
يونس جنوحي
ما الذي وقع حتى لم ينتبه المسؤولون في مدينة بحجم طنجة إلى أن هذا الشهر يصادف الذكرى السبعين تحديدا لعودة المدينة إلى السيادة المغربية، بعد أن كانت تحمل صفة «مدينة دولية»؟
ليس الأمر غريبا ما دامت سلسلة «التهميش»، التي يتعرض لها تاريخ مدينة عريقة، مقاهيها أقدم من تاريخ دول مجتمعة، مستمرة. «وحوش العقار» يتربصون كل عام بآخر ما تبقى من البنايات التي تحافظ على «تجاعيد» هذه المدينة العالمية. بينما امتدادها الحالي، يقطع تماما مع خصوصيتها التاريخية. وكأن من يستثمرون أموالهم اليوم في هذه المدينة يوقعون عقدا من «سخرية التاريخ»، لكي يزيلوا عن طنجة رصيدها التاريخي، بحجارته قبل وثائقه وأرشيفه.
المرشدون السياحيون يجلسون في المقاهي متحسرين على ما كانت عليه طنجة إلى حدود بداية الألفية، وما آلت إليه، خصوصا بعد جائحة كورونا. وباعة «البازارات» لم يعد لديهم ما يواجهون به «الفضوليين» من السياح، سوى الصور القديمة التي تبقى دليلا على أن مشاهير أوروبا مروا من هذا المكان. الصور لا تكذب!
الخدمات انتقلت من مستوى الخِدمة العالمية، لكي تتدحرج إلى «قسم الهواة». الفنادق التي كانت بالأمس أرقى ما توفره القارة الإفريقية، أصبحت اليوم «أوطيلات» قلما يتردد عليها السياح والعابرون من المدينة، أو الباحثون عن فرص بين شوارعها. السياح استبدلوا عاداتهم القديمة بأخرى جديدة. يحجزون شققا مفروشة من التطبيقات، ويفضلون التنقل في طنجة مشيا على الأقدام، ويركبون سيارات الأجرة الكبيرة بدل وسائل النقل السياحي التي تحتسب الأجرة، حسب المسافة بـ«المتر المربع».
أصحاب المحلات القديمة في طور الانقراض. الحرف اليدوية لم تعد تستهوي أحدا من أبناء «الورثة»، ما دامت تكلفة المعيشة في المدينة ترتفع بشكل مهول.
جاء البُراق، القطار الأسرع في القارة الإفريقية، ليربط طنجة بالرباط والدار البيضاء عبر القنيطرة. لكن سرعته تتجمد تماما عندما يتوقف في محطة طنجة، ويعود المسافرون إلى العصر الحجري، عندما يتزاحمون للحصول على وسيلة نقل إلى مركز المدينة. ساعة وربع الساعة للوصول من الرباط إلى طنجة. وساعة أخرى كاملة تضيع في البحث عن سيارة أجرة!
الظرفاء في المندوبية السامية للتخطيط، يصفون طنجة بـ«المدينة المفاجأة». فقد أظهرت أرقام آخر إحصاء عام للسكان والسكنى، أن سكان طنجة تجاوزوا مليونا وربع المليون طنجاوي.
منذ 1923، وطنجة تُسير وفق نظام فريد، جعل منها مدينة مختلفة تماما عن المدن التي يعرفها الناس عادة. مدينة دولية، استعادها المغاربة من الاستعمار في أكثر من مناسبة خلال ثلاثة قرون.
وهذه الصفة الدولية جعلت المدينة توفر لسكانها حياة مركبة. الألمان يعيشون جنبا إلى جنب مع الأمريكيين والإسبان والفرنسيين. مسؤولون عن المدينة من مختلف الجنسيات، ومقابر تعج بالقناصلة والأثرياء المتقاعدين في طنجة الدولية. وهؤلاء تركوا خلفهم إرثا قلما تجمع في نقطة جغرافية واحدة.
في الخامس من يوليوز 1956 وقعت الحكومة المغربية على بروتوكول يعيد طنجة إلى السيادة المغربية، ويُنهي قصتها «الدولية». واحتاج سكانها إلى سنوات طويلة، قبل أن يتخلوا عن عادات اكتسبها آباؤهم من أيام الأبيض والأسود.. إذ يحدث أن تشتري الخبز في طنجة بالدولار، والحليب بالفرنك، وتتحدث مع مالك العمارة بالإشارات، لأنه يتحدث لغة لا يعرفها أحد..
طنجة وحدها من جمعت الجنسيات المختلفة في رقعة جغرافية ضيقة -على الأقل في ذلك الوقت- فضمت مشارقة؛ من لبنانيين وعراقيين وسوريين، جنبا إلى جنب مع الفرس والدروز، إضافة إلى الأوروبيين الذين شكلوا نواة طنجة الدولية بتفاهم مع الأمريكيين، وحولوا «الجبل الكبير» إلى ما يشبه كوكبا أرضيا مصغرا.
والآن، نرى كيف يتولى ورثة تسيير هذه المدينة الاستثنائية، مهمة دفن ما تبقى من تاريخها بأيديهم.. وبإخلاص كبير.





