
خلال السنوات الأخيرة، سقطت أسماء سياسية وازنة تباعا في قبضة العدالة، من رؤساء جهات وبرلمانيين وقيادات حزبية ورؤساء جماعات، بعدما ظلت لسنوات توصف بـ”النافذة” و”القوية” انتخابيا وماليا. من “إسكوبار الصحراء” إلى ملفات التعمير وصفقات النظافة والعقار وتبديد المال العام، امتدت لوائح المتابعين لتشمل وجوها كانت إلى وقت قريب تدير الشأن العام وتخوض الانتخابات وتتصدر المشهد الحزبي، ما يعكس تحولا عميقا في علاقة القضاء بملفات الفساد السياسي والمالي، ولم تعد هذه الاعتقالات والأحكام الثقيلة مجرد أحداث معزولة، بل تحولت إلى رسائل سياسية وقضائية قوية مفادها أن مرحلة الإفلات من العقاب لم تعد بنفس السهولة التي كانت عليها في السابق، وأن ملفات المال العام والصفقات والتعمير أصبحت تحت مجهر الرقابة والمتابعة القضائية مهما كانت الصفة السياسية أو الحزبية للمتورطين، وذلك في إطار تفعيل المبدأ الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
إعداد: محمد اليوبي
مبديع.. من كرسي الوزارة إلى زنزانة السجن
لأكثر من عقدين، ظل اسم محمد مبديع حاضرا بقوة في المشهد السياسي المغربي، باعتباره واحدا من أبرز قياديي حزب الحركة الشعبية، ووجها انتخابيا نافذا بمدينة الفقيه بنصالح، قبل أن تنتهي مسيرته السياسية داخل أسوار سجن «عكاشة»، على خلفية واحدة من أكبر قضايا تبديد المال العام التي هزت الرأي العام المغربي في السنوات الأخيرة.
مبديع، الذي شغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة بين سنتي 2013 و2016، راكم نفوذا سياسيا كبيرا، سواء داخل الحكومة أو البرلمان أو الجماعات الترابية، حيث ظل رئيسا لجماعة الفقيه بنصالح لسنوات طويلة، وترأس لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، قبل أن يجد نفسه في قلب ملفات ثقيلة مرتبطة بالفساد المالي والإداري.
بداية سقوط مبديع جاءت بعد شكايات وتقارير تحدثت عن اختلالات خطيرة في تدبير صفقات عمومية بجماعة الفقيه بنصالح، خاصة تلك المرتبطة بالتأهيل الحضري والدراسات التقنية والأشغال. ودخلت الجمعية المغربية لحماية المال العام على الخط، مطالبة بفتح تحقيق في شبهات تبديد أموال عمومية والنفخ في فواتير ومنح صفقات لشركات ومكاتب دراسات بعينها.
التحقيقات التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بناء على تقارير للمجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية، كشفت معطيات وصفت بـ«الخطيرة»، تتعلق بصفقات يشتبه في تنفيذها بشكل صوري، وأخرى تم صرف ميزانياتها رغم عدم إنجاز الأشغال المرتبطة بها. وتحدثت التحقيقات، كذلك، عن شبهات استغلال النفوذ والتزوير في وثائق إدارية وتجارية ورسمية.
وفي أبريل 2023، جرى نقل محمد مبديع إلى سجن عين السبع بالدار البيضاء، المعروف بـ«عكاشة»، بعد ساعات طويلة من التحقيق أمام قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف، وشكل دخوله السجن لحظة صادمة داخل الأوساط السياسية، بالنظر إلى المكانة التي كان يحتلها الرجل داخل الدولة والحزب والحياة البرلمانية.
ومنذ انطلاق جلسات المحاكمة، نفى مبديع جميع التهم الموجهة إليه، معتبرا أن الصفقات التي أبرمتها الجماعة خضعت لمراقبة السلطات المختصة، وأنه لم يسبق أن تم تسجيل أي اعتراض رسمي عليها خلال فترة تدبيره للشأن المحلي. وأكد مبديع أمام المحكمة أنه «يثق في القضاء المغربي»، وأنه لم يبدد المال العام ولم يستفد شخصيا من الصفقات موضوع المتابعة.. غير أن النيابة العامة تمسكت بوجود اختلالات جسيمة في تدبير المال العام، معتبرة أن الملف يتضمن وثائق وخبرات ومعطيات تقنية تؤكد وجود تلاعبات في عدد من الصفقات، إلى جانب شبهات تتعلق بمنح امتيازات غير قانونية لبعض المقاولات والمتعاملين مع الجماعة.
وفي 21 ماي الماضي، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على المرحلة الأولى من الملف، بإصدار حكم ثقيل في حق محمد مبديع، قضى بسجنه 13 سنة نافذة، مع غرامة مالية ومصادرة نحو 30 مليون درهم، فيما وزعت المحكمة أحكاما متفاوتة على عدد من المقاولين والموظفين والمتابعين معه في الملف.
من جهته وصف دفاع مبديع الحكم بـ«القاسي»، معلنا عزمه الطعن فيه عبر المساطر القانونية، بينما اعتبر متابعون أن القضية تمثل واحدة من أبرز محاكمات الفساد المالي التي طالت مسؤولا حكوميا وبرلمانيا بارزا في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
قصة محمد مبديع، من مقاعد الوزارة والبرلمان إلى زنزانة عكاشة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحدود النفوذ السياسي ومدى قدرة المؤسسات الرقابية والقضائية على ملاحقة ملفات الفساد الكبرى، في وقت يطالب الرأي العام بتوسيع دائرة المحاسبة لتشمل كل المتورطين في تبديد المال العام مهما كانت مواقعهم.
الناصري.. من السياسة والرياضة إلى سجن عكاشة
يواصل ملف «إسكوبار الصحراء» إثارة الجدل، باعتباره واحدا من أكبر القضايا الجنائية التي جمعت بين السياسة والرياضة والمال، في وقت يتابع الرأي العام تطورات محاكمة شخصيات بارزة، من بينها الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي والقيادي السابق بحزب الأصالة والمعاصرة، سعيد الناصري.
انطلقت القضية بعد تصريحات أدلى بها المواطن المالي الحاج أحمد بن إبراهيم، الملقب إعلاميا بـ«إسكوبار الصحراء»، والمتابع سابقا في قضايا تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات، حيث اتهم عددا من الشخصيات السياسية والاقتصادية بالارتباط بشبكات تهريب دولي للمخدرات وتبييض الأموال.
ويواجه سعيد الناصري تهما ثقيلة، تتعلق بالتزوير في محرر رسمي باصطناع اتفاقات واستعماله، والمشاركة في اتفاق قصد مسك المخدرات والاتجار فيها ونقلها وتصديرها، ومحاولة تصديرها، النصب ومحاولة النصب، واستغلال النفوذ من طرف شخص يتولى مركزا نيابيا، وحمل الغير على الإدلاء بتصريحات وإقرارات كاذبة عن طريق الضغط والتهديد.
ويتابع الناصري من طرف قاضي التحقيق من أجل تهمة إخفاء أشياء متحصل عليها من جنحة، وتزوير شيكات واستعمالها، بالإضافة إلى جنحة محاولة تصدير المخدرات بدون تصريح ولا ترخيص والمشاركة فيها، ويتابع، كذلك، من أجل جنحة تصدير المخدرات بدون تصريح ولا ترخيص والمشاركة فيها، وجنحة المشاركة في استيراد عملات أجنبية بدون تصريح عندما تفوق مبلغ 100 ألف درهم، بالإضافة إلى جنحة المشاركة في تسديد مباشر بالعملة لبضائع
أو خدمات داخل التراب الوطني.
وخلال جلسات المحاكمة الجارية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، احتدم الصراع بين هيئة الدفاع والنيابة العامة، إذ تؤكد الأخيرة أن الناصري لم يكن مجرد وسيط أو فاعل ثانوي، بل لعب أدوارا لوجستية مباشرة داخل الشبكة، مستندة إلى معطيات تقنية وشهادات وتصريحات متهمين آخرين، إضافة إلى قضية حجز نحو 40 طنا من المخدرات بمدينة الجديدة سنة 2015.
في المقابل يتمسك دفاع الناصري ببراءته الكاملة، معتبرا أن الملف بني أساسا على تصريحات متناقضة للمتهم الرئيسي الحاج أحمد بن إبراهيم، دون وجود أدلة مادية أو تقنية حاسمة تثبت تورط موكله. وشدد الدفاع، أيضا، على غياب تسجيلات أو اتصالات هاتفية مباشرة تربط الناصري بشبكات التهريب، مؤكدا أن علاقاته ببعض المتابعين الآخرين كانت في إطار سياسي ورياضي عادي.
ومن بين أبرز النقاط، التي أثارت الجدل داخل المحكمة، قضية سيارات قال الادعاء إنها كانت مملوكة لـ«إسكوبار الصحراء» وتم إخفاؤها بمرأب تابع لنادي الوداد الرياضي، إضافة إلى معطيات مرتبطة بتحركات بعض المتهمين وشاحنات جرى طمس أرقامها التسلسلية.. بينما رد الدفاع بأن تلك الادعاءات تفتقر إلى الإثبات القانوني الكافي، وأن الملف يعتمد بشكل كبير على «القرائن» وليس الوقائع الثابتة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت القضية تطورات جديدة بعد استمرار المرافعات الختامية وتأجيل الجلسات أكثر من مرة، في ظل تشعب الملف وكثرة المتابعين الذين يتجاوز عددهم 28 متهما بين معتقلين ومتابعين في حالة سراح. وأكد دفاع الناصري، كذلك، أن الحسم النهائي قد يتطلب عدة جلسات إضافية بسبب كثافة الوثائق والمعطيات المعروضة أمام المحكمة.
وتبقى الأنظار موجهة نحو محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، التي ينتظر أن تحسم في واحد من أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، وسط انقسام واسع بين من يرى أن القضية تكشف امتدادات خطيرة لشبكات التهريب داخل عالم السياسة والأعمال، ومن يعتبر أن الملف يفتقر إلى أدلة دامغة وأن القضاء وحده كفيل بكشف الحقيقة.
بعيوي.. رئيس جهة سابق في قلب أخطر ملفات التهريب وتبييض الأموال
يواصل اسم عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لجهة الشرق والقيادي السابق بحزب الأصالة والمعاصرة، تصدر واجهة الأحداث القضائية بالمغرب، بعدما تحول من أحد أبرز المنتخبين النافذين إلى متهم رئيسي في ملف «إسكوبار الصحراء»، الذي يعد من أكبر قضايا الاتجار الدولي بالمخدرات وتبييض الأموال التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وتفجرت القضية عقب تصريحات أدلى بها المواطن المالي الحاج أحمد بن إبراهيم، المعروف إعلاميا بلقب «إسكوبار الصحراء»، والذي اتهم عددا من الشخصيات السياسية والاقتصادية بالمشاركة في شبكة دولية لتهريب المخدرات وغسل الأموال واستغلال النفوذ.
ويتابع عبد النبي بعيوي إلى جانب أكثر من عشرين متهما، من بينهم سعيد الناصري، الرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي، في ملف تتداخل فيه شبهات الاتجار الدولي في المخدرات والتزوير والنصب وإخفاء عائدات أنشطة إجرامية. وتعتبر النيابة العامة أن بعيوي كان أحد العناصر المحورية داخل الشبكة، بالنظر إلى طبيعة العلاقات والمعطيات التي كشفتها التحقيقات.
ووجه قاضي التحقيق للرئيس السابق لجهة الشرق، عبد النبي بعيوي، مجموعة من التهم تتعلق بالتزوير في محرر رسمي باصطناع اتفاقات واستعماله، والإرشاء، والحصول على محررين يثبتان تصرفا وإبراء تحت الإكراه، والمشاركة في تزوير سجل عمومي، والمشاركة في تزوير محرر رسمي، ويتابع، كذلك، من أجل تهمة المشاركة في مباشرة عمل تحكمي ماس بالحرية الشخصية والفردية بقصد إرضاء أهواء شخصية، وتسهيل خروج ودخول أشخاص مغاربة من وإلى التراب المغربي بصفة اعتيادية، وفي إطار عصابة واتفاق، والمشاركة في اتفاق قصد مسك المخدرات والاتجار فيها ونقلها وتصديرها، ومحاولة تصديرها، والمشاركة في شهادة زور في قضية جنحية عن طريق تقديم وعد، وإخفاء أشياء متحصل عليها من جنحة، بالإضافة إلى استعمال محررين عرفيين مزورين.
ويواجه بعيوي، أيضا، تهمة استخدام مركبات دون الحصول على شهادة التسجيل، وجنحة محاولة تصدير المخدرات بدون تصريح ولا ترخيص والمشاركة فيها، وجنحة المشاركة في تسديد مباشر بالعملة لبضائع أو خدمات داخل التراب الوطني، بالإضافة إلى جنحة المشاركة في تسديد بدون إذن من مكتب الصرف من طرف أجانب العمليات المتعلقة بشراء عقارات متواجدة بالمغرب بوسائل أخرى غير تفويت العملات الأجنبية لبنك المغرب والمشاركة فيها.
وخلال جلسات المحاكمة الجارية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ركزت هيئة الدفاع عن بعيوي على تفنيد تصريحات الحاج المالي، معتبرة أن الملف يعتمد أساسا على «ادعاءات غير مدعمة بأدلة مادية مباشرة». وشدد الدفاع، أيضا، على غياب أي اتصالات هاتفية أو معطيات تقنية تثبت وجود تنسيق مباشر بين بعيوي والمتهم المالي خلال الفترات التي تحدث عنها الأخير.
وفي واحدة من أبرز جلسات الملف، قدم دفاع بعيوي خبرات محاسباتية قال إنها تفسر مصادر ثروة موكله بشكل قانوني، مشيرا إلى أن شركاته ومقالعه الفلاحية والرملية حققت أرقام معاملات بمئات الملايين من الدراهم خلال السنوات الماضية. وأكد الدفاع أن مجموع الأرباح والمعاملات المصرح بها يفوق 270 مليون درهم، معتبرا أن الحديث عن أموال مجهولة المصدر «لا يستند إلى أساس قانوني».
وأثارت القضية جدلا واسعا بسبب تشعبها وارتباطها بمسؤولين ومنتخبين وموظفين أمنيين ودركيين، إضافة إلى شبهات تتعلق بتزوير وثائق وعقود مرتبطة بممتلكات وعقارات. وشهد الملف، خلال الأشهر الأخيرة، سلسلة من التأجيلات، بعضها بسبب إضرابات المحامين وغياب الدفاع، قبل استئناف المرافعات من جديد مطلع سنة 2026.
وفي آخر التطورات، يواصل دفاع بعيوي المطالبة بمواجهة مباشرة مع الحاج المالي داخل المحكمة، معتبرا أن تصريحات الأخير تتضمن تناقضات كبيرة، فيما تتمسك النيابة العامة بوجود قرائن قوية تؤكد تورط المتابعين في شبكة منظمة عابرة للحدود.
وتبقى قضية «إسكوبار الصحراء» من أكثر الملفات التي تتابعها الأوساط السياسية والقضائية والإعلامية بالمغرب، بالنظر إلى حجم الأسماء المتورطة فيها، وما تطرحه من أسئلة حول تداخل المال والسياسة وشبكات التهريب الدولي.
خمس سنوات سجنا للبرلماني السابق محمد بودريقة
أيدت محكمة الاستئناف الحكم الصادر عن المحكمة الزجرية الابتدائية بعين السبع بالدار البيضاء، الذي قضى بإدانة النائب البرلماني السابق عن حزب التجمع الوطني للأحرار، والرئيس السابق لنادي الرجاء البيضاوي، بالسجن النافذ لمدة خمس سنوات في قضية تتعلق بالنصب والاحتيال وإصدار شيكات بدون رصيد.
وقضت المحكمة، كذلك، بإدانة بودريقة، الأمين السابق لمجلس النواب، بغرامة مالية نافذة تفوق قيمتها 650 ألف درهم، إلى جانب المنع من إصدار الشيكات لمدة سنة، وذلك بعد متابعته من طرف النيابة العامة بتهم تتعلق بإصدار شيكات بدون مؤونة، والنصب والتزوير في محرر عرفي واستعماله، والتوصل بغير حق لتسلم شهادة تصدرها الإدارة العامة واستعمالها.
وفي كلمته الأخيرة، أمام هيئة الحكم، انهار بودريقة باكيا، وشرع في عناق أفراد عائلته، معبرا عن شعوره بالحكم عليه بـ«الإعدام الرمزي» منذ توقيفه من طرف السلطات الألمانية، وقال إن حياته السياسية والرياضية والمهنية تعرضت للدمار الشامل، ووجه انتقادات للنيابة العامة مشيرا إلى أنها اعتمدت على الاستنتاجات بدل البحث عن الحقيقة، مشيرا إلى أنها تعاملت مع القضية على غرار قضية «سيدنا يوسف وامرأة العزيز».
وكانت السلطات الألمانية أوقفت بودريقة، شهر يوليوز 2024، في مطار هامبورغ بناء على إشعار صادر عن الشرطة الأوروبية «يوروبول»، وذلك استجابة لمذكرة بحث دولية صادرة في حقه، لتسلمه أخيرا إلى السلطات القضائية المغربية.
وأصدرت المحكمة الدستورية قرارا يقضي بتجريد بودريقة من منصبه النيابي في مجلس النواب، وإعلان شغور المنصب، وذلك بناء على طلب وضعه مكتب مجلس النواب لدى المحكمة، وجاءت هذه الخطوة بعد تسجيل غياب بودريقة لمدة سنة كاملة عن جلسات واجتماعات المجلس منذ يناير 2024، تزامناً مع اعتقاله في ألمانيا.
وغادر محمد بودريقة المغرب نحو بريطانيا قبل أكثر من سنة ونصف، مدعيا خضوعه لعملية جراحية بالعاصمة لندن، وبعدها للإمارات العربية المتحدة لخضوعه لفترة نقاهة، بصفته رئيسا لفريق الرجاء الرياضي وبرلمانيا عن حزب التجمع الوطني للأحرار بدائرة الفداء- مرس السلطان، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه بمدينة هامبورغ الألمانية قادما من دبي الإماراتية، وذلك بناء على مذكرة بحث دولية أصدرها المغرب ضد الرجل، بسبب تهم تتعلق بالنصب والاحتيال وإصدار شيكات بدون رصيد.
وترك بودريقة العديد من المناصب شاغرة خلفه، بعد عملية «هروبه»، إذ وجد الرجاء الرياضي لكرة القدم نفسه مسيرا دون رئيس، قبل أن تتم إقالته عن بعد، وتعيين نائبه عادل هالا رئيسا للنادي الأخضر، ليتم بعد ذلك عزل بودريقة أيضا من منصبه رئيسا لمقاطعة مرس السلطان، وتجريده من صفته برلمانيا بحزب التجمع الوطني للأحرار.
كريمين.. هكذا انتهى نفوذ «إمبراطور بوزنيقة» بدخول السجن
ظل اسم محمد كريمين، البرلماني السابق عن حزب الاستقلال والرئيس الأسبق لجماعة بوزنيقة بإقليم بنسليمان، لسنوات طويلة مرادفا للنفوذ السياسي والاقتصادي بالمدينة الساحلية الهادئة، إلى درجة أن خصومه وأنصاره أطلقوا عليه لقب «إمبراطور بوزنيقة»، قبل أن يتحول الرجل إلى واحد من أبرز المتابعين في ملفات الفساد المالي وتبديد المال العام بالمغرب.
كريمين، الذي راكم حضورا قويا داخل جماعة بوزنيقة ومجلس النواب، كان يعتبر من أكثر المنتخبين نفوذا بمنطقة بنسليمان، مستندا إلى شبكة علاقات واسعة داخل عالم الأعمال والعقار والتدبير المحلي. غير أن هذا النفوذ بدأ يتصدع تدريجيا مع تصاعد الشكايات والتقارير التي تحدثت عن اختلالات خطيرة في تدبير الجماعة، خاصة في ملفات التعمير وصفقات النظافة والتدبير المفوض.
بداية السقوط الفعلي جاءت بعد قرار عزل كريمين من رئاسة جماعة بوزنيقة، على خلفية ما وصفته السلطات بوجود خروقات مرتبطة بتضارب المصالح والتعمير، قبل أن تتحرك الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بتعليمات من النيابة العامة المختصة بجرائم الأموال، لفتح تحقيقات واسعة شملت عددا من المنتخبين والموظفين والمقاولين المرتبطين بتدبير الشأن المحلي بالمدينة.
وفي فبراير 2024، جرى توقيف محمد كريمين وإخضاعه للتحقيق أمام الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، وسط متابعة إعلامية كبيرة، بالنظر إلى حجم التهم الموجهة إليه، والتي شملت الاختلاس، وتبديد أموال عمومية، واستغلال النفوذ والإساءة في استعمال السلطة، إضافة إلى شبهات مرتبطة بصفقات التعمير والنظافة.
وتحول ملف «إمبراطور بوزنيقة» إلى قضية رأي عام، خصوصا بعد إدراج اسم عبد العزيز البدراوي، الرئيس السابق لنادي الرجاء الرياضي والمدير العام لشركة «أوزون»، ضمن المتابعين في الملف نفسه، بسبب صفقات مرتبطة بتدبير قطاع النظافة بجماعة بوزنيقة. وكشفت جلسات المحاكمة عن خيوط معقدة تتعلق بطريقة إبرام الصفقات العمومية، وشبهات تضخيم الفواتير واستغلال النفوذ لتحقيق امتيازات مالية.
وخلال أطوار المحاكمة، تمسك دفاع كريمين ببراءة موكله، معتبرا أن المتابعات ذات طابع «تقني وإداري» أكثر منها جنائي، وأن الصفقات التي أبرمتها الجماعة مرت عبر المساطر القانونية المعمول بها. وأشار الدفاع، أيضا، إلى أن عددا من الاختلالات التي أثيرت تدخل ضمن نطاق الرقابة الإدارية وليس الجنائية. غير أن النيابة العامة شددت على وجود قرائن قوية تفيد بوقوع تجاوزات خطيرة في تدبير المال العام واستغلال المنصب لتحقيق منافع غير مشروعة.
ولم تتوقف متاعب كريمين عند هذا الملف، إذ وجد نفسه متابعا أيضا في قضية أخرى تتعلق بتزييف أختام الدولة والطوابع ووثائق رسمية، إلى جانب متهمين آخرين، في ملف فتح بدوره نقاشا واسعا حول شبكات التلاعب بالوثائق الإدارية والعقارية.
وفي يوليوز 2025، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكما ثقيلا في حق محمد كريمين، قضى بسجنه سبع سنوات نافذة، مع غرامة مالية قدرها 100 ألف درهم، إضافة إلى مصادرة ممتلكات وأموال مرتبطة بالقضية. فيما أدانت المحكمة عبد العزيز البدراوي بست سنوات سجنا نافذا، والمهندس السابق بالجماعة بأربع سنوات حبسا نافذا.
ويرى متابعون أن ملف «إمبراطور بوزنيقة» يعكس تحولا لافتا في طريقة تعامل القضاء المغربي مع ملفات الفساد المرتبطة بالمنتخبين ورؤساء الجماعات الترابية، خاصة في ظل تصاعد مطالب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشديد الرقابة على تدبير الصفقات العمومية والمال المحلي.
أبدوح.. نهاية برلماني وسياسي استقلالي في ملف «كازينو السعدي»
بعد سنوات طويلة من النفوذ السياسي والجماعي بمدينة مراكش، انتهى المسار السياسي للقيادي الاستقلالي، عبد اللطيف أبدوح، خلف أسوار السجن، على خلفية واحدة من أقدم وأشهر قضايا الفساد المالي التي عرفها المغرب، والمعروفة إعلاميا بملف «كازينو السعدي».
عبد اللطيف أبدوح، الذي شغل لسنوات منصب رئيس بلدية المنارة جليز بمراكش، وعضوية مجلس المستشارين باسم حزب الاستقلال، كان يعتبر من أبرز الوجوه السياسية النافذة بالمدينة الحمراء، قبل أن يتحول إلى المتهم الرئيسي في قضية عمرت لأكثر من 18 سنة داخل أروقة المحاكم.
وتعود بداية القضية إلى منتصف العقد الأول من الألفية، حين تفجرت شبهات تتعلق بتفويت عقار جماعي لفائدة شركة مرتبطة بمشروع «كازينو السعدي» في ظروف وصفت بغير القانونية، مع الحديث عن وجود اختلالات في مسطرة التفويت وتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ لفائدة أطراف معينة. وأثارت القضية آنذاك ضجة سياسية وقضائية كبيرة بمدينة مراكش، بالنظر إلى حجم الأسماء المتورطة فيها من منتخبين ومسؤولين جماعيين.
التحقيقات والمتابعات القضائية شملت عبد اللطيف أبدوح وعددا من المستشارين الجماعيين والمنتخبين، حيث وجهت إليهم تهم ثقيلة، من بينها تبديد أموال عامة، واستغلال النفوذ، والرشوة، والتزوير في وثائق رسمية واستعمالها، والمشاركة في ذلك. وظل الملف يتنقل بين درجات التقاضي لسنوات طويلة، قبل أن يصل إلى محكمة النقض التي أصدرت قرارا حاسما برفض الطعون المقدمة من المتهمين وتثبيت الأحكام الصادرة في حقهم.
وبموجب الأحكام النهائية، أدين عبد اللطيف أبدوح بخمس سنوات سجنا نافذا، مع غرامة مالية قدرها 50 ألف درهم، إضافة إلى مصادرة شقق مملوكة له بمنطقة «عرصة سينكو» لفائدة الدولة. كما صدرت أحكام بالسجن في حق عدد من المستشارين الجماعيين المتابعين معه في الملف.
وفي فبراير 2025، عاد اسم أبدوح بقوة إلى واجهة الأحداث، بعدما اختفى لساعات عن الأنظار مباشرة بعد شروع السلطات الأمنية في تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة في حق المدانين في الملف. غير أنه سرعان ما سلم نفسه إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بمراكش في الساعات الأولى من صباح يوم 11 فبراير 2025، قبل أن يتم إيداعه سجن الأوداية لقضاء العقوبة السجنية المحكوم بها.
وشكل تنفيذ الأحكام في ملف «كازينو السعدي» حدثا بارزا داخل الأوساط السياسية والقضائية، باعتبار القضية من أطول ملفات الفساد المالي التي عرضت على القضاء المغربي، بعدما استغرقت قرابة عقدين بين التحقيق والمحاكمة والطعن بالنقض. كما اعتبر كثيرون أن الملف يمثل لحظة رمزية في مسار محاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأنه طال شخصيات سياسية كانت توصف لسنوات بـ«النافذة» داخل مدينة مراكش.
وخلال مختلف مراحل المحاكمة، تمسك دفاع عبد اللطيف أبدوح ببراءة موكله، معتبرا أن القضية ذات خلفية سياسية، وأن عمليات التفويت والصفقات موضوع المتابعة تمت وفق المساطر القانونية المعمول بها آنذاك. غير أن القضاء اعتبر أن الوقائع والمعطيات المتوفرة تثبت وجود تجاوزات خطيرة في تدبير المال العام والممتلكات الجماعية.
من قمة النفوذ داخل المجالس المنتخبة بمراكش إلى زنزانة سجن الأوداية، تختزل قصة عبد اللطيف أبدوح واحدة من أكثر قضايا الفساد المالي إثارة للجدل في المغرب، في ملف ظل لسنوات عنوانا للصراع بين السياسة والقضاء والمال بمدينة مراكش.
شدا.. «الرجل القوي» ببني ملال في قبضة جرائم الأموال
بعد سنوات من النفوذ السياسي والتدبير المحلي بمدينة بني ملال، وجد البرلماني الحركي السابق، أحمد شدا، نفسه خلف أسوار سجن «عكاشة»، على خلفية واحدة من أبرز قضايا تبديد واختلاس الأموال العمومية التي تفجرت خلال السنة الماضية، في ملف يتابع فيه منتخبون وموظفون ومقاولون ومكاتب دراسات.
أحمد شدا، الذي سبق أن شغل منصب رئيس جماعة بني ملال، وعضوية مجلس النواب باسم حزب الحركة الشعبية، كان يعد من أبرز الوجوه السياسية بالجهة، قبل أن تبدأ متاعبه القضائية عقب تقارير رقابية تحدثت عن اختلالات خطيرة في تدبير الجماعة، خاصة في مجالات الصفقات العمومية والتعمير والإنارة العمومية وتدبير النفايات.
وتعود بداية الملف إلى شكاية تقدمت بها المنظمة المغربية لحماية المال العام، استندت إلى معطيات وردت في تقرير للمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية، كشف اختلالات مالية وإدارية كبيرة خلال فترة تسيير شدا لجماعة بني ملال. وعلى إثر ذلك، باشرت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية تحقيقات موسعة انتهت بإحالة شدا و15 شخصا آخرين على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
وفي ماي 2025، أمر قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال بإيداع أحمد شدا السجن الاحتياطي بسجن عين السبع «عكاشة»، إلى جانب موظفين ورجال أعمال ومهندسين، فيما تمت متابعة آخرين في حالة سراح، مقابل كفالات مالية. وشمل القرار أيضا تجميد ممتلكات وأرصدة بنكية تعود إلى شدا وأفراد من عائلته وشركات مرتبطة بهم.
وبحسب المعطيات التي تضمنها تقرير التفتيش، فإن التحقيقات همت شبهات تتعلق بتفويتات عقارية غير قانونية، والتلاعب في الصفقات العمومية، والتقاعس عن استخلاص رسوم ضريبية لفائدة الجماعة، ما تسبب – وفق التقرير – في ضياع مداخيل بملايين الدراهم. كما تحدث التقرير عن اختلالات في مشاريع التأهيل الحضري والإنارة العمومية، وإسناد صفقات لمكاتب دراسات وشركات بطريقة وصفت بغير القانونية.
ومن بين أخطر النقاط التي أثارتها التحقيقات، ما يتعلق بعدم استخلاص رسوم على الأراضي الحضرية غير المبنية، وهو ما فوت على جماعة بني ملال موارد مالية ضخمة، إضافة إلى شبهات مرتبطة باستغلال مرافق جماعية دون سند قانوني، والتهاون في استرجاع أموال لفائدة الجماعة، بعد عمليات بيع عقارات جماعية. كما سجل التقرير خروقات في طلبات العروض، من بينها إقصاء منافسين ومنح صفقات لشركات ومكاتب دراسات مقربة.
وخلال الأشهر الأخيرة، دخل الملف مرحلته القضائية، بعدما شرعت غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في محاكمة أحمد شدا وباقي المتابعين، وسط متابعة إعلامية وحقوقية واسعة. وقررت المحكمة تأجيل الجلسات أكثر من مرة لاستدعاء بعض الأطراف، واستكمال المساطر القانونية المرتبطة بالملف.
في المقابل، يتمسك دفاع شدا ببراءة موكله، معتبرا أن عددا من الاختلالات المثارة تدخل في إطار التدبير الإداري والتقني للجماعات الترابية، وليس ضمن جرائم الاختلاس والتبديد. كما يشدد الدفاع على أن الصفقات التي أبرمت خلال فترة رئاسته خضعت للمراقبة الإدارية والمالية، نافيا وجود أي نية إجرامية، أو استفادة شخصية من المال العام.
ويرى متابعون أن ملف أحمد شدا يندرج ضمن سلسلة من الملفات الثقيلة التي أطاحت خلال السنوات الأخيرة بمنتخبين وبرلمانيين ورؤساء جماعات، في سياق تصاعد مطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشديد الرقابة على تدبير المال العام والصفقات المحلية.
الفايق.. من هندسة الخريطة الانتخابية بفاس إلى سجن «تولال»
شكل اسم رشيد الفايق لسنوات أحد أكثر الأسماء حضورا ونفوذا في المشهد السياسي بمدينة فاس، حيث لعب دور مهندس الخريطة الانتخابية في الاستحقاقات الجماعية والتشريعية لسنة 2021، قبل أن يتحول البرلماني السابق ورئيس جماعة أولاد الطيب إلى واحد من أبرز وجوه ملفات الفساد وجرائم الأموال بالمغرب، في قضية معقدة تشعبت خيوطها بين العقار والصفقات العمومية وغسل الأموال واستغلال النفوذ.
الفايق، الذي انتخب برلمانيا باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، راكم نفوذا واسعا داخل جماعة أولاد الطيب بضواحي فاس، حيث ظل يوصف بـ«الرجل القوي» في المنطقة، مستندا إلى شبكة علاقات واسعة داخل عالم العقار والأعمال والسياسة المحلية. غير أن هذا النفوذ بدأ يتهاوى تدريجيا بعد توالي الشكايات والتقارير التي تحدثت عن اختلالات خطيرة في تدبير الجماعة، خاصة في ملفات التعمير والعقار والتفويتات المشبوهة.
وبدأت المتاعب القضائية للفايق بعدما فتحت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس تحقيقات موسعة، انتهت بإحالته على غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف، إلى جانب عدد من أفراد عائلته وموظفين ومنتخبين ومقاولين. ووجهت إليه تهم ثقيلة، من بينها الارتشاء، وتبديد أموال عمومية، واستغلال النفوذ، والتزوير، والتلاعب في وثائق التعمير، إضافة إلى شبهات تتعلق بالاستيلاء على عقارات وتفويتات غير قانونية.
وخلال المحاكمة، كشفت التحقيقات عن معطيات مرتبطة بما وصف إعلاميا بـ«مافيا العقار»، حيث تحدثت تقارير عن وجود شبكة تستغل النفوذ داخل الجماعة لتسهيل عمليات تفويت عقارات وتسوية ملفات تعمير، مقابل امتيازات مالية. كما شملت المتابعات شقيقيه، من بينهما جواد الفايق، الرئيس السابق لمجلس عمالة فاس، إضافة إلى مقاولين ومهندسين وموظفين جماعيين.
وفي واحدة من أبرز المحطات القضائية، أصدرت غرفة الجنايات المختصة بجرائم الأموال أحكاما ثقيلة في حق المتابعين، حيث أدين رشيد الفايق بثماني سنوات سجنا نافذا، فيما صدرت أحكام متفاوتة في حق باقي المتهمين، من ضمنهم شقيقه جواد الفايق. واعتبر متابعون أن القضية شكلت واحدة من أكبر ملفات الفساد المرتبطة بالتعمير والعقار بجهة فاس مكناس.
ولم تتوقف متاعب الفايق عند هذا الحد، إذ وجد نفسه سنة 2026 في مواجهة ملف جديد يتعلق بغسل الأموال، بعدما قررت النيابة العامة متابعة 16 شخصا، من بينهم أفراد من عائلته وكاتبته الخاصة ومقاولون وموظفون، للاشتباه في تورطهم في تبييض عائدات مرتبطة بجرائم المال العام واستغلال النفوذ. وانطلقت جلسات المحاكمة الجديدة أمام غرفة غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية بفاس، خلال مارس 2026.
وفي آخر التطورات، عاد اسم رشيد الفايق إلى الواجهة، بعد دخوله في إضراب عن الطعام من داخل سجن «تولال 2»، احتجاجا على ما اعتبره «تجميد» شكاية سبق أن تقدم بها ضد قياديين سياسيين، تتضمن اتهامات بالنصب والابتزاز. وأثار هذا التطور جدلا جديدا حول الملف، خاصة بعد قرار النيابة العامة حفظ الشكاية، بسبب غياب معطيات كافية، وفق مصادر إعلامية.
ويعتبر متابعون أن قصة رشيد الفايق تعكس نموذجا صارخا لتحول بعض المنتخبين من مواقع النفوذ السياسي والاقتصادي إلى قاعات محاكم جرائم الأموال، في ظل تشديد الرقابة على الجماعات الترابية، وتصاعد مطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة.
من رئاسة جماعة أولاد الطيب ومقاعد البرلمان إلى زنزانة سجن «تولال»، تختزل قصة رشيد الفايق واحدة من أكثر قضايا التعمير والعقار إثارة للجدل بمدينة فاس خلال السنوات الأخيرة، في انتظار ما ستكشف عنه المحاكمات الجارية في ملف غسل الأموال وباقي القضايا المرتبطة به.
البوصيري.. من نائب عمدة فاس إلى زنزانة بسجن «بوركايز»
لم يكن أحد يتوقع أن ينتهي المسار السياسي لعبد القادر البوصيري، البرلماني السابق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ونائب عمدة فاس السابق، خلف أسوار السجن، بعد سنوات قليلة من الحضور القوي داخل المشهد الانتخابي بالعاصمة العلمية. غير أن ملفا ثقيلا مرتبطا بشبهات فساد مالي وتلاعب في الصفقات العمومية قلب مسار الرجل رأسا على عقب، وحوله من منتخب نافذ إلى واحد من أبرز المتابعين في قضايا جرائم الأموال بالمغرب.
البوصيري، الذي شغل منصب النائب الثالث لعمدة فاس، وعضوية مجلس النواب باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، كان يعتبر من أبرز الوجوه السياسية داخل جماعة فاس، بعدما سطع نجمه عقب الانتخابات الجماعية والتشريعية التي جرت في شهر شتنبر 2021، قبل أن تتفجر قضية فساد مالي وإداري هزت الجماعة، لتقود إلى سقوط عدد من الموظفين والمقاولين والمنتخبين.
بداية الملف تعود إلى تحقيقات باشرتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس، بناء على معطيات وتقارير تحدثت عن وجود اختلالات خطيرة في تدبير الصفقات العمومية والتعمير داخل الجماعة. وبعد أشهر من البحث والاستماع إلى عشرات الأطراف، قرر الوكيل العام للملك متابعة عبد القادر البوصيري و10 متهمين آخرين في حالة اعتقال احتياطي، وإيداعهم سجن «بوركايز» بضواحي فاس.
ووجهت إلى البوصيري تهم ثقيلة، من بينها الاختلاس وتبديد أموال عمومية، والارتشاء، واستغلال النفوذ، والتزوير في محررات رسمية وإدارية، وأخذ منفعة من مشروع يتولى الإشراف عليه، إضافة إلى تهم مرتبطة بإقصاء منافسين من صفقات عمومية عبر التواطؤ واستعمال وسائل احتيالية.
وكشفت جلسات التحقيق والمحاكمة عن معطيات مثيرة تتعلق بطريقة تدبير بعض الصفقات داخل جماعة فاس، خاصة المرتبطة بالأشغال والتعمير، حيث تحدثت التحقيقات عن وجود شبكة تضم موظفين جماعيين ومقاولين ووسطاء، يشتبه في تدخلها لتوجيه صفقات واستغلال النفوذ لتحقيق منافع مالية. كما أثيرت شبهات مرتبطة بمنح رخص ووثائق إدارية مقابل امتيازات مالية.
وفي فبراير 2024، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس حكما ابتدائيا يقضي بسجن البوصيري خمس سنوات نافذة وغرامة مالية قدرها 100 ألف درهم، قبل أن تعود الغرفة الاستئنافية لاحقا إلى تشديد العقوبة ورفعها إلى ثماني سنوات سجنا نافذا، مع الإبقاء على الغرامة المالية.
ولم تتوقف متاعب البوصيري عند هذا الحد، إذ كشفت معطيات جديدة نهاية سنة 2025 عن فتح تحقيقات إضافية بشأن شبهات غسل الأموال، بعد الاشتباه في تحويل عائدات مرتبطة بجرائم المال العام إلى ممتلكات واستثمارات وأصول مالية. كما تحدثت تقارير إعلامية عن مطالب قضائية بمصادرة ممتلكات وأموال مرتبطة بشبكة يشتبه في ارتباطها بالملف.
وخلال جلسات المحاكمة، تمسك دفاع البوصيري ببراءة موكله، معتبرا أن الملف «ذو طابع تقني وإداري»، وأن عددا من الاختلالات المثارة تدخل ضمن نطاق التدبير الجماعي وليس الجرائم الجنائية. كما شدد الدفاع على غياب أدلة مباشرة تثبت استفادة البوصيري الشخصية من الأموال موضوع المتابعة. في المقابل، تؤكد النيابة العامة أن الملف يتضمن قرائن قوية ووثائق وخبرات تثبت وقوع تجاوزات خطيرة في تدبير المال العام داخل جماعة فاس.
ويرى متابعون أن سقوط عبد القادر البوصيري يعكس التحولات التي يعرفها ملف محاربة الفساد بالمغرب، خاصة مع تزايد عدد المنتخبين والبرلمانيين الذين وجدوا أنفسهم أمام محاكم جرائم الأموال، بسبب شبهات مرتبطة بالصفقات العمومية والتعمير واستغلال النفوذ.





