخالفة.





